الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«أفاعي النار» لجلال برجس.. طلقة تنوير وفضاء عامر بالحكايات

تم نشره في الخميس 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 09:13 مـساءً
نضال برقان *

حكاية «العيب» و»الحرام»، وقد أُعيد إنتاجهما وفق حسابات ومقاسات جديدة، ومستهجنة، بعيدة كلّ البعد عن العادات الأصيلة والنبيلة، وعن الدين القويم، من قِبل جماعات اجتماعية متشددة، وجماعات ظلامية تكفيرية، في سبيل تحقيق مصالح وأطماع ومكتسبات شخصية، وحكاية العقل والاعتدال والوسطية، وتضحيات أصحابها، في سبيل إشاعة النور، وترسيخ المحبة الصافية بين الناس، تلك واحدة من الحكايات/ المقولات، التي تقوم عليها رواية «أفاعي النار/ حكاية العاشق علي بن محمود القصّاد»، للشاعر والروائي جلال برجس، والتي نال من خلالها جائزة كتارا للرواية العربية 2015، قبل أن تصدر أخيرا بثلاث لغات: العربية، الإنجليزية والفرنسية.

إنها طلقة تنوير، يطلقها برجس في سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مفردات الحياة الأصيلة والنبيلة، بينما «أفاعي نار» الجهل والتخلف راحت تتسلل إلى زهرة قلب الكون، لتحيلها رمادا، كما اجتهدت في سبيل أن تأتي على كتاب الحياة، ليستبدله الناس بكتاب الموت. إنها «أفاعي النار» وقد تعددت أشكالها، غير أن مرادها واحد: تكريس الجهل، وتمكين الخرافة، وإرهاب الناس..
الرواية نفسها رواية دائرية، إذ تحيل نهايتها إلى بدايتها، ولا تتخذ حكاية واحدة، فثمة حكايات متعددة ومتداخلة، تتأرجح بين الحب والبذل والوفاء، وبين الكراهية والغدر والمكيدة، لتشكل سلسلة من الحكايات، التي تتأمل صورا متعددة لمواجهات بين: العقل والخرافة، والاعتدال والوسطية والتطرف والتشدد، والحياة والموت، كما تتوقف عند تلك التحولات التي طرأت على مفهومي: «العيب» و»الحرام»، وكيف تم استلابهما من قبل الجماعات المتطرفة، في سبيل تحقيق بعض المكاسب السياسية.
دوائر السرد
من خلال أولى الدوائر الحكائية للرواية، التي يمتزج بها الواقع بالحلم، نتعرف على «خاطر»، وهو أديب كان يعمل في الصحافة الثقافية الورقية، قبل أن تستغني مؤسسته عن خدماته، بسبب التحديات التي تواجه الصحافة الورقية في العالم، ويحلم بكتابة رواية تلقى رواجا، وفي سبيل ذلك تعتكف لمدة عامين في سبيل إنجازها، وبعد أن ينتهي منها يتعرض بيته لحريق، حيث تلتهم أفاعي النار حاسوبه، حيث لا نسخة من الرواية إلا عليه، وعلى صورة والدته، التي لا يمتلك غيرها.
محاولات «خاطر» الأولى في استعادة الرواية تصاب بالفشل، ليدخل في متاهة داخلية، قبل أن تأخذه قدماه إلى شجرة توت كبيرة، بينما كان يتطلب الإجهاد البدني، فيغطّ في سبات عميق..
تاليا تنتقل الرواية دائرة حكائية أخرى، حيث يستيقظ «خاطر» ليجد أمامه «حكاءة»، مولعة بسرد الحكايات لمجموعة من فتيات وفتيان الحي، فينضم «خاطر» إليهم، مستمعا للحكاية الأخيرة للحكاءة، التي تذهب في سرد فصول متتالية من روايته التي كانت أفاعي النار قد التهمتها، فيواصل مواظبته على مجلس الحكاءة في سبيل استعادة روايته..
الدائرة الجديدة للحكاية تتمحور حول علي بن محمود القصّاد، وهو نموذج للمفكر العقلاني، الذي ينشد خلال المجتمع بشكل عام، من خلال مواجهة التطرف والخرافة والظلام، ويقابله على الجانب الآخر «محمد القميحي»، الذي كان شارك في مقاتلة السوفييت في أفغانستان، قبل أن يعود إلى أرض الوطن، ليشكل جماعة مهمتها فرض الذين على الناس، من وجهة نظرها الخاصة، وبما يحقق لها من مكتسبات، وتتوافق شخصية القميحي مع شخصية أخرى في الرواية، هي شخصية «يوسف النداح».
أثناء ممارسته لعمله معلما في مدرسة للإناث، يتعرف ابن القصّاد على «بارعة» ابنة «عاهد المشاي»، وهي طالبة مجتهدة وجميلة، وقاصة كذلك، سرعان ما تنشأن بينهما علاقة محبة، بيد أن أبناء «المشاي» يقومون تاليا بإحراق بيته، معتقدين أنه في داخله، انتقاما من ذلك الحب، فيسافر إلى فرنسا، حيث يواصل تعليمه قبل أن يستقر به المقام أستاذا للفلسفة في جامعة السوربون. بيد أن «النداح»، الذي تزوج من «براعة» تاليا، يسافر إلى فرنسا، مدعوما من قبل جماعة إرهابية ظلامية، لاغتيال ابن القصّاد، الذي راحت آراؤه التنويرية تقلق تلك الجماعة، فيعمل على إحراق بيت ابن القصّاد، أثناء تواجده فيه، وبالكاد يستطيع النجاة من «أفاعي النار»، التي شوهته، وأتت على مستقبله المهني، كما أتت على مدخراته التي أنفقها في ترميم ملامحه، التي أصبحت مثل قطعة بلاستيكية محروقة.
وبعد عودته إلى أرض الوطن، يقرر ابن القصّاد العودة إلى قريته، وهناك تبدأ دوائر حكائية جديدة في الرواية، حيث قصة «الغول»، وقصة «سالم الأسمر وحميدة الشقرا»، وحيث ثمة و»سعدون الغاني»، الصديق القديم لابن القصّاد، وذلك في محالة لبيان دور الخرافة الشعبية في المجتمع، وتأثيرها في تشكيل وجدانه الجمعي.
في تلك الأثناء تعود «لمعة» إلى حبها القديم، حب الطفولة، لابن القصّاد، على الرغم من معرفتها أن قلبه ليس إلا لـ»بارعة»، ولا مكان لغيرها فيه، فتعمل على إنجاح ابن القصّاد، بعد أن نبذته القرية وأهلها بسبب شكله المشوه، وهو النجاح الذي سيحوله إلى «مبروك» و»صاحب كرامات»، على الرغم من رفض ابن القصّاد لتلك الحالة الجديدة، ومقاومته لها.
وتواصل الجماعات المتطرفة والظلامية اجتهادها في القضاء على أي أمل ممكن للتنوير، حيث يحشد «القميحي» من أجل القضاء على ابن القصّاد، وهو ما ينجح فيه من خلال إحراق بيت ابن القصّاد أثناء تواجده فيه، فتتاح فرصة جديدة وثالثة لأفاعي النار، من أجل أن تشبع نهمها في القضاء على ما يمكن أن يكون معادلا موضوعيا للأمل بمستقبل مشرق، بعد الخلاص من ظلمة الخرافة..
ومن ثمّ يستيقظ «خاطر» من نومه تحت شجرة التوت الكبيرة، ليدرك أنه كان في حلم طويل، وأن الحكاءة ليس غير أمه، «بارعة بنت عاهد المشاي»، التي جاءته في المنام، وأعادت له الرواية.
تلك ليست غير نظرة طائرة على بعض دوائر السرد والحكي في الرواية، وليست تلخيصا لها.
اللغة وفضاؤها
حملت الرواية لغة سردية ذات مرجعية شعرية، من جهة احتفائها بالانزياحات اللغوية، التي حضرت في جل صفحات الرواية، من دون أن تغفل الجانب الوصفي والتسجيلي، الذي راحت يلتقط المفردات الغيرة من هنا وهناك، ويسجل انعكاس فضاء السرد عليها.
وعلى الرغم من ابتعادها عن الرمز المباشر، فإن الراية بمجملها ذات بعد رمزي، بالقرية ترمز للوطن العربي، وابن القصّاد يرمز للمتنورين والعقلانيين، في حين يرمز القميحي والنداح وأبناء عاهد المشاي لأنصار الخرافة والتطرف والإرهاب، أما الحب في الرواية فيرمز الأمل والخلاص، في حين ترمز أفاعي النار للخراب والموت.
بين ثقافتين
بينما كان برجس يعلي من قيمة العقل، ويرفع راية اللتنوير، في مختلف حكايات الرواية، فإنه يقدم مقاربة بين ثقافتين: الشرقية بما فيها من خيالات وخرافات، والغربية القائمة على العلم والعقلانية، بطريقة مواربة، وهو ما نلمسه في المقطع التالي من الرواية، وأقتبسه هنا بوصفه دعوة لنبذ الخرافة واحترام العقل: «تذكر نصائح أمه وهي تشدد على أن يتجنب النظر في الآبار العميقة، والغرف المعتمة، والأماكن المهجورة، وخاصة في الليالي المعتمة، تفاديا لصفعات الجن المفاجئة. وخطرت بباله قصة عبد الله الذي سمي فيما بعد بعبد الله (الأجقم)، عندما تسلل ذات ليلة باردة ليدخن سيجارة بعيدا عن أنظار أبيه، فالتوى حنكه،فأرسلوه إلى رجل في القرية، بقي يبصق في وجهه، طردا لجن تلبّـسه، ويضربه بالنعال على الجهة التي أصابها الالتواء، معاودين زيارته لأكثر من مرة حتى استعاد شيئا من شكل وجهه.. تذكر أيضا ما قرأه في فرنسا عن التهاب العصب السابع، وأسبابه، فضحك..».
أسئلة ورؤى
الرواية لا تقدم حلولا لمشكلات الواقع العربي، بقد ما تعاين راهنا معيشا، وتثير أسئلة، فتختتم بتلك النهاية المأساوية، حيث الجماعات المتطرفة تقطع رأس فتاة هنا، لأنها كتبت بضعة كلمات عن الحب في صفحتها على «الفيسبوك»، كما تهدم مسجدا وكنيسة هناك، وتنفذ أحكام إعدام جماعية بحق ناس من شتى الطوائف والمذاهب.
وعلى الرغم من معاينتها للمهاد الخصب الذي نبتت في الجماعات المتطرفة، والظروف التي عملت وتعمل على تمددها، فإن مقولة الرواية العليا تتمحور حول الحب، وطاقته التي تجعل الحياة ممكنة، في موجهة الخراب والظلام.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش