الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة أولية في «قهوة رديئة» للقاص جمعة شنب

تم نشره في الجمعة 4 كانون الأول / ديسمبر 2015. 02:00 مـساءً

 عبد الرحيم جداية *
تعد مجموعة (قهوة رديئة) القصصية للقاص الأردني جمعة شنب والصادرة عن الأهلية للنشر والتوزيع عام 2015م، من المجاميع القصصية القليلة التي تشف وتترك للقارئ إمكانية الوصف، تشف عن واقع، وتكشف بذكاء شديد عن الأبعاد الاجتماعية والسياسية للواقع المقتنص في تجربة القاص جمعة شنب.
أولا: بعد الزمن: إن عنوان المجموعة (قهوة رديئة) يحمل دلالات زمنية وتشير من خلال الزمن إلى صباحات رديئة، كما تشير إلى مساءات رديئة، وبالتالي تشير إلى أوقات أوسع، مشيرة إلى نهارات رديئة وليال رديئة، لتعيد مجمل الإشارات إلى يوم رديء وزمن رديء.
قهوة رديئة وإمكانية التصحيح، فهل لهذه القهوة أن تكون قهوة جيدة أو كانت ذات حين قهوة جيدة، وربما مستساغة ولذيذة، فهذه الإشارة الزمنية للقهوة الرديئة والزمن الرديء، تحمل في طياتها ماض كان أفضل، وبتعديل مزاج القهوة التي تعبر عن شاربها فربما يكون قادم أفضل.
القاص جمعة شنب، يحمل في ثنايا مجموعته القصصية واقعا وذاكرة، واقع يحمل مذاق القهوة برداءتها ولذتها التي يصبو إليه كما يصبو إلى واقع أجمل، كما تحمل القهوة الرديئة ذاكرة القهوة اللذيذة بنكهتها ورائحتها وجلستها على شرفة الزمان الذي يطل على واقع رديء كقهوة هذا الزمان.

ثانيا: العبثية: جمعة شنب في مجموعته القصصية (قهوة رديئة) صاحب أسلوب يحمل الشيء وضده في نصه القصصي، ويجمل لغته الفنية بالأضداد، تلك الأضداد التي ولدت من تفاصيل صغيرة، فمجمل قصص المجموعة تقوم على تفاصيل صغيرة، وتشير هذه التفاصيل إلى العبثية، المدرسة الفنية في المسرح التي قادها (صمويل بيكيت) وكان أحد روادها في مسرحية (بانتظار جودو)، هذه العبثية التي جاءت بعد بناء بشري لتاريخ الحضارات والثقافات التي ازدهرت وانحدرت لأسباب طائشة عبثية، فهو ليس دادائيا في هذه المجموعة القصصية، ليهدم البناء قبل إقامته، لأن الدادائيين فهموا هذا الهدم بعد الحربين الكونيتين، لكن عبثية (صمويل بيكيت) وعبثية جمعة شنب هي الفكرة الناقدة للواقع المعاش مقارنة بالواقع المتخيل وهو ما يجب أن يكون عليه.
ثالثا: مفاتيح المجموعة: فالواقع المعاش، واقع العولمة التي اجتثت الطبقة الوسطى، أحد أهم أركان الدولة كما تعمل على اجتثاث الثقافات المجتمعية العربية وغيرها من الثقافات في أنحاء العالم، لهذا جاءت عناوين قصص المجموعة القصصية (قهوة رديئة) كما يلي:
1- العنوان البطل: والمحرك للحدث وصانع الحدث، والمؤسس لقيمة الحدث في القصة، رغم بساطة الأسلوب، وبساطة الحكاية التي تحملها القصة، إذ أن الحكاية في (أولاد الحارة) و(الرجل الطويل) و(محاولة) و(حافلة) وغيرها من القصص والومضات القصصية تخفي في ثناياها موضوعا وطنيا واجتماعيا، وتعريفا بالسلطة والحكم والدكتاتوريات في مقابل الضعف النفسي المجتمعي عند افراد المجتمع الذين يبحثون للسلطة عن مبرر.
2- الجملة الموجهة:وتظهر جملة «إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى» هذه الجملة وجهت الفكرة إلى الحلم بالجنة، هذا الحلم الذي يعيشه أفراد المجتمع الجياع العراة، الذين يبحثون عن حقهم في الحياة، أو حتى أبسط حقوقهم في الحياة، فجاءت الجملة «إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى» موجهة النص إلى المجهول، في مغامرة عبثية يسافر فيها الشاب إلى أميركا، مما يقابل كسر المتوقع عند خوض المجهول الذي حلم بالجنة، ليجد سفره إلى أمريكا مجرد أكذوبة، إذ يصل هناك ويجد في أرض الميعاد وأرض الأحلام وبلاد العم سام الكذبة الكبرى.
3- السمات: تحمل هذه المجموعة القصصية  تختبر العديد من السمات:
أ‌- السمات الاجتماعية، مثل التبعية والصمت والانقياد في قصة (الرجل الطويل) وتؤكد هذه السمات من التبعية والانقياد والتبرير في قصة (الحافلة).
ب‌- السمات الشخصية، يبرز البحث عند جمعة شنب عن العالم الداخلي للإنسان، هذا العالم المحشو بالذات والنفس، واساليب الدفاع عن هذه النفس والذات، الذي قال بها علماء النفس إذ تمثل سمات الشخصية ملامح الشخصية الداخلية، وتبرز صوتها الواعي أو الغافل عن الحقيقة، كما تبرز هذه السمات المشاعر الإنسانية التي يعيشها الفرد في المجتمع الذي يتشكل منه، ويتشكل معه.
فالتبرير والإضفاء واللوم من السمات النفسية التي عبر عنها بأسلوب قصصي جميل في قصة (دفتر) حيث يعود الزوج وزوجته معلقين فشلهم الزوجي على أسباب تافهة أو رديئة، كقهوتهم ذاك المساء، وعودة الزوجين بسبب رديء آخر بعد أن قصدا المحكمة للطلاق، والعودة لأن المحكمة مغلقة بسبب العطلة الرسمية، حيث يشير جمعة شنب في هذه القصة إلى التحول من الزواج الشرعي إلى الزواج المدني.
حيث قامت القصة بمجملها على التبرير واللوم، كما في قصة (معايدة) حيث تتحدث الزوجة عن زوجها في زيارة عيد أنه رجل لئيم وسارق ومقامر، معلنة بشاعة الرجال وجشعهم، ليكون الحوار في الزاوية المقابلة الرجل الذي يصف الزوجة بأنها عديمة الوفاء وأنهن متطلبات متذمرات وربما يصل بهن الأمر إلى الاعتداء الجسدي.
4- اللغة: وهي من أبرز السمات الشخصية للقاص جمعة شنب، حيث لذة اللغة الأدبية بارزة في سطور لغته القصصية ليتكامل المنهج اللغوي سمة جمالية بارزة في مجموعة (قهوة رديئة)، حيث يختبر القاص جمعة شنب اللغة بدقة وعناية في مستويات اللغة صوتيا وصرفيا ونحويا ودلاليا، لتبلغ اللغة ذروة في النظام اللغوي القصصي.
5- الطبقية والحرية: سمتان بارزتان في قصتي (كعك بالسميد) و(زحف) حيث تبرز العلاقة الطبقية في الفقر، مؤشرا إلى تعدد الطبقات الوسطى والنبلاء في قصة (كعك بالسميد) إضافة إلى ما تعارف عليه علماء الاجتماع من طبقة الفقراء والبرجوازية أو الوسطى وطبقة الأغنياء، بهذه القصة يحفر جمعة شنب في الطبقات الاجتماعية ليعيد رسمها في طبقة الفقراء مشيرا إلى عدم المساواة حتى بالفقر، وفي قصة زحف نجد علاقة بين الموت وحارس المقبرة السكير، الموتى الباحثين عن الحرية أملا بالخروج من بين الأنقاض وما هو إلا إسقاط على الموتى الأحياء، حيث يعرفهم طبقيا بالموتى القدمى الذين ينهشون سقوف القبور والسكان الجدد، حيث يبحثون عن الزحف والنهوض في قصة (زحف) في ثورة تبدأ بقتل الحارس الذي يمثل السجان وانطلاقهم إلى المدينة وربما من خلال قصة (زحف) نعيد قراءة بعض افلام هوليود مثل افلام زومبي وغيرها من الافلام التي يبعث فيها الموتى بقلم الأدباء إلى الحياة، علهم يأتون بجديد في ثورة الطبقة السفلى بحراسة(آلكا) عند الفراعنة الذي يحرس الموتى في الثقافة الفرعونية، مما يثير السؤال هل يحرس (آلكا) موتى الفراعنة من ثورة العبيد على الأسياد، وهذا ما قدمه الروائي حسين منصور العمري في مقام (آلكا) في روايته (لعنة الفراعنة).
الخاتمة: يضع جمعه شنب في مجموعته القصصية المتلقين أمام حالات من الحيرة والتفكير بعلاقة الواقع في الخيال الذي يحدد جموح القصة في أبعد مستوياتها ويهيئ المتلقي بعدم المباشرة إلى الغوص أعمق في طبقات النص القصصي بحثا عن علائق واحتمالات اجتماعية وسياسية تحكم سيرة النص القصصي الذي يتعب المتلقي في التحليل والتأويل، محاولا الوصول إلى معان دفيئة وجليلة داخل النص.
فالنص القصصي عند جمعه شنب لا يثير الدهشة بقدر ما يكسر حاجز الصمت ولا تنفلت العيون عن متابعة النص حتى آخر قطرة فيه، لتتقافز الأسئلة في ذهن المتلقي عن القصد وراء السرد وفنياته، والقصد وراء الكُنه والأسماء والرموز التي وظفها القاص في مجموعته (قهوة رديئة).
فالقصد يكاد يبرز بعفوية كأن الكاتب لم يتدخل في بناء نصه على الرغم من بنائها القصصي المكثف في فكرته واقتصاده اللغوي، إضافة إلى الأرقام التي وظفها على مدى مجموعته القصصية، حيث برز بوضوح الرقم أحد عشر والرقم سبعة وعشرون، مما يلفت أيضا في (قهوة رديئة) العدد الفردي الذي يتكرر في انحاء النصوص القصصية.
ويؤكد زهير أبو شايب بما كتبه على غلاف المجموعة القصصية الخلفي، أن نصوص جمعة شنب لا تفقد سرديتها، ولا يتخلى عن ملامحه حيث يذهب إلى المعيش والواقعي، في الواقعي ليس واقعيا تماما، لذا فأن مقاربته لا تكون إلا من خلال لغة انطباعية، كما ذكر زهير أبو شايب أن المجموعة تكشف في العمق عن طبيعة العلاقة بين العنف والسرد في خفة لا تحتمل.
ما قدمه زهير أبو شايب من قطعة نقدية قائمة على مفاهيم العنف والواقع والانطباع فيها من اللمسات الذكية في الفكر النقدي الذي يستطيع ان يحوي ملامح القص في مجموعة قصصية بخفة ورشاقة .
هكذا يضبط جمعة شنب إيقاعه القصصي في سردية رشيقة شكلت مجموعته القصصية (قهوة رديئة) بفنية عالية.
(قدمت هذه القراءة في حفل توقيع مجموعة «قهوة رديئة» للقاص جمعة شنب الذي أقامه فرع رابطة كتاب الأردنيين في اربد، في بيت عرار، يوم الأربعاء 16/9/2015)
* شاعر وناقد من الأردن

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش