الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في حوار للدستور مع مناضلة أمضت 12 سنة في سجون الاحتلال * تيريز الهلسه: أنا فلسطينية بقدر ما أنا أردنية

تم نشره في الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2004. 03:00 مـساءً
في حوار للدستور مع مناضلة أمضت 12 سنة في سجون الاحتلال * تيريز الهلسه: أنا فلسطينية بقدر ما أنا أردنية

 

 
* والدي ظل معتزا بأردنيته وبكى يوم وفاة عبدالناصر * شاركت في خطف طائرة الى مطار اللد عام 1972
* باراك ونتنياهو شاركا في الاقتحام متنكرين بزي الصليب الاحمر * السجون مدارس للتعلم والتثقيف وتعميق للارادة والصبر * حررت في عملية لتبادل الاسرى عام 1983 * نطالب بتأسيس رابطة للاسرى المحررين

* حوار: نور سامي خلدون:
لا تعرف تيريز الهلسة الفرق بين عكا حيث عاشت، والكرك بلد ابيها.. فهي عربية فلسطينية - أردنية. تشربت الروح القومية من أيام خطابات جمال عبدالناصر ومظاهرات طلبة »عكا« التي هزمت نابليون ولا تخاف هدير البحر! قررت ان المرأة يجب ان تكون في الصف الاول في خندق العمل الفدائي المسلح، فتسللت من فلسطين المحتلة الى لبنان مطلع السبعينيات من القرن الماضي.. وعادت الى فلسطين بطائرة حطت في مطار اللد، وطالبت مع رفاقها بتحرير الاسرى. تواطؤ الصليب الاحمر مع العدو اوقع رفيقيها علي طه وعبدالعزيز الاطرش شهيدين، فيما جرحت هي واسرت مع رفيقتها ريما طنوس، لتمضي اثنتي عشرة سنة في الاسر الذي تقول انه مدرسة للثقافة، وحين تم تحريرها عام 1983 في تبادل للأسرى ارادت ان تظل في عكا، لكن العدو رفض، فغادرت الى وطنها الاردن. تقدم تيريز درسا في التصميم على العمل المتقدم والمثابرة العنيدة المؤمنة بمكانة المرأة وقدرتها ودورها، وتستعيد بحنان ذكرى عكا والناصرة وايام الاسر ورفيقات الاسر.. وتؤكد انه لا بد لباب السجن ان يفتح...

بطاقة
الاسم: تيريز الهلسة. ولدت في الرامة، ونشأت في عكا - فلسطين المحتلة
اسم الاب: إسحق سلمان - ولد في »حمود« - الكرك
اسم الام: نادية حنا. ولدت في الرامة - الجليل
الحالة الاجتماعية: متزوجة من المهندس حلمي الهلسة
الابناء: سلمان - إسحق - نادية
المهمة: خطف طائرة الى مطار اللد - فلسطين عام ،1972 والمطالبة بتحرير الاسرى العرب في سجون العدو الصهيوني.
الحكم ضدها: 220 سنة
تم تحريرها في عملية تبادل أسرى بين »منظمة التحرير الفلسطينية« والعدو الصهيوني أواخر عام 1983
تقيم مع عائلتها في عمان
العنوان: E.mitereza- al-badeel.net

من الكرك الى عكا
* تيريز هلسه مرحبا، حدثينا عن البداية، كيف حدث أنك عشت في عكا؟
- أنا من أب أردني وأم فلسطينية. في الثلاثينات لم يكن هناك عمل كاف في الأردن فاضطر أبي للذهاب الى فلسطين للعمل هناك، وحدثت حرب الـ 1948 وبقي في فلسطين وتعرف الى أمي وتزوجها. وولدتني امي في الرامة في الجليل حيث يسكن أهلها.
وكان أبي اسحق سلمان عودة الهلسة، من الكرك قرية حمود، ينتمي لأب مزارع مع ان الزراعة لم تكن مزدهرة كثيرا، والماء لم يكن وافرا، فعمليا كان هناك سنة قحط وسنة زراعة، وفي كل الاحوال الكرك كانت تعتمد على فلسطين بالتجارة وبالزراعة.
أما أمي نادية يوسف أسعد حنا، فهي من الرامة وقد عانت مع أهلها الكثير حيث طردوا عام 1948 من الرامة وذهبوا الى لبنان ثم عادوا الى قريتهم وتشتتت العائلة. فيما بعد عرفت ان هناك خالا لأمي ما زال يسكن في لبنان مع أولاده، ولا يزال لغاية اليوم في لبنان.
* عشت طفولتك في عكا، ماذا تذكرين عن عكا؟
- لا يوجد أجمل من عكا، عكا جميلة جدا جدا. عكا عبارة عن مدينة صغيرة، كل سكانها يعرفون بعضهم. وهناك عكا القديمة وعكا الجديدة، فعكا القديمة يقطنها العرب، وعكا الجديدة التي أقامت عليها (الدولة الإسرائيلية) اسكانات لليهود.
شاطىء عكا رائع وبحرها يحتضن خيرا وفيرا من السمك ولعكا سور عنيد لم يستطع نابليون ان يقتحمه أبدا، فكنا نقول: »عكا لو بتخاف من هدير البحر ما سكنت على الشط!«.
كانت المشاعر والمواقف القومية في عكا متأصلة، يعني نحن عرب، في الانتخابات، كنا ننتخب »الحزب الشيوعي« الذي كان المنفذ الوحيد لنا تحت الاحتلال والحكم العسكري.

منظمة الارض
* كانت توجد »منظمة الأرض« ايضا؟
- منظمة الارض لم تدم طويلا. ظهرت لفترة وسمعنا عنها وعندما فتشنا عنها لم نجدها. فقد لاحقتها الاجهزة الامنية الاسرائيلية ودمرتها. عندما سمعنا عنها عرفنا انها كانت تلبي مبادئنا ومصالحنا أكثر من الحزب الشيوعي..

زمن عبدالناصر
* ماذا تذكرين عن مشاعر تلك الايام تجاه جمال عبدالناصر والقومية العربية؟
- جمال عبدالناصر بالنسبة لنا كان قائدا عظيما وذا شخصية كاريزمية فذة، كنا ننتظر خطاباته دائما، وننتظر الاحتفال بعيد الثورة في 23-7 والأغاني الثورية التي كانت تذاع، في تلك المرحلة كنا نسمعها بصوت منخفض من اذاعة صوت العرب، لأنه كان ممنوعا علينا ان نرفع صوت المذياع لم اكن اعرف السبب، كل ما كنت أعرفه أن من الخطر أن نفعل ذلك.
الذي كان يسمع الأخبار كثيرا وكان طوال الوقت معتزا بأردنيته، ولم يفرط بجوازه الأردني، فظل يجدد جوازه حتى سنة 1954 فكان يرسل جوازه (تهريب) لكي يجدد، وعندما يتم تجديده كان والدي يتصرف وكأنه حصل على عمر جديد فكان يقيم احتفالا بالمناسبة! هذه الوقائع أعرفها من أمي، ومن جدتي أيضا، فجدتي قالت: آخر مرة والدكم جدد جوازه في ،1954 عملنا احتفال سمك ومأكولات بحرية، ووضع الجواز على كرسي أمامه! عندما امتنعوا عن تجديد الجواز، تأثر والدي كثيرا.
كانت أمنيته ان يرى أمه وأباه، أمه رآها بعد حرب (هزيمة) ،67 جاء بها عندنا في زيارة، لكن لم ير والده، وأذكر أنه عندما نقل المذياع ذات يوم خبر وفاة جدي رأيت والدي يبكي لأول مرة في حياتي، وعندما سألنا والدتي عن السبب. قالت: لا، عيونه دمعوا من الدخان. هذه المرة الاولى التي رأيت والدي يبكي فيها، والمرة الثانية عندما توفي عبدالناصر.

أثر الهزيمة
* ماذا كان أثر هزيمة ال 67 عليكم؟
- نحن لم نكن في سن ندرك فيها الهزيمة كثيرا، لذلك سأحدثك عن الكبار.
أولئك لم يضعوا مسؤولية الهزيمة على جمال عبدالناصر، جمال عبدالناصر لم يهزم بالنسبة لنا، وعندما مات خرجنا في مظاهرة كبيرة، مظاهرة ليس مخططا لها لأنني عندما سمعت بالخبر خرجت الى الشارع ومثلي الآلاف، فتصدت لنا قوات الاحتلال وضربتنا فأذكر عندما دخلت للبيت لم أكن أرتدي الحذاء وملابسي كانت ممزقة. في العادة عندما كنا نتأخر كان الوالد يوبخنا وعندما دخلنا كلنا بهذا الوضع قال والدي استحموا لكي نتعشى كنا انا واختي روضة وريم.
أذكر ايام هزيمة 1967 .. قالت قوات الاحتلال يومها انها قبضت على جمال عبدالناصر وسيضعونه في قفص ويعرضونه علينا كأي حيوان وكنا متحفزين إذا أتوا أتوا بالقفص سنهجم عليهم ونكسر القفص ونحرر جمال عبدالناصر!!
البحث عن الثورة
* متى فكرت بالالتحاق بالثورة؟
- كنت في الحزب الشيوعي واصبحت مسؤولة عن مجموعة ولكن بعد الـ 67 والـ 68 وجدت انه ليس هذا الذي نريده، كانت فيلتسيا لانغز وليئة تسيمل وتوفيق زياد يحاضرون فينا، بالنسبة لي توفيق زياد من بين الشخصيات القلائل الذين احترمهم كثيراً ويكفي انه طوال حياته كان حافظاً للتوازن في الناصرة. لم نعرف بأنه يوجد مسلمون ومسيحيون في الناصرة! كنت اعرف انه يوجد عرب، والعرب هؤلاء مسؤول عنهم توفيق زياد، وفي عكا ايضاً لم يكن عندنا شيء اسمه مسلم ومسيحي ابداً.
بدأت افكر في اطار آخر، لكن ما هو هذا الاطار؟ كنت اجهله بدأنا نسمع عن الحركات الفدائية اكثر واصبحنا نعرف بأن هناك اراضٍ محتلة وفيها فدائيون فتعرفنا على اناس هناك، لكن كانوا يشكون بنا مما جعلهم يمتنعون عن التعامل معنا وبدأت افكر بأنه يجب ان اخرج من عكا لأتدرب ثم اعود لاعمل عملية، اما ان النساء لا يوجد لها محل في العمليات المسلحة فهذا كلام انا لا اقبله.
فقررت ان اخرج الى لبنان تسللاً عن طريق الحدود، فخرجت من (كريات شمونه) اي الخالصة الى المطلة، والمطلة هي آخر منطقة فلسطينية شمالية. وعبرنا الحدود اللبنانية.
لو كنا نعرف الطريق جيداً لاستغرقت الرحلة خمس ساعات مشياً على الاقدام ولأننا لا نعرف استغرقتنا ثلاث ليالٍ ويومين. كان معي شابة وشاب تعذبنا كثيراً في الرحلة بدون اكل، بدون ماء في 22/11/1971 عبرنا الحدود في شهر رمضان وكان هناك برد رهيب، واول قرية لبنانية وصلنا لها كانت مرج عيون، كان كل همنا ان نجد مكاناً لننام فيه، كنا جائعين لكن النوم بالنسبة لنا كان اهم شيء، فوجدنا فندقاً لا أذكر اسمه ما ان وضعنا رؤوسنا لننام حتى سمعنا دقاً على الباب وجاء ولد صغير وقال ان معلمه ذهب ليخبر رجال الدرك انكم فدائيون لكي يأتوا ليأخذوكم ويعيدوكم (لإسرائيل)، فنحن لم نكن نعرف ماذا يعني برجال الدرك، فقلنا له ما معنى رجال الدرك؟ قال الجيش. فقلنا له كيف سنخرج؟ قال تعالوا لأهربكم، الولد عمره ثماني سنوات، فقال لنا سيروا في طريقكم حتى تجدوا شارعاً رئيسياً اجلسوا في الشارع فلا بد ان تمر دورية فدائية طبعاً لعدم معرفتنا بالطرق ضعنا خرجنا ظهراً وبقينا لفجر اليوم الثاني لحين وجدنا الشارع ومرت دورية فدائية اوقفناهم وأخذونا الى القواعد وحققوا معنا مطولاً لمعرفة إن كنا جواسيس ام لا ومن ثم نقلونا الى بيروت حيث استمر معنا التحقيق وتحول من العسكري الى السياسي فوضعونا تحت اختبارات كثيرة لكي يتأكدوا من اقوالنا عما اذا كانت صادقة ام كاذبة واستمر التحقيق معنا في بيروت حوالي خمسة عشر يوماً وانتهى وبدأت العمل في منظمة فتح كان عمري 17 سنة حينها، واتقن اللغتين الانكليزية والعبرية اضافة الى العربية.
وبعد ذلك اخترت لأقوم بعملية فدائية مع انني رفضت اي نشاط آخر لأني اريد فقط ان اعمل عملية.

العمل المسلح
* في البداية لم يكونوا يرغبون بأن تشاركي في العمل المسلح؟
- كنت عنيدة جداً وأؤمن بالعمل المسلح وأنني اريد ان اعود واضحي لفلسطين، وكان أهلي لا يعرفون أين انا. ولا أي شخص آخر وهذا سبب قلقاً لعائلتي.
كانوا يستبعدون ان اكون ذهبت الى لبنان مع ان الكل كان يعرف مشاعري القومية العربية وانني كنت في الحزب وفتشت عن تنظيم الارض والفدائيين. اخيراً تم اختياري للقيام بعملية فتكلموا معي وقالوا لي سنخلف طائرة وستعرفون اي طائرة عندما تصلون للبلد المعني، وستخرجون كأزواج في شهر عسل، لكن لن تتقابلوا الا في المانيا، فخرجت انا والشهيد عبد العزيز الاطرش، وهو انسان رائع جداً، ولم يمض على زواجه وقتاً طويلاً وكان ايضاً الشهيد علي طه وريما طنوس - رحمها الله - نحن الاربعة كنا، طبعاً لم أكن اعرفهم، تعرفت عليهم في المانيا بأسمائنا الحركية.
ومن المانيا ذهبنا الى بلجيكا وفي بروكسيل ابلغنا بأن الهدف هو خطف طائرة سابينا لأنها ذات رأسمال صهيوني بلجيكي مشترك وكان على متنها ركاب من الصهاينة، فدخلنا الطائرة، طبعاً بعد تفتيش دقيق في المطار. في الطائرة اظهرنا المتفجرات والاسلحة، كان يفترض ان تتوقف الطائرة في فينا، لكنا أخذناها مباشرة الى فلسطين المحتلة نحن لم ندعها تنزل في فينا فلم تعبئ الوقود، وعندما وصلنا الى مطار اللد كان الوقود قد نفد. في المطار اعلنا عن خطف الطائرة واعلنا ان مطالبنا تحرير اسرى من سجون الاحتلال وكان التفاوض مع الصليب الاحمر، الصليب الاحمر من البداية كان متعاوناً وعميلاً للسلطات الاسرائيلية وكان هناك اشكالية ان نصدقه او لا فعندما نفد الوقود من الطائرة، معنى ذلك بأنه لا يوجد هواء ولا أوكسجين في الطائرة، مما اضطرنا لأن نفتح باب الطائرة لكي يدخل الهواء، وكان هناك شخص مريض بالسكري، طلبنا من الصليب الاحمر بأن يحضر له دواء ويحضر له حقنة لكي نعطيه اياها، فقال الصليب الاحمر تريدونه ان يعيش؟ قلنا بأن هدفنا ليس ان نقتل احداً طبعا نريده ان يعيش، لماذا نريد أن نقتله؟ فقالوا بأنكم لا تريدون ان تفجروا الطائرة؟ قلنا له ان تفجير الطائرة يختلف عن عدم إعطاء الدواء لمريض فهذه حالة انسانية.. كنا على اتصال بالقيادة التي كانت تقول ثقوا بالصليب الاحمر لأن عملهم انساني وليس له علاقة بالعملية ودعوا الصليب الاحمر يدخل لأننا موافقين على اتفاقيات جنيف، اتفاقيات جنيف تنص انه حيث يوجد رهائن فيجب على الصليب الاحمر ان يدخل ليطمئن عليهم، فقلنا لهم بأن الصليب الاحمر متعاون مع (اسرائيل) وهذه خطورة، فهذا يعني بأن تدخل جنرال اسرائيلي على الطائرة، قالوا لا، الصليب الاحمر لديه مهمة انسانية وليس له علاقة، فالصليب الاحمر دخل بناءً على اوامر من القيادة، وأنا أريد ان اقول انه يجب دائماً بكل العمليات مثل العمليات الاستشهادية التي نراها الآن، العمليات الاستشهادية لماذا تنجح؟ لأنه يتم التصرف حسب تقدير الموقف فالمفترض كان انه عندما بدأنا العملية ان نلغي الاتصال مع القيادة، لأن القيادة (بتطول بالها) وتؤخر كثيراً.

الخداع واقتحام الطائرة
* ما الذي حدث بعد ذلك؟
- الذي حدث ان الصليب الاحمر جاء وأتى بالدواء لمريض السكري، فأعطيته إبرة وأعطيته الدواء وغطيته، وكان الصليب الاحمر قد اعطى معلومات دقيقة جداً للقيادة الاسرائيلية أين يقف كل واحد منا وما مهمة كل شخص.
كان المفترض ان الصليب الاحمر يأتي لنا بالأغذية، غذاء للركاب، فالصليب الاحمر جاء ومعه مجموعة يلبسون ثياب الصليب الاحمر وليس كما يقول نتنياهو في كتابه ولا حسب ما يقوله ايهود باراك في كتابه ولا حسب ما اصدرته الصحافة الاسرائيلية أنه كان لديهم تقنية عالية... الخ لا، جاءوا بلباس الصليب الاحمر كميكانيكيين معهم الوقود للطائرة ومعهم الطعام وبرفقة مسؤول الصليب الاحمر، وعندما وصلوا بدأوا اطلاق النار اول من اصيب علي طه واستشهد على الفور وعبد العزيز الاطرش كان جالساً بجانب الشباك ومباشرة جاءته رصاصة في رأسه. وبقيت أنا وريما انا ذهبت الى علي وأخذت المسدس لكي اطلق طلقة على المتفجرات، انا كنت في اول الطائرة والمتفجرات في آخر الطائرة، فأخذت أمشي بين الكراسي فجاءتني رصاصة تحت عيني ورصاصة أخرى جاءت في يدي اليمنى ورصاصة ثالثة في يدي اليسرى دخلت من الكتف وخرجت من الناحية الثانية ومع ذلك استمريت لكن لم تعد لدي القوة بأن امسك المسدس ولا يدي تستطيع ان تضغظ فكنت افضل ان ارمي نفسي من الجناح واموت، افضل من ان اعتقل.
عند الجناح كنت افكر بأنني امشي سريعاً لكن نتيجة فقدان الدم الكثير كنت امشي ببطء شديد مع أنني كنت احس بأني مسرعة فعندما ينزف الدم بغزارة تفقد التوازن وتصبح ترى المنخفض عالياً والعالي منخفضاً. وفجأة امسكني اثنان وانزلاني ووضعاني على حمالة. شارك باراك ونتنياهو في الاقتحام وعملوا أنفسهم ابطالاً فيما بعد. في الحقيقة ليسوا ابطالاً لأن الخداع تم باستخدام الصليب الاحمر ولولاه لما نجحوا ابداً.
* لم تكوني تعرفي باراك ونتنياهو حينها طبعا؟
- نعم، عرفت فيما بعد ونتنياهو اصيب في يده، ثم وضعوني على الحمالة وجاء جندي بالحربة الموجودة على البارودة وطعنني في موضع الجرح وقطع الوريد الذي يتغذى من القلب الى اليد وشلت اليد تماما، وصلنا للمستشفى وفي المستشفى فقدت الوعي، وعندما استيقظت عرفت انهم كانوا يريدون قطع يدي، فتبرع دكتور اميركي وقال بأن تيريز يدها متماسكة وانا الذي سأجري العملية لها، فاسرائيل اضطرت امام الحاح الطبيب الاميركي.
* تم التحقيق معك لفترة طويلة وتعذيبك ثم صدر الحكم؟
- صدر الحكم علي بـ 220 سنة.
* كيف امضيت فترة التحقيق والاسر؟
- كانوا يحاولون الايحاء بأن عقلي مختل.
المحقق بعد 16 ساعة تحقيق تقريبا كان يتوقف ويقول لي تيريز سنرتاح الآن وسأتي غدا صباحا، فيخرج وبعد دقائق يأتي بلباس آخر حالقا لحيته وشعره ممشط، ويقول لي صباح الخير، انا نمت جيدا، انت كيف نمت؟ اقول له انا لم انم، يقول لي لماذا، اقول لانك قبل قليل خرجت، فيقول لا ابدا انا نمت، انظري!
فقلت لنفسي سأعمل كالتالي، عندما يأتون بالطعام سأخذ قطعة خبز واخبئها تحت اللحاف وعندما يذهب المحقق اخرج قطعة الخبز واضعها على الخزانة، اذا كانت يابسة فمعنى ذلك انه عندي خلل عقلي، لان الفترة ستكون طويلة، واذا كانت طرية فمعنى ذلك بأنني سليمة، وهكذا عندما خرج المحقق اخرجت قطعة الخبز ووضعتها ثم اسندت رأسي لانام، دخل وقال صباح الخير انا نمت جيدا وانت؟ امسكت قطعة الخبز واذا بها طرية فقلت له انا نمت احسن منك، قال نمت؟ فقلت له نمت وحلمت! قال انت مجنونة، انا لم اتركك الا قبل دقيقتين، فقلت له لكن انا نمت والذي تريده افعله، فكيفية التعذيب كانت من هذا النوع او تسليط الاضاءة الكبيرة، اضواء تسلط عليّ ليلا ونهارا، او فتح قطب الجرح عدة مرات، بعد ذلك قال الدكتور في المستشفى انا لا اتحمل مسؤوليتها لانه صار عندها نزيف كثير وحياتها في خطر، واذا ماتت في المستشفى سيقولون بأننا قتلناها وانا لا اتحمل مسؤوليتها. اخرجوني الى المعتقل، في المعتقل مديرة السجن قالت أتيتم لي بواحدة ميتة؟ وبعد ذلك يقولون بأنها ماتت في السجن؟ فجاءها امر بادخالي من وزير الداخلية الذي هو مدير السجون العامة. ادخلوني الى مكان ملحق بالسجن يستعمل للتحقيق، هناك بدءوا يحققون معي واستمر التحقيق الفظيع حوالي سبعة اشهر ليل نهار، كانوا يريدون ان يعرفوا اسماء من اعرفهم واماكن تدريبهم.. ولكننا كنا نتعامل بالاسماء الحركية ولم اشاهد اماكن التدريب لانها كانت سرية.

الحكم 220 سنة!
* بعد التحقيق تم نقلك للمحكمة؟
- نقلت الى المحكمة العسكرية في صرفند، وطبعا هذه كانت محكمة صورية، لان الاحكام صادرة من قبل، وعندما حكموا عليّ بـ 220 سنة ضحكت وقلت ما هذه التفاهة ان يحكم على شخص بـ 220 سنة وعمره 17 سنة من اين سيأتون له بعمر آخر؟ فكنت اضحك، والصحف، خرجت تقول: رغم المؤبدات، لا زالت تيريز تبتسم!

سنوات الاسر
* بعدما صدر الحكم اين امضيت اسرك؟
-في السجن النسائي الوحيد الذي كان في اسرائىل، واسمه نيفي تيرتسا وهذا موجود في الرملة، ولمحاسن الصدف نيفي تيرتسا معناها جنة تيريز، وهي اسطورة تقول بأن هناك شخصا كان يحب فتاة حبا جارفا وبنى لها هذا المكان الذي حول الى سجن، السجن كان بنايتين مختلفتين، البناء الاول (أ) كان للسجينات الاسرائىليات، و(ب) للسجينات الفلسطينيات، وبحجة اني »اسرائىلية« واحمل الجواز الاسرائىلي وضعوني في (أ) وكانت السجانات يحرضن السجينات اليهوديات على اساس اني جئت لاقتلهن، فحدثت لي مشاكل كثيرة مع البنات اليهوديات ومرة جاءت يهودية بعشر صوان من الحديد وضربتني على رأسي، وفي وقتها رفعت قضية بأني اريد ان اخرج من عندهن الى سجن البنات العربيات، فخرجت الى سجن (ب) وكان عددنا في تلك الفترة حوالي خمسين اسيرة فلسطينية.

اسيرات عربيات
* من تذكرين منهن؟
- أذكر الكثيرات، روضة بصير، فيولا ساعاتي، حليمة فريتخ، مريم الشخشير، رسمية عودة، عائشة عودة.
* كن جميعا مناضلات؟
- نعم جميعهن، منهن من كانت في مظاهرات ومن قامت بعمليات، منهن من كانت في انشطة نسائية، ومحكومة اداريا، مثل سهام البرغوثي، وزهيرة كمال، التي هي اليوم وزيرة في السلطة الفلسطينية.

التعلم في الاسر
* كيف امضيت فترة الاسر؟
- السجن قد افادنا كثيرا، اول شيء دراسيا وثانيا ثقافيا، كنا نعمل حلقات ثقافية، وعندنا برنامج اسمه محو الامية، وبرنامج تدريس اللغات، كنا ندرس انجليزي وعبري، انا كنت اقوم بتدريس العبرية، وروضة بصير كانت تقوم بتدريس الانجليزي، تخرجت بنات قدمن توجيهي وهن في السجن، هذه الحلقات الدراسية كانت تفيد البنات، وكانت البنات يدخلن السجن اميات فكن يخرجن وهن قارئات ومتعلمات.

التحرير 1983.. والعائلة
* كيف تم تحريرك؟
- في كل مبادلات الاسرى بين المنظمات الفلسطينية واسرائىل كانوا يطلبون تحريري، ولكن اسرائيل كانت ترفض بحجة انني احمل جواز سفر اسرائيليا، واواخر عام 1983 تمت مبادلتنا مع اسرى اسرائىليين لدى منظمة فتح، وذهبنا الى مطار اللد، وكان من الشروط في عملية التبادل بأننا احرار، الذي يريد ان يبقى في وطنه يبقى، والذي يريد ان يخرج يخرج، عندما جاء الصليب الاحمر قال جميعكم ستخرجون، ممنوع ان يبقى احد فقلت لممثل الصليب الاحمر، انت تتكلم باسم الحكومة الاسرائىلية، انا لا اريد ان اخرج واريد ان ابقى، انتم تآمرتم علينا معهم، وما زلت تريد القيام بمؤامرة ثانية في تهجيرنا من وطننا، اخيرا دخلنا للطائرة بتاريخ 23/11/1983 اي انني امضيت 12 سنة في الاسر، وبعد ذلك ذهبنا الى الجزائر حيث استقبلنا استقبالا حافلا جدا من قبل رئيس الدولة والاحزاب ورؤساء الوزارات كلهم كانوا في استقبالنا في الجزائر بالاضافة الى الامناء العامين للمنظمات الفلسطينية وكان استقبالا مؤثرا جدا، واقمنا في منتجع سياحي. انا طلبت بأن ارجع الى الاردن لان العشيرة كلها موجودة هنا فكنت افضل كثيرا بأن اكون بين اهلي واعمامي واولاد عمي، فطلبت ان ارجع الى الاردن، ليبيا طلبت بأن اذهب اليها، سوريا، الجزائر عرضت بأن تعطيني جواز سفر دبلوماسيا، وابقى عندها مع مغريات كثيرة طبعا، لكنني رفضت وجئت الى الاردن. فأنا اردنية بقدر ما انا فلسطينية.
وعملت العشيرة لنا احتفالا في مجمع النقابات المهنية دعت اليه الشخصيات الوطنية والنقابية ومنحت جواز سفر عام 1990 وتزوجت في 1986 من قريبي المهندس حلمي هلسه وهو شخص مثقف وانسان رائع ومتفهم وانجبنا ثلاثة ابناء سلمان 1987 واسحق 1988 ونادية 1990.

يجب تحرير الاسرى
* ماذا تقولين للاسرى والاسيرات وللمحررين ايضا، وماذا ينبغي تجاههم؟
- اقول لهم لا يغلق باب السجن الا ويفتح، لكن يجب مضاعفة الجهد لتحريرهم، اما بالنسبة للمحررين من الاسر فيجب توفير الرعاية والتأهيل الاجتماعي لهم ليتمكنوا من التكيف والتعامل مع ظروف الحياة الصعبة خصوصا وانهم امضوا فترات طويلة من حياتهم في ظروف مختلفة وقاسية، يجب تأمين احتياجاتهم المعيشية هم واسرهم وابقاء صلاتهم وعلاقاتهم حية.

رابطة للمحررين
* انت تطالبين برابطة او مؤسسة خاصة بالمحررين من الاسرى؟
- طبعا، الاسرى بالآلاف فلماذا لا يكون لهم رابطة تعنى بشؤونهم وقضاياهم وتجاربهم واحوالهم فبعض الاسرى امضوا حوالي 15-20 سنة في الاسر وهم قضية بحد ذاتها.

المرأة والعمل المسلح
* الآن بعد كل هذه السنوات هل لا زلت تؤيدين مشاركة المرأة في العمل والنضال العربي المسلح كالاستشهاديات؟
- طبعا، المرأة لها دور كبير، نحن عشنا التجربة ومارسناها مثل الرجال ويجب على الجميع الاستماع لنا.
بالنسبة للاستشهاديات والاستشهاديين العمل متواز ومتماثل، لا هذا يعمل اكثر ولا تلك تعمل اكثر، بالعكس الاستشهادية تعمل وتعمل بقوة، والذي عملته النساء على مدى الكفاح الوطني كبير ومهم جدا.

تحيات لفلسطين
* نريد منك كلمة اخيرة، رسالة الى والدتك المقيمة في حيفا والى اهل حيفا وعكا والناصرة والى رفيقاتك ورفاقك الذين كانوا معك في الاسر؟
- رفاقي الذين كانوا معي في الاسر اوجه لهم تحية كبيرة جدا وانا اعرف معاناتهم لانها هي معاناتي، واعرف الظروف التي تعرضوا لها واريد ان اقول لهم بأن كل شريف لا يعطي له دور، لا يعني ان دوره انتهى.
بالنسبة لاهل عكا وحيفا واهلي اريد ان اوجه لهم تحية كبيرة جدا، والدتي اريد ان اقول لها »الله يعطيها طول العمر والصحة« والذي عملته انا عمله اناس كثيرون والذي تكبدته امي تكبدت مثله معظم الامهات واخص امهات الشهداء الذين نالوا الشرف الكبير.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش