الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الهوية الحضارية في النقوش (4) : جغرافية النقوش

تم نشره في السبت 23 نيسان / أبريل 2011. 03:00 مـساءً
الهوية الحضارية في النقوش (4) : جغرافية النقوش

 

* ا.د. سلطان المعاني

تشكلت الحياة العربية الشمالية بمجملها في الصحراء والبادية، غير أن النقوش العربية الشمالية قد انتشرت فوق مساحة واسعة، تنوعت طبوغرافيتها فشملت بادية الشام، ووادي السرحان شمالي جزيرة العرب وجبل الدروز وجبل سيس في حوران.

ويتفق أغلب الدارسين للنقوش العربية الشمالية على بداوة المجتمع العربي الشمالي، غير أن هنالك ميلا الى اعتبارهم أشباه بدو، إذ بدا من خلال بعض النقوش العربية الشمالية انهم قد مارسوا أنشطة زراعية، غير أنهم لم يتركوا حياة البداوة نهائيا. وتوحي عشرات النقوش العربية الشمالية بالبيئة الصحرواية الرعوية، وتكرسها أكثر من غيرها، الأمر الذي يؤكد بداوتهم وتنقلهم الدائم أو الموسمي، واعتمادهم في المقام الأول على الرعي وتربية الماشية، ولعل هذا دأبٌ دأبَ عليه سكان البادية، سيما في مراحل هجراتهم الأولى من الجزيرة العربية إلى بادية الشام، ونتلمس فيما بعد عوامل تأقلم العربي مع البيئة الزراعية الرعوية، فأرض الحماد أرض صالحة لتربية الماشية، لذا فإنها قد أمدت سوريا بالغذاء من اللحوم، وكان البدوي يقايض المدينة مقابل ذلك بالمصنوعات والحبوب.

واعتمد العرب في حياتهم الاقتصادية آنذاك على دعائم ثلاث رئيسية، برزت في نقوشهم بشكل واضح في بعض المرات وغابت أو كادت في مرات أخرى كثيرة، وأولى هذه الدعائم بدون شك هي الرعاية وتربية الماشية، والتي أفصحت عنها نقوشهم كثيراً. والدعامة الثانية هي الزراعة، والتي جاءت في نقوشهم بشكل أقل من الدعامة السابقة، وبنصوص أقل إفصاحا وتوضيحاً لهذا النوع من النشاط الاقتصادي. وجاءت الدعامة الثالثة، وهي التجارة، بصورة أقل من سابقتيها، وهي الأكثر غموضاً من خلال النصوص، والتي تحتاج إلى الاستنطاق الحثيث، والذي قد يدخل الباحث في نطاق التخيل والتخمين في بعض المواقف. وتعدى هذا بعض الدعامات الثانوية، والتي من أهمها الصيد، والتحالفات، والتي نوهت لها بعض النقوش بصور مختلفة. وعلى أية حال فإن المظهر الرئيسي للحياة الاقتصادية والاجتماعية في شمالي الحجاز وبادية الشام في فترة الوجود العربي القبلي قروي، يعتمد على الاقتصاد الريفي، لكن قامت القبائل العربية أيضا بدورها في دلالة وحماية القوافل التجارية، وفي نقل البضائع، وتربية الماشية، والدفاع عن الحدود، لدرء هجمات القبائل الأخرى، وشكلت خط دفاع بشري لحماية مصالح الدولة الرومانية أمام شعوب الشرق.

ويعتبر الفعل «ت ج ر» الذي تورده النقوش العربية الشمالية إشارة نادرة للنشاط التجاري عند العرب الشماليين، من بين مئات الأفعال الأخرى التي توردها نصوصهم النقشية، كما تشكل هذه المفردة مدخلا لتتبع المفردات المتعلقة بهذا النشاط، فوردت نصوص تشير إلى عمليتي البيع والشراء، وأخرى تفصح عن العمل مقابل أجر، وتشير نقوش أخرى إلى عملية دفع هذا الأجر وكيفيته.

كانت معرفة العربي التجارة وممارستها، أمراً مرهوناً بمرور طرق تجارة عالمية من مناطق وجودهم، كطريق البخور، وطريق الحرير اللذين يصلان الشرق الأقصى بسواحل البحر الأبيض المتوسط ، فتأسست حول هذه الطرق حواضر عربية، في جنوب الجزيرة وشمالها، بلغت شأوا عاليا في الثراء والازدهار، ولم يُحرَم بداة العرب من فوائدها، فاشتغلوا حُماة للقوافل، وفي الدلالة التجارية، إلى أن سلكوا هذه الطرق تجارا بين سوريا وشمال الجزيرة العربية.

لقد كثرت في مرتفعات البادية أكوام من الحجارة البازلتية، أطلق عليها اسم الرجوم، وقد كانت بمثابة أبراج مراقبة، أو علامات على طرق التجارة، حيث يسير الدليل التجاري أمام القافلة من رجم إلى رجم، متطلعا إلى الأرض ليتأكد من خلو الطريق.

لعل العرب من سكان الحماد والحرات قد استفادوا من جيرانهم الأنباط في عملية التجارة، ويخال لي أن قسما من الأنباط كان قد اندمج في القبائل العربية العربية الشمالية، وذلك بعد سقوط دولتهم عسكريا وسياسيا بداية القرن الثاني الميلادي، وقد يكونوا هم الذين نشطوا في عملية التجارة، ورافقهم في ذلك قسم من الثموديين.

إن المفردات التي توردها النقوش العربية الشمالية، والمتعلقة بالمزروعات تنقسم في مجملها إلى نباتات برية رعوية، كانت متطلبا رئيسيا في حياتهم، بينما كانت المفردات الأخرى توحي بنشاط زراعي يتطلب استقرارا وفلاحة، هدفها توفير الغذاء للإنسان، الذي يقوم بنفسه بعملية الزراعة.

وقد اعتمد الرومان على العرب في البادية اعتماد ظاهرا ، فعمدوا إلى التحالف معهم لحماية تخومهم مع الفرس، ولحمايتهم من تعدي القبائل الأخرى على مصالح الدولة والمدن الموالية لها، ويبدو أن الثموديين قد اتخذوا من هذا العمل وسيلة للكسب، ذلك بوجهين: الأول الحصول على الأعطيات مقابل الحماية، والثاني عن طريق سماح الرومان للصفويين بالاتجار معهم ومع المدن المجاورة لتخومهم.

لقد كان التحالف الروماني مع القبائل العربية الشمالية مطلبا مشتركا، يفيد منه الثموديون في تجاوز تلك الحصون التي تطوق الأطراف الحضرية لتحول دون هجمات القبائل الصحراوية، وقد شيدت هذه الحصون ومراكز الحاميات الرومانية حول المدن، وعلى طول الخطين التجاريين الداخلي والصحرواي، وتمثل الأخير في طريق صلخد، أعناك ثم قلعة الأزرق، حيث أقيم آخر حصن عند مدخل الصحراء، ومنها تقصد قوافل التجارة الجزيرة العربية. والحصون الرومانية التي شيدت في البادية من أرض الثموديين، في حرة وادي الراجل تسير من نقطة جبل سيسن فقصر الأبيض، فالنمارة، فدير الكهف، ثم قلعة الأزرق. وفي فترة متأخرة من الحياة القبيلة العربية الشمالية، وفي لحظات انحلال الترابط القبلي، لجأ كثير من الثموديين إلى الانخراط في خدمة الجيش، أو أنهم عملوا أجراء في خدمة الحواضر المتاخمة، وقد تعلموا من جيرانهم، وأبناء جلدتهم الأنباط بناء البيوت من الحجارة البركانية في السفح الشرقي لجبل العرب، في وقت بدأوا فيه بالتحول إلى ممارسة النشاطين الزراعي والتجاري، ولم تنقطع صلتهم بالحرات بشكل كامل، بل بقيت قطعانهم ترسل صيفا إلى الأماكن العالية، بحثا عن المرعى.

ولم يكن الثموديون بمنأى عن جيرانهم العرب الأنباط في بصرى، ولعل مصالحهم كانت تلتقي كثيرا، بخاصة في حالات الصراع مع الرومان،، ولعل بدايات الاندماج الثمودي مع الأنباط، كان خلال القرن الأول الميلادي، في أوائل حكم الرومان، حيث بدأ العرب الثموديون والعرب الأنباط يشعرون فيه بالخطر القادم المشترك.

وقد عَمِدَ الثموديون إلى وسيلة الكسب عن طريق الإغارة والسلب، وهو موضوع يطول شرحه في النقوش العربية الشمالية، ويحتاج إلى دراسة منفردة، ويكفينا هنا التلميح إليها تلميحاً.

فالثموديون، والحال هذه، من العرب الذين مارسوا عمليتي تربية الماشية والزراعة، فقد تفاوتت النظرة لهم عند الدارسين ولكن السمة الغالبة أنهم أقرب في مرحلة متأخرة من وجودهم، إلى الحضر منهم إلى البدو. وقد مارسوا النشاط التجاري بين الجزيرة العربية والشام ومصر، وكانوا على علاقة وثيقة بتجارة الأنباط، وقد مهروا بتجارة القوافل، ويشير كل من وينت وريد إلى أن الثموديين والصفويين حلوا محل الأنباط في قيادة القوافل التجارية عبر وادي السرحان.

وكان للثموديين حضورهم الواضح في الأجزاء الجنوبية الشرقية والوسطى من الأردن، سواء أكان هذا الحضور نتيجة الاستقرار الزراعي، أو الخدمة في فرقة الفرسان الرماة التي خصَّها البيزنطيون بالثموديين. وقد عززت أعداد النقوش الثمودية المتأخرة في المنطقة المذكورة فكرة هذا الوجود. ولقد دأبت روما وبيزنطة بعدها إلى تشكيل كتائب عسكرية مساندة Aaxillares من القبائل العربية ممن يستخدمون القوس والنشاب من على صهوات جيادهم بدءاً من القرن الثاني الميلادي، بسبب التخلص من تمردهم وأذاهم من جهة، ولاستخدامهم في محاربة القبائل البدوية من جهة أخرى. وقد أفرزت آلاف النقوش الثمودية في الحسمى وفي المناطق المتاخمة لحدود الدولة الرومانية، بل عشرات النقوش الثمودية في مناطق التحصينات الرومانية، على استخدام الرومان لهذه القبائل دروعا بشرية وجيوشا رديفة لها، وعُرفت هذه الجماعة المجندة باسم وحدات الفرسان العربية الثمودية Equites saraceni thamudene. وقد كانت خدمة هؤلاء تطول في الجيوش الرومانية في بعض المرات، وقد ينال من تمتد خدمته خمسا وعشرين عاما الجنسية الرومانية. وقد وصف استرابو هذه القبائل التي تتحالف مع الرومان ثم لا تلبث أن تتمرد عليها بالغزاة العصاة، وقد اضطرت روما للتفاوض معهم مرارا، وإلى تقديم الهبات والهدايا، وأعطت امتيازات لأراضيهم، لاتخاذهم درعا بشريا لمواجهة القبائل العربية الأخرى وصدِّها. ولقد تسللت قبائل عربية عديدة من شمال الجزيرة العربية إلى بلاد الشام في فترات زمنية مختلفة، مستغلة فترات الضعف السياسي لدول المنطقة، مثل دولة لحيان، ودولة الأنباط، وبعدها دولة تدمر، ولم تخلُ مناطق مؤاب وشرقي البحر الميت من تواصل ضغط القبائل العربية، والذي بدأ يتجه نحو المناطق الحضرية غربا. وقد كان الرومان والبيزنطيون يلجأون إلى تحصين دفاعاتهم، ويزيدون عدد جنودهم في تلك المناطق جراء ذلك، ولكن مع بدايات القرن الخامس الميلادي بدأت هذه التحصينات تتدهور، فنجد حصن اللجون الواقع على امتداد منطقة البحث شمالا يهجر تماما في القرن السادس الميلادي، لأن بيزنطة اتخذت من القبائل العربية أحلافا بديلة لهذه المواقع. ولكن الوجود الثمودي في جنوب الأردن لم يكن مرهوناً بهذا الضعف السياسي والعسكري لدول المنطقة آنذاك، إذ يعود استمرار هذا الوجود إلى القرن الخامس قبل الميلاد وامتد إلى القرن السادس الميلادي. فروما كانت تشعر بحاجتها إلى القبائل الثمودية منذ عهد مبكر، حيث تشير المصادر إلى أن روما قد رعت تصالحا مع القبائل الثمودية في منتصف القرن الثاني، وقد جاء هذا التحالف لحماية حدودهم في شمال الحجاز في المرحلة السابقة لحكم ديوقلسيان (284-305).

التاريخ : 23-04-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش