الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رسالة من الأستاذة الدكتورة ثريا ملحس

تم نشره في الخميس 19 أيار / مايو 2011. 03:00 مـساءً
رسالة من الأستاذة الدكتورة ثريا ملحس

 

كنت قد تلقيت رسالة كريمة من الأستاذة الدكتورة ثريا عبد الفتاح ملحس، ولكن من المؤسف أنها ضاعت بين أكوام الأوراق التي يكتظ بها مكتبي فلم أتمكن من نشرها، ويسرُّني وقد عثرت عليها أثناء تقليبي لأوراقي أن أنشرها ليطلع قراء»جولة في ذاكرة الوطن»في»الدستور»الزاهرة على جوانب لا يعرفها الكثيرون عن الحياة في عمَّـان الأمس، تقول الرسالة :.

الاخ الكريم الباحث الأستاذ زياد أبوغنيمة.

بعد التحية والسلام، لقد كثرالمتحدثون عن ماضي عمان ولكن فات البعض أن يذكر مساهمات والدي عبد الفتاح ملحس وعمي كامل»رحمهما الله»في الحياة الإقتصادية لعمَّـان، وقد ذكر بعضها مشكورا الدكتور رؤوف سعد أبوجابر في كتابه الأخير»تاريخ شرقي الأردن واقتصاده»، ومما ذكره أن أول مطحنة للحبوب في عمَّـان أسَّـسها عمي كامل»هناك مع الأسف من أدعى غير ذلك»وقد شهد الدكتور رؤوف أبوجابر أن والده الشيخ سعد أبوجابر كان يعتمد على مطحنة عمِّـي كامل في طحن محاصيل أراضيه الشاسعة، وكان رؤوف حينذاك طفلا صغيرا، ومن المؤسف أن بعض الذين كتبوا عن النهضة العمرانية في عمَّـان تجاهلوا ذكر أن أول من بنى حجراً مقابل الشابسوغ هوعمِّـي حمدي ملحس الذي كان أول تجار عمَّـان الذي إستورد من أوروبا الأقمشة في العشرينيّات من القرن الماضي وسبق في ذلك»مخازن الحايك»الكبرى التي بدأت تستورد الأقمشة من أوروبا في الأربعينيات.

وأذكر أن والدي عبد الفتاح ملحس إستأجر دارا ً في وادي جبل عمان قرب حارة الشابسوغ حيث كان يتجمع الشراكسة بعد أن بنوا واستقرُّوا هناك وأذكر منهم آل لمبز وآل شردم وكانت أمي منهما وكانت يتيمة الأبوين وقد كفلها خالها من آل شردم وهي طفلة صغيرة، ولزواج والدي منها قصة جميلة، ففي ذات يوم كان والدي الذي كان في الثامنة عشرة من عمره على سطح البيت فرآى فتاة في الرابعة عشرة من العمر على سطح بيت مجاور فرماها بحصى صغيرة ليلفت إنتباهها إليه، فخفضت رأسها خجلا، فصمَّم على أن تكون شريكة حياته، وعلى عادة الشركس خطفها في اليوم التالي وطار بها على فرس إلى دار الوجيه العمَّـاني الشيخ سيدوالكردي التي كانت وسط مزارعه الشاسعة وأودعها أمانة لديه، وفي اليوم الثاني علم خالها وأعمامها بالخبر فطاروا على أفراسهم يحملون بنادق زاهية نحودار سيدوالكردي، ووقفوا على بابه، وبعد أخذ ورد وافقوا على زواج والدي من أمي، وعادوا مسرعين يزفـُّـون الخبر السعيد، ولأن العروس الجديدة كانت صغيرة فقد أحاطتها برعايتها زوجة عمّي الأكبر وهي شقيقة الشيخ حمدي الأنيس أبوالراغب، ومن القصص الطريفة التي سمعتها من والدتي أن والدي أشفق عليها بعد أن أصبح لها أربعة من الأولاد فاشترى لها جارية سوداء من مكتب المندوب السامي البريطاني، وكان البريطانيون يتاجرون بالبشر، وبعد سنتين تزوَّجت الجارية بأحد العبيد، فأعتقها أبي، وكانت نساء تلك المرحلة ولادات فقد أنجبت والدتي أحد عشر ولدا وبنتا.

وكانت عمّان في شتائها كثيرا ما تتساقط فيها الثلوج، وكانت المياه في كثير من الأحيان تتدفق في الشوارع على شكل فيضان جارف حيث تتدفق المياه هادرة من الجبال وتصبُّ في الوادي فيفيض سيل عمان بعد أن يكون جافاً في الصيف، وكان الأطفال يصطادون الضفادع التي كانت تكثر في السيل، وكان لوالدي دكان على طرف السيل وكان عرضة كغيره من الدكاكين لمياه الفيضان التي تتسبب في خراب بضاعته، وكانت الفيضانات تسبب معاناة لأهل عمَّـان الذين يسكنون في الوادي مما جعل والدي يفكر بالإنتقال للسكن في مكان أعلى ووجد ضالته في أرض في مطلع الجبل»جبل عمَّـان»كانت بعيدة عن العمران ولا يكاد يصلها إنسان حيث لا عمار ولا عُمران، فقرَّر أن يبني فيها دارا، ودهش الناس من جرأة أبي على البناء في جبل كان مأوى للضباع والذئاب وحيث لا مياه ولا كهرباء ولا طريق، ولكن والدي صمَّم على البناء في تلك الأرض وأضطرَّ إلى شقِّ طريق لكي توصل البغال والحمير المياه والحجارة والحديد والمواد اللازمة لبناء الدار وبدأ ببنائها في بدايات العشرينيات من القرن العشرين الذي مضى، وبعد أن انتهى بناء الدار إنتقل أبي وأمي مع أولادهما الخمسة إليها، وفي هذه الدار أنجبت والدتي ستة آخرين من الأولاد والبنات، وأحاط والدي الدار ببسان واسع وبنى خزانا للمياه»حاووزا»في آخر البستان، وزرع البستان كرماً وأشجاراً، وانتظر حتى يصل إلى الجبل المياه والكهرباء، ويزحف إليه العُمران، وكان صبوراً وكان عنيداً في البحث عن الحضارة، وحين وصلت الكهرباء، وبنى بعضهم دوراً قرب دارنا، مدّ شرائط الكهرباء ظاهرة على الحيطان، وحين جاءت المياه من حاووز عمّان الضخم الكبير الذي يوزّع المياه على سكان الوادي حتى الجبل الأول مدَّ القساطل في الدار، وحين وصلت أفران الغاز ألغيت بوابير الكاز كما ألغيت من قبل القناديل واللكسات، وحين جاءت الثلاجات أوالبرّادات وقويت الكهرباء ألغيت النمليّة والصندوق الخشبي لحفظ ألواح الثلج، وهكذا بدأ يزحف العمران ببطء لكنه أتى ووصل، وحين ترك أبي دكـَّـانة في الوادي وتقلب في أعمال شتى صغيرة أصبحت فيما بعد كبيرة اشترى أول سيارة في عمّان من نوع دودج، ثم أصبح وكيلها ووكيل عجلات الغوديير.»إنتهت رسالة الأستاذة الدكتورة ثريا ملحس».

التاريخ : 19-05-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش