الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كأس الحياة

رمزي الغزوي

الخميس 31 كانون الأول / ديسمبر 2015.
عدد المقالات: 1992


لماذا رأس السنة إذن؟!. الأن العمر بيدر قمح مركوم ينتظر الدرس، بيدر نلمُّ سنابله سنبلة سنبلة وظهورنا تقضُّ من وطأة أثقالها وأحمالها، وأيادينا تتشقق بعناء التراب. فهل كان الخبز جديراً بكل هذا التعب؟!، وهل تتنفس أرضنا برئة من فضاء لا تحده حدود، ولا تقيدها قيود؟!. أم أن الآخرين كانوا بالمرصاد يتربصون لأحلامنا الثلجية، فيرشونها بالملح؛ كي تموت مباهجنا في براعمها وأكمامها؟!.
يا هذا العمر المتفلت منا كقبضة ماء!، يا هذا العمر المتماثل كصفحة سراب نحسبه الماء!. كم صار يباغتنا رأس السنة ويفاجئنا!، فيطل علينا من طرف الشباك كجنرال عجول، يضبطنا نشعل شمعة تتعبنا، فكلما نجحنا بإشعالها أطفأتها هطلات دموعنا وهمهمات لهاثنا وزفيرنا الغاضب!. فلماذا لا نتذكر السنة إلا عند نزول ماء رأسها فقط؟‍!، ولم لا نحتفي بدلاً من ذاك بنهايتها وأفولها؟‍‍‍!، أليست الأيام سواء بسواء؟!،‍ فلماذا يختلط بكاؤنا من سنة ولت، بفرحنا بسنة هلت؟!.
عند كل رأس سنة أحار بأيامي: كيف أعدها وأعددها. هل كل يوم مرّ بي قد عشته بحق؟!، عشته كما ينبغي أن يعاش؟!، أم أنني كنت من الذين يتلعثمون عند عتبة كل يوم جديد، فلا يملكون إلا أن يجتروا سالف أيامهم وظلالها، فيضيعون كل شيء: مستقبلهم وحاضرهم؟!. هل حقاً أنا أحيا حياتي؟!، فقِلةٌ هم الذين يولدون ليحيوا!، وكثيرون جداً أولئك الذين ينتظرون قدوم قطار الموت ليس إلا، فهل زرعنا كما ينبغي للحياة أن تزرع؟!، وهل حصدنا كما حصد المجدون؟!. أزرعنا حقاً، أم أن ما زرعناه كان رملاً مبثوثاً في أرض أجاج، لا يجدي خبزاً؟!.
فرق شاسع بين الحياة والعيش، كالفرق تماماً بين الحياة واللاحياة، النبات والبكتيريا والأميبا والذباب وفلول الفيروسات، كل أؤلئك يعيشون ويشغلون حيزاً في الكون مهما صغر أو كبر: لكن من منهم يحيا حياته؟!، فهل سنقترف الحياة ونقتنصها وننتزعها من فك الزمان، ونحياها بحذافيرها؟!، أم أنها ما عادت تفرق معنا، فتشابهت علينا الأيام رأسها وذيلها؟!، وتساوت بمذاقها ورائحتها ولونها، فتوقفنا عن إدراك الأشياء التي تصادفنا؛ وصرنا محصنين ضد الدهشة، وبات لا يدهشنا شيء، ولا يحركنا شيء، ولا يغبطنا شيء، حتى انكسار خيط ضوء وترذذه إلى قوس قزح على كتف الوادي لا يدهشنا أو يفرحنا: ويلنا إذ تخبو جذوة دهشتنا!.       
دعونا نترك أصابعنا على زجاج الأيام، وكؤوس الحياة، التي نشربها صفواً، رغم كدر هذا العالم العكر؛ دعونا نحيا بصدق، فغداً سيقولون، إذا ما تلمسوا بصماتنا وعرفوها: هنا كانوا، وهنا عاشوا حياتهم كما يجب!.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش