الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لعبة الأقدار والمفارقات في رواية «موسم الحوريات»

تم نشره في الجمعة 25 كانون الأول / ديسمبر 2015. 02:00 مـساءً

    منى حمزة *
عندما لا يجد المحرومون حورياتهم على الأرض يستعجلون حوريات الوعد اللواتي ينتظرنهم قرب النهر والظلّ والفيء. يستعجلون الموت لا موتهم فحسب بل موت كل من اتخمته جنان الارض تنثر عليه من كل انواع الخير كما تنثر كفوف الحوريات الشفافة المياه في النافورة الرابضة في حديقة الباشا فواز.
هل للحوريات موسم من الزمان ام هي مواسم الظلم والقهر والحرمان؟ هل الحذر من الفقراء مطلوب كما حذّر الباشا الكبير ابنته سماح لأنهم لا يملكون شيئا يخافون عليه، ولأن في اعماقهم رغبة متوارثة في الانتقام من شيء ما، ربما من الاغنياء؟
تكشف رواية «موسم الحوريات» لجمال ناجي الكثير من الخبايا في اعماق البشر اغنيائهم والفقراء، الذين يمتلكون الجنات والحوريات، وأولئك الذين لا يملكون من قوت الحياة ما يجعلهم يتمسكون باستمرار الحال والفقر والبلاء، فيتخذون القتل والموت وسيلة لتغيير اقدار البؤساء. لا ينطبق القول في الغنى والفقر على شخصيات الرواية فحسب، ولكن هناك توازٍ في علاقات القوة والسلطة والسيطرة بين الافراد والدول.. فوّاز هو الباشا الاصغر ما دام لقب نايف شحادة هو الباشا الاكبر، كل كبير هناك من هو منه اكبر واكثر قوّة وتجبرّا. وعندما تصبح الفجوة بين الصغير والاصغر والكبير والاكبر رحيبة مقيتة يبدأ موسم الحوريات وقلوب تتوق لجنة السماء لأن الجحيم احرقهم على الارض.

الظلم يخلق من الجوع والفقر تطرفا وموتا. ماذا يمكن ان ينتج حين يستولي 20% من سكان الارض على 80% من مواردها ولا يحصل 80% من السكان الا على الفتات؟ من يمكنه ان يغير الاقدار؟ اقليّة تمتلك السلطة والقوة والمال أم اغلبية صامتة مقهورة لا يُسمع لها صوت الا حين يطلب بعضهم حوريات السماء في معسكرات المجاهدين باسم الاديان؟
جمال ناجي في «موسم الحوريات» روائي مبدع، في سرده تشويق يثير الترقّب كأن العمل رواية بوليسية في كشفها الخفايا وفك شيفرات الغموض والاسرار. اما تعدد الاصوات فانتقال سلس رشيق من راوٍ الى آخر دون تشويش لا استعراض فيه للتقنيات الفنيّة ولا تكلّف. ورغم تعدّد الامكنة والازمان الا ان السرد مشوّق لا انقطاع فيه ولا ارباك في الرجوع الى ماضي الذكريات واسترجاع ما كان. مجريات الاحداث في «موسم الحوريات» تثير الاسئلة بحثا عن اجابات، الصفحات محملّة بما يثير التساؤل حينا والاستهجان في كثير من الاحيان.
يبقى للقارىء الحق في التفكير والاستنتاج ولا يسلب «جمال ناجي» المتلقي متعة التأمل والاستنتاج والبحث عميقا في اسرار الناس والحياة. فواز الشرداح اصبح باشا بعد زواجه من سماح شحادة ابنة الباشا الكبير رجل السلطة والمال، سماح الصبورة الوقورة حرمها الله نعمة الانجاب ولكنها احبت فواز وعاشت معه 33 سنة في استقرار وهناء الى ان دخلت حياتها وزوجها العرّافة «عروب»، فاضطربت ايامهما، والحجب التي سترت حكاية فوّاز مع «منتهى الراية» وخيانته سماح في باريس رُفعت فثار غبار الماضي وامتد على حاضر الايام فاختنقت حياة الزوجين واعتمتها الاسرار.
انهيت قراءة «موسم الحوريات» دون ملل يفرضه ما لا لزوم له من الاسهاب والاستفاضة والاطناب، ففي السرد تكثيف دقيق لا يضيع تفاصيل ولا يُطيل، انهيت القراءة وتوقفتُ طويلا عند الجملة الواثقة الاخيرة للباشا الكبير: « فواز ليس واحدا من التروس الهائلة في آلة القدر.» وذلك لأنّه هو «نايف شحادة» الباشا الكبير الذي خطّط الاحداث كلّها بعد اكتشافه ان لزوج ابنته ووريثته ابنا من علاقة قديمة غير شرعيّة، ابنا لا يرغب في جميع الاحوال ان يشاركها ارثا كان هو السبب فيه، هو الذي صنع من فوّاز باشا، كبيرا كان ام صغيرا، وسخرّ له السلطة والنفوذ والمال.

* كاتبة من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش