الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مؤشر للخواء الروحي والامتثال للاجنبي: ثقافة الاستهلاك تفرض سيطرة شاملة على مجتمع يفقد هويته

تم نشره في الثلاثاء 10 كانون الأول / ديسمبر 2002. 02:00 مـساءً
مؤشر للخواء الروحي والامتثال للاجنبي: ثقافة الاستهلاك تفرض سيطرة شاملة على مجتمع يفقد هويته

 

 
التحقيقات الصحفية ـ طلعت شناعة - البقالة الصغيرة لسد الحاجة و»السوبر ماركت« يفتح الآفاق لشراء ما لم يكن في الحسبان، هكذا تعاملنا مع دكان القرية.. وهكذا نفعل حين نتجول في محلات الاشياء الكبيرة.
الشراء رغبة في الامتلاك وللكلمة دلالات تتصل بعوامل الجذب والاستحواذ والاستسلام »لدعاية« وصورة الاشياء.
ولكن ما علاقة ذلك بـ »ثقافة الاستهلاك..« قد تبدو المسألة متناقضة، فالثقافة ـ وعي ايجابي والاستهلاك سلوك مادي قائم على البذخ والتبذير.
وفي عصرنا تعددت الثقافات واخذت اشكال الناس واذواقهم ومنظومتهم الاخلاقية والقيمية.
ثقافة الاستهلاك.. مستوردة وهي سلوكيات قادمة من الغرب بكل ما تحمله من نظرة الى الحياة ونحن »اردنيا وعربيا« اغوتنا السلع وصارت لدينا حداثة شرائية وحداثة تسويقية.
وهدمنا »الدكان.. واستبدلناه بـ »سوبر ماركت« وشهدت مدننا اسواقا عملاقة تحتوي على ما يحتاجه المرء وما لا يحتاجه طعاما وشرابا وكساء واستخداما من جلدة الحنفية الى السيارة مرورا بالعطور والمجلات و»البوظة« و»الكابتشينو«.
عنوان »التحقيق« يطرح اسئلة وفي نفس الوقت يحمل ادانة لبعض الانماط »الدخيلة« واذا كنا »مهادنين« نقول »غريبة علينا« لا بأس من جولة في واقعنا مع عدد من الآراء.

شوكولاتة
ذهبت للتأمل ولفت انتباهي شاب ربط مؤخرة شعره مثيرا ضحكة طفلة بريئة اصطدمت عربتها به.
بعض الفتيات جئن لشراء »الشيكولاتة« فقط فترى »العربة« امامهن وقد اقتصرت مكوناتها على »الشامبو« و»الشيكولاتة«..
تسير، فتفاجئك اللحوم بانواعها ومصادرها وكذلك اللحوم البيضاء »الدجاج« الذي قطع الى اجزاء حسب الرغبة »الاجنحة« لوحدها و»الارجل« لوحدها و»الصدور« وهكذا تقدم السلع شبه جاهزة ولكي تختصر سيدة البيت الوقت في الاعداد.
وكذلك ان كان المشتري رجلا وحيدا »الاشياء متجددة لمزيد من الجذب، ومرتبة بعناية وفي الغالب تجد عبارة »اشتر واحدة واحصل على الثانية مجانا« مع ملاحظة الخطأ الاملائي حيث تضاف »الياء« لفعل الأمر.
انواع الاطعمة »لبنانية، مصرية، امريكية، ايطالية« وهناك الاكلات البحرية كالاسماك وغيرها.
ابناء وبنات الجاليات الاجنبية يجدون في مثل هذه الاسواق ما يبحثون عنه من مواد غذائية ربما اعتادوا عليها في بلادهم، فتيات يضحكن.. وشباب يتسكعون يسرقون النظرات ويتشاغلون بتقليب المعلبات والسلع.
الاطفال وجدوا اماكن لهوهم (كهربائيا والكترونيا)، وحولهم »ماكنات اعداد »البوشار«.
بعض الشباب اتجه نحو ركن الموسيقى واشرطة الاغاني حيث ضجيح الموسيقى.. والذين دخلوا بدأوا الرقص مبكرا تفاعلا مع الموقف والمكان.
اما أقل الاماكن ازدحاما فهي ركن المشروبات الروحية »الخمور« حيث طبيعة السلعة تأخذ الطابع السري والشراء عادة ما يتم بسرعة حيث تختفي القارورة في كيس معتم. ونادرا ما تجد زحاما على ركن الصحف والمجلات والكتب باستثناء المجلات الاجنبية التي يقلبها الزبون بحثا عن »صورة« جميلة.
وبمناسبة شهر رمضان تجد الناس يتزاحمون على الاشياء الساخنة قبيل الافطار بدقائق لينعموا بها طازجة مما يثير الاستغراب والزحام امام المخابز ومحال صنع القطايف.

ثقل حقيقي
يقول الناقد عبدالله رضوان ان ثقافة الاستهلاك لم تعد مجرد فكرة او حالة ذهنية، لقد اصبحت واقعا يوميا يشكل ثقلا حقيقيا على الانسان، المواطن سواء كان ذلك على المستوى المادي البسيط من حيث سيادة المظهرية الكاذبة على السلوك وبخاصة في المناسبات العامة او في الافراح وبيوت العزاء او في اطار تعميم وعي زائف وعي استهلاكي في مجال تعميم حالة اعلامية، ثقافية بسيطة هو التواضع شكلية في معانيها، ساذجة، وسطحية في دلالاتها.
ان نظرة الى معظم برامج التلفزة وما تبثه الوكالات وتنشره الصحف تؤكد التوجه الاستهلاكي بل ان سيطرة الاعلانات وتحكمها بالمادة الاعلامية لهو اكبر المظاهر الاستهلاكية في المجتمع الحديث.
وللأسف الشديد، تبدو مقولات »زبينو بريجنسكي« التي بدأ بتعميمها منذ عام 1978 حقائق يومية فها هي امريكا بثاقفة الاستهلاك السائدة فيها تسيطر واقعيا على معظم العالم: على برامجه التلفزيونية فيما تبثه المحطات الفضائية وعلى صحفه، ان صياغة سريعة ومقصودة، تجري على قدم وساق لانسان القرن ليغدو صورة مشوهة للنمط الامريكي في مجال الاستهلاك فقط. وليس في مجال الانتاج.
فما زال »الكابوي« الامريكي هو حلم الشباب ذكورا واناثا في معظم العالم. وبالطبع فهذا موقف ثقافة وموقف وعي سائد اساسا.
اذن، ثقافة الاستهلاك قادته بسرعة البرق ونحن جزء من هذا العالم والخراب قادم لا بد.. والسؤال هو كيف نحافظ على شخصيتنا في هذا المعترك الكبير.

متغيرات
ويرى د. هاني العمد »مدير مكتبة الجامعة الاردنية« ان الاستهلاك يعتبر احد اهم المتغيرات الاقتصادية في عصرنا حيث يمثل الغاية الاساسية العامة للنشاط الاقتصادي وهو يمثل نسبة مرتفعة من المدفوعات ليس في الاردن فحسب بل وفي معظم البلاد لاسباب لها علاقة بالزيادة السكانية والسياسية والاقتصادية والعمالة الوافدة والانفتاح الاقتصادي ونظام الاستيراد والاعلام السريع.
وقد تعرض ابن خلدون لفكرة الاستهلاك الذي يعني عنده العرض والطلب الذي يعتمد على مستوى التكوين الرأسمالي ومستوى العمران ووصول الاستهلاك ولا سيما للفئات المتميزة في المجتمع الى ذروته هذا الوصول يؤذن باتجاه عكسي فذروة الاستهلاك تعني انخفاض الانتاجية والناتج وانحلال الدولة وانخفاض الاستهلاك.
ويواجه الاردن ظروفا اقتصادية وسياسية واجتماعية غير مستقرة تسببت في ظهور انماط استهلاكية غير مرغوب فيها ادت الى حدوث عجز مزمن في الميزان التجاري وميزان المدفوعات وانخفاض نسبة الادخار الخاص والعام وضعف القدرة على زيادة التكوين الرأسمالي والاستهلاك في المجتمع الاردني، يعني الوصول الى اعلى درجات الاشباع وتحقيق المنفعة والنمط الاستهلاكي فيه اسلوب يتطلب انفاق الاسرة كل ما لديها لمواجهة حاجات بيولوجية واجتماعية وثقافية وتكون في الغالب انماطا مظهرية تهدف الى تقليد الغير والاستهلاك المظهري يعني الانفاق الذي يتصف بالرغبة في حب الظهور والتبذير وكسب الشرف والسمعة بحيث يصعب الاستغناء عن هذه المظاهر حتى لو فكر الانسان في ذلك.
ويمكن تصنيف الانفاق الاستهلاكي على الطعام والشراب والملابس والاحذية والمساكن والمحروقات والكهرباء والمياه والنقل والتعليم والرعاية الصحية ومواد الزينة والثقافة السياحية والترفيه وهي بنسب متفاوتة.
فالترفيه مثلا يتمثل في ادوات المطبخ »الثلاجة، الغسالة وغيرها« والتلفزيون واللواقط والخلويات والسيارات وما شابه ذلك.
ويضيف د. العمد: والحقيقة ان الاستهلاك اصبح مشكلة اقتصادية وسيكولوجية، فعملية الشراء ليست عفوية ولا عارضة وانما يحكمها مسلكيات تخضع لكثير من المؤثرات النفسية والتربوية والاجتماعية.
هناك من يشتري سلعا لا يحتاجها وهناك من يشتري اكثر مما يحتاج وخاصة النساء.
وهناك من يطمئن الى شراء سلع غالية الثمن واجنبية الصنع مع توافر »المحلي« لشعور بالنقص والرغبة في التعويض والزهو والمبالغة والانتماء الى الطبقة الاجتماعية الاعلى والاسراف في الشراء مجرد اتباع رغبة في الامتلاك اضف الى ذلك اللحاق بالموضة المجنونة ومتغيراتها الفصلية او السنوية.
ومن آفات الاستهلاك المسايرة فاذا اشترى احدنا سيارة فينبغي على الجار الجنب »الملاصق« ان يشتري مثلها وربما احسن منها حتى او ظل مدينا طيلة عمره. وقد ارشدنا الاسلام الى الاستهلاك ما يلزم الحاجة ويشبع الكفاية والرغبة.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش