الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تشكل تلوثا للبيئة وازالتها تجري احيانا في الليل * عابرون في خيم وخرابيش متنقلة * لا يعرفون المرض ولا الاطباء والمدارس بالنسبة لهم ترف لا حاج

تم نشره في الاثنين 20 كانون الأول / ديسمبر 2004. 02:00 مـساءً
تشكل تلوثا للبيئة وازالتها تجري احيانا في الليل * عابرون في خيم وخرابيش متنقلة * لا يعرفون المرض ولا الاطباء والمدارس بالنسبة لهم ترف لا حاج

 

 
امانة عمان تعمل على ازالة الخيم في حال تلقيها شكاوى المواطنين
تحقيق نيفين عبدالهادي
انتشرت تلك (الخيم) التي تشكل عالما خاصا يبدو مختلفا عن عالمنا او بيئتنا موزعة على شكل مخيمات في معظم المساحات الفارغة بين العمارات والمنازل في احياء عمان ومدن المملكة المختلفة وباتت للناظر كأنها تهزأ من معايير حضارتنا وتقاليد حياتنا ومظلة قوانينا كافة.
مضى زمن طويل على انتشار هذه الظاهرة اللافتة للانتباه والمثيرة للتساؤل، خيم منتشرة بين المنازل في احياء المدن وعلى اطرافها يسكنها اشخاص لا يعرف احد عنهم شيئا لا توفر لهم اي من الخدمات المعيشية العادية اطفالهم بلا مدارس وحياتهم يحف بها الغموض ولياليهم يحجب ضباب الغربة نجومها فيما يشكو كل من يجاورهم من منازل من الاثار السلبية والمكاره الصحية الناتجة عن وجودهم.
وعندما قررنا في (الدستور) ان نتجول بين هذه الخيم ونطلع على هذا العالم الغريب المثير للانتباه كان الوقت ظهرا اذ اصطحبنا وزميلي المصور خليل المزرعاوي الورقة والقلم والكاميرا لندخل هذا العالم الذي هو دون ادنى شك عالم حقيقي وموجود في عدد كبير من احياء عمان وعلى اطرافها الخارجية والاشخاص الذين يعيشون فيه ليسوا شخصيات حبرية كما سيظن البعض اذ يمكنك ان تشاهدها بعيدا عن عالم الورق بوضوح فهم بشر لهم معاناتهم تماما كأي بشر اخرين.
تجولنا في اكثر من شارع او اكثر من منطقة وبالفعل كانت تلك الخيم موزعة بشكل لافت للانتباه في بعض الاحياء التي تتوفر فيها مساحات خالية من المباني وتبدو موزعة بشكل عشوائي. وتبدو منظمة في مناطق اخرى يسكنها افراد تقدر اعدادهم بعشرات الاشخاص في الخيمة الواحدة لا يعرف عنهم احد شيئا سوى انهم يستيقظون في الصباح الباكر ويبدأ اطفالهم باللعب ويخرج الرجال للعمل باعمال لا احد يعرف ما هي طبيعتها فيما تبقى السيدات منشغلات بالاعمال المنزلية التقليدية من طبخ وغسل واحيانا الحفر لبناء خيمة جديدة لاحد افراد الاسرة الذي قرر الزواج.
لا يمكننا القول اننا اقتحمنا هذا العالم فهو عالم مكشوف بسيط لعابر الطريق يمكنه مشاهدته ولاي فضولي - كالصحفيين - يرغب بمعرفة ما تخفيه هذه الخيم والتحدث مع قاطنيها بكل سهولة خاصة مع الاطفال اذ تراهم يحدقون الى اللاشيء باستمرار فلا مدارس ولا ملابس تقيهم برد الشتاء ولا العاب كحال باقي الاطفال وهذا الحال يتم برضى تام من ساكني هذه الخيم.
امانة عان الكبرى تعترف بانتشار هذه الظاهرة وتسعى جاهدة وبكل الوسائل المتاحة للحد منها من خلال ملاحقة اي خيمة قد تبنى بين المناطق السكنية وازالتها فورا وفي حال تقدم احد المتضررين من هذه الخيم من اهالي المنطقة على الفور تتوجه اجهزة الامانة الى المنطقة ويتم ترحيل الخيم او نقلها لمكان اخر.

عالم اللاشيء
سرنا وزميلي المصور باتجاه الخيم الموزعة بانتظام في احد مناطق عمان وبقي زميلي (المزرعاوي) ينظر من بعد للمشهد خوفا من ان يتهيب ساكنو هذه الخيم من الكاميرا ولكن بعدما اقتربنا منهم واستأذنتهم ان يقوم زميلي بالتصوير لم يمانع احد منهم هذا الامر بل على العكس كان التعامل مع الامر بايجابية لم نتوقعها فاقترب محاولا ايجاز ما نراه امامنا من عالم اللاشيء بصورة فخرج عندها عشرات الاطفال يحاولون الوقوف جميعهم امام الكاميرا ظنا منهم انها العصا السحرية التي ستحل لهم مشاكلهم وتخلق لهم دنيا جديدة.
مع الاطفال تقف تلك السيدة التي تجاوزت العقد الستين من عمرها وتحمل فأسا صغيرة بيدها تحفر به الارض مع شابة تبدو في العشرين من عمرها كان الجو باردا جدا والهواء يتلاعب باثوابهم الخفيفة فترتجف الثياب اما هم فلا يرتجفون. اقتربت من السيدة الكبيرة وقلت لماذا تحفرين بالارض قالت احفر لنقيم خيمة جديدة لابنتي التي ستتزوج الاسبوع القادم وكل الخيم التي تشاهدينها امامك هي خيم بناتي وابنائي المتزوجين فنحن اسرة كاملة نعيش هنا.
واضافت السيدة التي رفضت ان تخبرني عن اسمها، نحن كالبدو الرحل لا يمكننا العيش في مكان واحد كما لا يمكننا العيش الا بالخيم التي ترينها امامك فلم نعرف يوما لانفسنا ولا لاطفالنا منزلا غيرها. مضيفة نحن في الشتاء نعيش في عمان او الغور وفي الصيف نذهب الى اربد وضواحيها.
وعن ظروف حياتهم قالت نحن لا ينقصنا شيء سوى المال ودون ذلك نحن نعيش حياة هادئة ويمكننا ان نوفر لانفسنا كل ما نريد.
اما الطفلة هلا، التي كانت تساعد والدتها بالحفر فلم تتحدث كثيرا سوى انها قالت ان هذه الظروف اعتادوا عليها ولا يمكنهم العيش في اي ظروف اخرى، وعدم الاستقرار بات من ابرز معالم حياتهم نظرا لكثرة تنقلهم احيانا هربا من الظروف الجوية والطقس واحيانا اخرى هربا من ملاحقة الجهات الرسمية لهم التي ترفض عيشهم في الخيم بهذه الصورة.
وبعدما ادارت »هلا« ووالدتها وجهيهما عنا وكأنهما يعلنان عن عدم الرغبة لمواصلة الحديث الذي اخر عملهما بالحفر، توجهنا للحديث مع الاطفال والشباب الذين وقفوا بانتظار دورهم للحديث، ووصف الاطفال حياتهم بأنها بسيطة ولا مشاكل فيها، فهم - بحسب ما قالوا - يستيقظون في الصباح الباكر ويلعبون في حال لم يكن هناك امطار، فيما يبقون بالخيم حول التدفئة اليدوية التي اعدتها والدتهم باختراع ذاتي ويلعبون بألعاب يدوية بسيطة وبدائية، ولا يعرفون بالطبع طريقا للمدارس او للتعليم فهم كما ذووهم اميون لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، باختصار هم اطفال دون طفولة.
مسعود 11 عاما قال انهم يعيشون هذه الحياة منذ رأى النور ولا يعرف العيش في مكان اخر، وقد اعتاد على هذه الحياة ولا يشعر بالبرد ولا حتى بالحر وقت الصيف فهذه الامور لا تعنيه.
وقال، انه يساعد اسرته في توفير لقمة العيش من خلال العمل في اعمال البناء ونقل الطوب والاسمنت، ولكنه لم ير المدرسة في حياته، كما انه لا يرغب بالتعليم مطلقا.
وقال نضال 9 اعوام نحن نستيقظ منذ الصباح الباكر نلعب حتى نشعر بالتعب والنعاس لنعود الى الخيمة ونأكل مما طهته لنا امي، ونحن هنا كلنا اقارب ولا نشعر بالغربة، لكن نتمنى ان نستقر في مكان واحد ذلك اننا في الصيف في مكان وفي الشتاء في مكان آخر وفي هذه المنطقة نحن منذ شهرين فقط.
وابدى راغب 6 اعوام سعادته بهذه الحياة لانه لم ير غيرها وقال لا اشعر بالبرد وألعب وقتما اشاء بأي ألعاب اصادفها.
وقال احب ان اذهب الى المدرسة لكن لا امكانيات لدينا لذلك، كما اننا لا نستقر في مكان حتى نسجل في المدارس ونواصل تعلمينا.
يمضي الرجال معظم اوقاتهم خارج المخيمات والخرابيش وهم يسعون لتحصيل لقمة العيش، فيما تظل السيدات الموزعات في الخرابيس كل برأسها من الخيمة التي تعيش فيها واسرتها، ورفضن الحديث معنا الى ان خرج لنا شابان في الثلاثين من العمر وبدأوا بالصراخ بداية رافضين الحديث معنا او التصوير، فيما اقترب منا احدهما، وقال نحن هنا مظهر من مظاهر السياحة كوننا »للفرجة« فكل يوم يأتي الينا اشخاص بهوية ومهنة مختلفة والكل يريد المساعدة ولكن الامر يبقى مجرد وعود ونبقى مجرد اشخاص للفرجة فقط.
واضاف ذات الشخص الذي رفض ايضا اعلامنا باسمه، نحن لسنا مستقرين في مكان معين وقد اعتدنا على هذه الحياة ولا يمكننا التأقلم على حياة اخرى مهما كان السبب ونظرا لعدم الاستقرار لا يمكننا ادخال اطفالنا الى المدارس كما انهم لا يحتاجون للتعليم فماذا سيقرأون وماذا سيكتبون؟!! فهم سيعيشون كما نحن نعيش وسنعيش وانا شخصيا اعتبر هذه الامور ترفا لا داعي له.

عالم بلا امراض
عن تسيير امور حياتهم اليومية قالت احدى السيدات، نحن نعيش كما ترون حياة طبيعية ولا نحتاج الى اي خدمات او اي من مظاهر الحياة التي ترونها ضرورية، فنحن نأكل ونشرب من رزق يومنا ونتدفأ كما تشاهدون بمدفأة نصنعها بأيدينا وهي عبارة عن اناء صغير مملوء بالماء نوصل به انابيب حديدية نخرجها من سقف الخيمة ونوقد اسفله النار، اما قضاء حاجاتنا الاخرى فنقوم بها بالخارج، ولا اضرار تلحق بنا من هذه الامور.
وقال انه قليلا ما يمرض احد ما، كما اننا لا نذهب الى الاطباء فنحن نمرض ونشفى بمفردنا وكذلك اطفالنا.
بعدما استمعنا من الاشخاص الذين يعيشون في هذه الخيم دخلنا احداها لنعرف ماذا تحتوي.. فلم يكن سوى فرشات موزعة على الارض وغطاء خفيف ايضا موزع فيها، والمدفأة التي يصنعونها لانفسهم وهي ليست مدفأة فقط بل يقومون بالطهي عليها، حيث كانت احدى السيدات تعد وجبة الغداء عليها بينما عدد من الاطفال يلتفون من حولها، وباقي الخيمة فارغ حتى من الحياة.
لم نبتعد كثيرا عن تلك الخيم، لنسمع شكاوى سكان هذه المناطق التي تنتشر بها الخيم، حيث اجمع كل من يحيط بمنازلهم مثل هذه الخيم على انها مشكلة حقيقية نظرا لعدة مشاكل تنتج عن وجودها ابرزها واكثرها خطورة المشاكل البيئية والصحية كونهم لا يراعون اي معايير للنظافة او الامور الصحية الامر الذي يؤدي الى التلوث اضافة الى الحيوانات التي يربيها بعضهم وتحديدا الكلاب وما يصدر عنها من اصوات ومشاكل بيئية وصحية واستخدامها على اراضي لاشخاص دون اي اذن او تصريح مسبق.
وقال احد سكان المنطقة واسمه هاشم انها مشكلة حقيقية فنحن كثيرا ما نستيقظ في الليل على نباح الكلاب واصوات الاطفال وهم يلعبون غير آبهين بالساعة المتأخرة من الليل او حتى برد الشتاء.
واضاف: كما اننا نعاني بالفعل من المخلفات التي يلقون بها في عرض الطريق، اضافة الى مشاكل التلوث الاخرى التي تلحق بنا وبأطفالنا.
وقال حاتم انه تقدم للجهات الرسمية المعنية بعشرات الشكاوى لازالة الخيم التي نصبت امام منزله منذ اكثر من عام لكن للاسف لم تتم الاستجابة لطلبه ولا تزال الخيم على حالها، واكد ان هذه المسألة باتت تشكل مشاكل حقيقية تهدد البيئة والاطفال ولا بد من ايجاد حل جذري لها.

امانة عمان
السؤال الذي يطرح نفسه في الحديث عن هذه الظاهرة المثيرة للجدل، هو اين دور امانة عمان من انتشار هذه الظاهرة، وهل ترى فيها خطورة ام انها قادرة على السيطرة عليها؟ المهندس زياد الريحاني مساعد وكيل الامانة للشؤون الادارية قال لـ »الدستور«: ان انتشار الخيم ظاهرة اجتماعية موجودة في كل دول العالم، فهناك اشخاص لا يرغبون بالعيش في منازل مهما قدمت لهم خدمات وان وصلت لدرجة تقديم منازل فالامر بالنسبة لهم محسوم.
واشار الريحاني الى ان هذه الخيم بالطبع مخالفة ولأمانة عمان الحق في ازالتها بموجب القانون فهذا السكن مقام دون ترخيص وعلى اراض ليست من املاكهم اي انهم معتدون عليها، الى جانب ان هذه الخيم غير مطابقة لمتطلبات وشروط السكن وهذا كله يؤهلنا لازالتها على الفور، مؤكدا ان الامانة تقوم بازالة اي خيمة اقيمت في المناطق السكنية وبموجب القانون.
وشدد الريحاني على ان امانة عمان على استعداد تام للتجاوب مع اي شكوى تقدم من المواطنين بهذا الشأن، حيث تعمل على الفور لازالتها ايا كان الموقع، لايمان الامانة بان هذه الخيم بالفعل تشكل خطورة على البيئة، مشيرا الى ان الامانة تواجه مشكلة بهذه المسألة في ان هذه الخيم لا تبقى في اماكن واحدة طوال السنة فهي متنقلة على مدى العام واحيانا تخرج من عمان الى المحافظات الاخرى وبالتالي هذا يجعلنا لا نحصر اماكن تواجدها في منطقة محددة وشكاوى المواطنين تساعدنا بالسيطرة على الوضع.
وقال الريحاني ان حالات ازالة عديدة قامت بها الامانة للعديد من هذه الخيم حتى اننا كنا نلجأ للازالة رغما عن اصحابها واحيانا في الليل دون علم احد.


رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش