الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رسالة « وصفي » التي لم نلتقطها..؟!

حسين الرواشدة

السبت 5 كانون الأول / ديسمبر 2015.
عدد المقالات: 2558

احتفاء الاردنيين بذكرى وفاة الشهيد وصفي التل هذا العام كانت مختلفة تماما، صحيح ان للفقيد في ذاكرة الاردنيين قيمة ورمزية خاصة لم تتراجع منذ 45 عاما ، لكن الصحيح ايضا ان احياء هذه الذكرى في هذا التوقيت ، وبهذه الصورة ، حمل رسالة مزدحمة بالمعاني والدلالات والاشارات ، لكن لواقطنا السياسية للاسف لم تستقبلها كما يجب ، ولم تفلح في فك شيفرتها بالطريقة الصحيحة والمطلوبة.
الاخطر من ذلك، ان هذه اللواقط المعطّلة سمحت – بقصد او بدون قصد – بمرور رسائل اخرى صادمة ، جاءت معاكسة للرسالة التي حملتها ذكرى الشهيد التل ، فبينما كان الناس يستذكرون مع وصفي قيما عزيزة مثل النزاهة والصراحة والاستقامة والاحساس بمعاناة الناس والعمل على تخفيف وطأة الظروف الصعبة عليهم ، وفتح الانسدادات السياسية امامهم ، ويستعيدون مواقفه السياسية والقومية وسجالاته الوطنية التي سجّل فيها نموذجا فريدا لرجل الدولة الذي يتحرك دائما باتجاه الناس ومصلحة الوطن العليا ، بينما كانوا يفعلون ذلك كنوع من الاحساس بالفقد او الحنين للماضي او رد التحية بمثلها او البحث عن “الشبيه” البطل والمخلّص ، جاءهم الرد بأسرع مما يتوقعون على شكل مقررات وسياسات صادمة ، عنوانها للاسف “العناد “ ورسائلها محملة بالاستهانة والاستفزاز.
كان لافتا بالطبع ان معظم الذين داعبهم حلم ذكرى وصفي هم من جيل الشباب ، وهؤلاء ولدوا بعد استشهاده بخمسة عشر عاما على الاقل ، كما كان لافتا ان احتفاءهم لم يكن بشخص الشهيد وانما بالقيم التي حملها وجسّدها خلال ممارسته للعمل السياسي كرئيس للوزراء ، ومن اهمها علاقته مع الناس وثقته بهم واخلاصه للوطن ونظافة يده وشجاعته في مواجهة التحديات ، وحين ندقق في “سرّ “ هذا الاحتفاء نكتشف ان مثل هذه القيم تراجعت  واصبحت غائبة في واقعنا ، كما نكتشف ان الفراغ الذي تركه وصفي ، كانسان ورجل دولة ، ما زال شاغرا لم يستطع احد ان يملأه ، ربما يقال هنا ان السر في استحضار وصفي رحمه الله يتعلق بحادثة اغتياله ، وان الشهادة هي التي اعطته هذا الالق وحفرت له مكانا في الذاكرة الاردنية ، وهذا صحيح لكنه لا يكفي لكي نفهم الصورة من كافة زواياها ، فقد استشهد كثيرون ونزلوا من الذاكرة الشعبية بعد سنوات ، الامر الذي يجعلنا نبحث عن “اسرار” اخرى تفصح عن معنى ارتباط ذكرى وصفي بذاكرة الاردنيين ، واستدعائهم لها ، واصرارهم على مواجهة واقعهم بها ، وهي اسئلة تحتاج الاجابة عليها الى البحث في ثلاثة اتجاهات : الاول الشخصية الجمعية للاردنيين بما يتميز به مزاجهم العام وما يؤثر فيه ،  الثاني شخصية وصفي التي استطاعت ان تفرز من الناس افضل ما لديهم لخدمة بلدهم ، وان توظف اختلافاتهم وفقرهم وتعبهم في معركة بناء الاردن واعتباره قضيتهم الاولى والاخيرة ، الثالث الواقع الحالي – بما فيه من ازمات وتحولات – الذي دفع الناس الى “الالتجاء” لروح وصفي ، والبحث فيه عن بصيص امل او خلاص.
كان يفترض – بالطبع – ان نستثمر في هذه الرسائل  ، وان نفهمها في سياق اعادة ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها ورجالاتها ، كما كان يفترض ان نخرج من صندوق الذات الى فضاء الفكرة والقيمة ، واقصد هنا ان نتجاوز ذكرى وصفي الشخصية على اهميتها الى ما اسسّه من قيم ومواقف ساهمت في الحفاظ على الدولة الاردنية في مرحلة عصيبة ، خاصة ونحن نواجه اوضاعا اسوأ واخطر ، ونحتاج الى قرارات حكيمة وجريئة كتلك التي اتخذها وصفي التل ثم اعاد الاردنيون استذكارها الان ، وكأنهم يرون فيها المخرج لبلدهم من الازمات التي تحاصره.
يدرك الاردنيون ان وصفي رحمه الله لن يعود ، لكن القيم التي حملها لم تمت ويمكن ان تستعاد ، اما كيف ؟ فهذا يتوقف على الاردنيين انفسهم ، كما يتوقف على الدولة التي حملت وصفي الى الرئاسة وضحى من اجلها بروحه ،  ارجو ان لا تسألني عما يجب ان يفعله الاردنيون ، فما المسؤول عنه باعلم من السائل ، اما الدولة فهي مدعوة الى استعادة عافيتها ، وتجديد نخبها ، واعادة الاعتبار لقيمها التي قامت عليها ، وصولا الى التصالح مع مكوناتها.
تبقى الاسئلة الصعبة ، وهي : هل تغير الاردنيون فعلا ، وفي اي تجاه ، ولماذا يشعرون اليوم باليتم ، ثم ماذا عن النخب السياسية التي ما تزال تصر على ان تصدم الناس بمواقفها ، والحكومات التي تفاجئ الشارع يقراراتها،  والنخب التي “تدوّر” المصالح والمناصب فيما بينها ..ماذا عن المشروع الوطني الذي نبحث عنه ولا نجده ، وماذا ايضا عن امل الاردنيين وحلمهم في “وطن عزيز “ وعيش كريم ..؟

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش