الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مكافحة المرض شيء ومحاربة المصاب به شيء اخر...مرض الايدز يتحول من خطأ الى خطيئة

تم نشره في السبت 6 آذار / مارس 2004. 02:00 مـساءً
مكافحة المرض شيء ومحاربة المصاب به شيء اخر...مرض الايدز يتحول من خطأ الى خطيئة

 

 
عمان- الدستور- رائد بلعاوي
كانت مجرد »حامل« عندما أصابها النزيف، نقلت إلى المستشفى وقرر الأطباء اجراء عملية قيصرية لها، لم تكن عائلتها معها في بلاد الغربة، أجريت العملية، وبعد نقل وحدات من الدم خرج الجنين بصحة جيدة، وكذلك الأم. لكن أحدا لا يعرف معنى أن يمر الانسان بتجربة قاسية وحده، إلا من عاش تلك التجربة. وكلمة »قاسية« قد لا تكون التعبير المناسب لوصف حالة تلك المرأة بعد انتهاء العملية.
كان فيروس الايدز في إحدى وحدات الدم التي نقلت إلى المرأة أثناء العملية الجراحية. وكانت تعمل مدرسة في إحدى الدول العربية، فكرت كيف يمكنها اقناع من يعرفها بأن مرض الايدز ليس مقتصرا على العلاقات غير الشرعية، بل إنه يمكن أن ينتقل بكل سهولة عبر عمليات نقل الدم والمشاركة في الأدوات الثاقبة للجلد مثل الابر المستخدمة في تعاطي المخدرات أو ابرة الوشم أو حتى أحيانا إبرة العلاج. كان الجنين فتاة وأصيبت بالفيروس لأن الحمل والولادة والرضاعة الطبيعية تنقل العدوى من الأم المصابة إلى الجنين.
عادت الأم وطفلتها الرضيعة إلى الأردن، وتغير نظام حياة الأسرة، كانت العائلة تجهل طرق انتقال المرض. حدث ذلك في بداية التسعينات ولم تكن وزارة الصحة قد أنشأت بعد مركز المعلومات والارشاد حول مرض الايدز، الذي يوفر المعلومات والارشاد للأشخاص المصابين، كما يوضح للعائلة كيفية التعامل مع مريضها والتعايش معه.
يقول المرشد النفسي في مركز المعلومات يوسف النجار »لو وجد المركز عندما عادت المرأة، ربما تمكنت العائلة أن تعيش حياة شبه طبيعة، كان الوالد يشاهد عائلته تنهار أمامه ولم يكن يعرف كيف يمنع ذلك، أصيبت الأم بالاكتئاب، وكانت ترفض غالبا تناول الطعام وعاشت في عزلة هي اختارتها، وماتت، بسبب الاكتئاب وليس بسبب المرض، كان اكتئابا قاتلا«. ويعلق النجار قائلا »يتعاطف المجتمع مع أي مريض مصاب بمرض قاتل ومعد، باستثناء مريض الايدز«.
عمر الطفلة الآن لا يتجاوز عشر سنوات، وكان الأمر يتطلب احضارها وعرضها أمام مجموعة من الكوادر الطبية في ورشة عمل عن مرضى الايدز قبل أيام قليلة لكي تقتنع الممرضة رائدة العيسى أن كلمة ايدز لا تعني خطيئة. كانت كلمة ايدز عنوان صورة واحدة لدى العيسى، تقول »لقد داهم عقلي فقط صورة مجموعة من الأشخاص الذين عاشوا حياة آثمة في المخدرات والجنس«.
دخلت الطفلة إلى القاعة، حضرت مع أختها الكبرى التي تولت رعايتها بعد وفاة والدتهما، جلست الطفلة على كرسي أمام المشتركين في الورشة، بينما تولت أختها رواية حكايتها، يقول النجار »مازالت طفلة لم تصل قدراتها العقلية لدرجة الادراك، كانت غير مدركة لمعنى مرض الايدز«. وفي القاعة كانت الطفلة تدرك أن الممرضة ابتسام التي تعمل في المركز الطبي هي صديقتها لأنها تقدم لها الحلوى وكثيرا ما تضمها إليها وتقبلها وتلعب معها أحيانا، كانت الطفلة مشغولة مع الممرضة، بينما أختها تروي قصتها.
خرجت الممرضة العيسى إلى خارج القاعة بعد اقل من ثلاثين ثانية من دخول الطفلة، تقول العيسى »كنت أعلم أن طفلة مصابة ستدخل إلى القاعة، لكن عندما رأيتها، أحسست بشيء يغمى على عيني، وشعرت بضغطي ينخفض، واعتقدت أنه سيغمى علي ان بقيت جالسة«، خرجت العيسى من القاعة وبكت، تقول »حاولت احداهن ابعاد ذهني عن التفكير بالطفلة ببعض الأسئلة، كنت أجيبها وأنا أبكي«.
لم تعد العيسى إلى القاعة، انتهت »فقرة العرض«، وخرجت الطفلة من باب آخر قالت العيسى »عندما عدت إلى المنزل تمنيت لو أني قبلتها، أردت أن أكسر ذلك الحاجز في داخلي«، لكنها تعتقد الآن أنها ظلمت مرضى الايدز، وأنهم كانوا أكثر تسامحا عندما تفهموا تخوف المجتمع منهم، وكتبت في مقال نشر في احدى الصحف اليومية حمل عنوان »عذاباتي في ثلاثة أيام«، »لقد تابعت مع الحضور حديثا وديا وحميميا عن أمثلة حية من الاشخاص الذين يناضلون كي يكونوا أفرادا صالحين مع العلم أنهم غفروا لنا أخطاء قد نكون وقعنا فيها من رفضهم وايذائهم داخل مجتمعنا«.
يذكر أن احصائيات وزارة الصحة الأردنية سجلت 194 شخصا أجنبيا يحملون المرض، ورحلوا إلى بلادهم.
وفي المقابل تشير سجلات الوزارة إلى أن اجمالي المواطنين الحاملين لمرض الايدز هو 132 شخصا، منهم 62 شخصا أصيبوا به عبر علاقات غير شرعية وعبر تعاطي المخدرات بإبر ملوثة، يقابلهم 56 مواطنا أصيبوا به عبر نقل دم ملوث وعبر انتقال الفيروس من الأم إلى الجنين، بينما توجد 14 حالة لم تعرف فيها طريقة انتقال الفيروس، ومن جهة أخرى تذكر احصائيات الصحة أن من بين 132 مواطنا يوجد 17 طفلا يحملون الفيروس.
يعتقد الطبيب المسؤول في مركز المعلومات رجائي العزة أن نبذ المصاب بمرض الايدز خطأ يقع فيه ليس فقط أفراد المجتمع بل كذلك عدد كبير من أهل الطب، ويقول مصاب يراجع المركز »لم أتجرأ على زيارة طبيب في عيادته أو في مستشفى، لأن من واجبي اخبار الطبيب بحقيقة مرضي، وهو حينها قد يرفض معالجتي، وإن تفهم حالتي، فمن يضمن الكادر المساعد له، إنك تصبح حينها ككائن غريب تشعر بهمس من حولك ونظراتهم، حتى خارج عيادة الطبيب، فإن الوصفة تحمل اشارة دالة على مرضي، وأحيانا يغمز الصيدلاني إلى زملائه وأشعر بنظراتهم الفضولية«.
يتذكر المصاب كيف أنه »صعق« عندما أخبرته الشركة التي كان يعمل بها أن نتيجة الفحص الذي أجري له تؤكد اصابته بفيروس الايدز، يقول »أصابني الاغماء وعندما أفقت، سمعت المدير يصرخ على عامل الكفتيريا ويأمره أن يكسر كافة الأكواب ويلقي بمعدات صنع القهوة والشاي في المزبلة«، بعدها خرج من مكتب المدير الذي أكد له أنه لن يعود مجددا إلى الشركة، سار في الشارع وكان يتحاشى الاصطدام بأحد، فهو يجهل كيف ينتقل المرض، وكان يفكر في احتمال أن يكون والداه قد اصيبا، توجه إلى مكتبة واشترى كتيبا حول الايدز.
تبين كتيبات التوعية أن الفيروس لا ينتقل بمشاركة الطعام أو الأوعية والصحون مع المصاب، ولا ينتقل عبر العلاقات اليومية العادية مع المصابين كالمصافحة ومخالطتهم في أماكن العمل. تذكر المصاب موقف المدير وابتسم قائلا »لو كان الفيروس ينتقل عبر الأكواب، فبماذا يفيده تحطيمها، ولو أنه فكر قليلا لتفطن أن عملي كان في مبنى غير الذي أمر بتحطيم أكوابه«.
وتوضح الكتيبات أن الفيروس لا ينتقل عبر السكن أو النوم في الغرفة نفسها، ولا بارتداء ثياب الشخص المصاب أو استخدام أدوات لمسها مثل المناشف وأدوات التزيين الشخصية، ولا ينتقل بواسطة الحشرات اللاسعة، ولا باستعمال أحواض السباحة العامة، ولا عندما يسعل أو يعطس عليك شخص مصاب، كما تؤكد أن معانقة وتقبيل طفل مصاب لا تنقل الفيروس، ولا ينقله المصاب إن كان بالغا يعتني بأطفال.
لقد مرت حتى الآن قرابة عشر سنوات على تلك الحادثة، ومازال هذا المصاب يتمتع بوزن صحي ولا يعاني حتى من السعال، وهو بهذه الصحة يصنف طبيا كحامل فيروس، وليس مريضا بالايدز، لأن لكل مرض أعراضا يجب أن ترافقه، وتتمثل أعراض الايدز الرئيسية بإسهال مزمن يرافقه فقدان أكثر من 10 بالمائة من وزن الجسم، بالاضافة إلى ارتفاع بدرجة الحرارة واعياء. وطالما لم تظهر أعراض المرض فيعتبر الشخص حاملا للفيروس وليس مريضا.
في أحد المسلسلات الرمضانية التي عرضت على الفضائيات يكتشف شاب أنه مصاب بفيروس الايدز، فيحجز غرفة في أحد المستشفيات، وبعد أشهر يموت بسبب المرض. لكن واقع مرضى الايدز يختلف، ويعتقد المرشد النفسي في مركز المعلومات والارشاد أن المسلسل أخطأ في تصوير مراحل حالة الاصابة بالايدز، كما أخطأ عندما صور حجز المريض في الحجر الصحي حتى وفاته، وعلق قائلا »إن المحكوم بالمؤبد يقضي 25 عاما وقد يخرج قبل انتهاء محكوميته إن كان حسن السير والسلوك«، واستغرب كيف يعقل أن يحتجز مريض طوال عمره خلف جدران زجاجية، وكافة الدلائل العلمية تثبت أن وجوده لا يشكل خطرا على المجتمع.
يذكر د.العزة أن اكتشاف وجود الفيروس في جسم المريض يتطلب مرور شهر بعد دخول الفيروس إلى جسمه، وينفي أن يكون التعامل الطبي مع المصاب بالايدز مبني على الحجر الصحي، ويقول »نحن نحارب المرض ولا نحارب المريض«، مؤكدا أن عمر مريض الايدز قد يمتد لسنوات تتجاوز العشر قبل أن يعاني من انهيار كامل وحدات جهاز المناعة.
لم يكن المريض الذي أصيب بالمرض يدرك هذه الحقائق عندما علم باصابته، يقول »كنت أعتقد أن الاصابة تعني الموت، فقضيت معظم أوقاتي في المسجد وقراءة القرآن«، وهو الآن يعتبر أن اصابته هي ابتلاء من الله، لأنه واثق أن المرض لم ينتقل إليه عبر خطيئة لم يفعلها، ويقول »إن الله إذا أراد أن يعاقب البشر فسوف يفنيهم، لكن ما الذنب الذي ارتكبته تلك الطفلة الصغيرة ساعة ولادتها، إن الله يبتلي من يحب«.
لا تنص اللوائح الطبية في أي من دول العالم على وضع حامل الفيروس في الحجر الصحي، وفي الأردن يعيش مرضى الايدز حياة شبه طبيعية، ويؤكد العاملون في مركز المعلومات والارشاد أن ليس كل مصاب أعزب بل ان بينهم أشخاصا ما زالوا متزوجين ويعلم أزواجهم بحقيقة مرضهم، ومنهم من اكتشف اصابته بعد خطبته وقبلت به خطيبته.
واوضح د. العزة ان التخوف والقلق الشديدين كانا المسيطرين على تفكير الازواج في بداية معرفتهما بالخبر، ثم يقول العزة »عندما افاقوا من صدمة الخبر ادركوا وتفهموا الوضع الجديد واستطاعوا الاستمرار بحياتهم الزوجية« مؤكدا ان المصاب المتزوج سواء أكان رجلا ام امرأة يستطيع ممارسة حياته الزوجية ان اتخذ الاجراءات الوقائية.
وتؤكد الممرضة ابتسام أن المريض الذي يتأكد أنه يحمل الفيروس يتمتع بالتزام أخلاقي، لأنه يستفسر عن الطريقة التي يجب أن يتبعها في حالة تعرضه »لوضع طارىء«، يضطره إلى الذهاب إلى الطبيب أو المستشفى، وتقول »إنه يسأل متى أكشف عن مرضي«، وتضيف »يحاول المركز توفير أدوات علاج بعض الجروح والأمراض ويرسل أطباء المركز المصابين لدينا إلى عيادات أطباء بناء على معرفة شخصية بين طبيب المركز وطبيب العيادة«.
يقول مصاب بالايدز »أعاني منذ ثلاث سنوات من ألم بضرسي، ذهبت إلى عيادة طبيب فطلب مبلغ ستمائة دينار ليخلع لي ضرسي، مازال يوجد أطباء يعتقدون أن الخطيئة هي سبب انتقال المرض، وبعضهم يخشى أن يفقد مرضاه إن علموا أن مصابا بالايدز جلس على كرسي عيادته«.
تأسس المركز في منتصف التسعينات، وهو يضمن سرية الاتصالات به، مثلما يضمن سرية اختبار الكشف عن وجود المرض، وتبلغ كلفة الأدوية التي يستخدمها المصاب على نفقته الخاصة قرابة 800 دينار شهريا، بينما يوفر المركز الدواء مجانا للمصابين، ويتذكر المصاب الصعوبات التي واجهته في توفير العلاج قبل افتتاح المركز، وقال »باع والدي أملاكه لنوفر ثمن العلاج، حينها قال لي الطبيب ستموت قريبا، فلماذا تكلف والدك هذه المبالغ«، وابتسم على تلك العبارة التي سمعها قبل ما يفوق 10 سنين.

ويستغرب المرشد النفسي في المركز من معايير المجتمع في تقييم الاشخاص ويتساءل »هل يعقل ان 130 شخصا هم فقط من يرتكبون سلوكيات مخالفة للشرائع من بين خمسة ملايين شخص، حتما هناك كثيرون اخرون لكن الحظ العاثر تسبب باصابة هذه الفئة القليلة«، ويبرر استخدامه عبارة »الحظ العاثر« قائلا: »قابلت اشخاصا اعترفوا انهم قاموا بسلوكيات محرمة لكن الله لم يشأ ابتلاءهم بالمرض، وفي المقابل يوجد من بين المصابين لدينا من وقع في الخطأ مرة واحدة، وكانت هي الاولى والاخيرة.«
تعد الابتسامة شيئا نادرا في حياة مريض الايدز، ويتفق المرضى والعاملون في مركز الارشاد على ان نظرة المجتمع التي توسم مرضى الايدز بالخطيئة هي السبب الرئيسي في تخوف المرضى من مصارحة المحيطين بهم بحقيقة مرضهم وتذكر احدى المصابات انها لم تتجرأ على مصارحة اعز صديقاتها بمرضها وقالت »لا استطيع ان اتوقع ردة فعلها«.
بينما تعتبر الحاجة الى الحفاظ على الوظيفة هي السبب الرئيسي للرجل المصاب، وهو يقول »حاجتي الى النقود التي اتقاضاها من عملي، هي الشيء الوحيد الذي يكسر عنقي« ويضيف »ان كان هناك من يضمن لي معاشا شهريا لي ولعائلتي فانني على استعداد لا ان اخبر الاخرين بحقيقة مرضي بل ان اقف امام كاميرات التلفزة«..
لكنه يدرك ان تغيير نظرة المجتمع الى المصاب بالمرض امر يتطلب وقتا وجهدا، وفكر مرة بتأسيس جمعية للمصابين بالايدز،لكن خوف المصابين من نظرة المجتمع اليهم جعلتهم يتحفظون على الاقتراح، وهو يدرك تلك الحقيقة جيدا، فقد رأى كيف ان بعضا من اقربائه الذين يعلمون بمرضه يضعون طعامهم في طبق خاص عندما يجلسون معه على مائدة واحدة ويقول »يكفي انهم قبلوا مشاركتي المائدة«. وكثيرا ما كان ينتابه شعور بانهم يتمنون ان يفيقوا يوما على خبر وفاته، وقال »اشعر بذلك«.
تمكن هذا المصاب من تجاوز فترة الاكتئاب واستطاع التعايش مع مرضه، كما ساعد بعضا ممن ابلغهم المركز بان نتيجة فحوصاتهم تثبت اصابتهم بالايدز اما الفتاة الصغيرة فهي بريئة طالما لم تصل سن المراهقة، حينها قد لا يجدي وقوفها مرة اخرى امام المجتمع لتشرح اصابتها بنفسها.. ولن يجدي تكرار القول انها كانت مجرد حامل للمرض، واذا ما اصابها مرض اول نزيف ونقلت الى المستشفى عندها تطرح المسألة »اقول او لا اقول؟«.
حقا لا يعرف احد معنى ان يمر الانسان بتجربة قاسية وحده، الا من عاش تلك التجربة.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش