الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الناس والسياسة: لماذا تبتعد قرارات الحكومة عن ساحات »لعب« الاثرياء وتركز على ساحات »معيشة« الفقراء؟

تم نشره في الثلاثاء 26 تموز / يوليو 2005. 03:00 مـساءً
الناس والسياسة: لماذا تبتعد قرارات الحكومة عن ساحات »لعب« الاثرياء وتركز على ساحات »معيشة« الفقراء؟

 

 
- باتر محمد علي وردم
الوضع ليس طبيعيا، ولا بد من تحليل اقتصادي يجد جذور الظواهر غير الاعتيادية في سوق الانشاءات والاراضي حيث تم انفاق بليوني دولار في سنة واحدة
الاراضي والعقارات وسوق عمان المالي هي الملاعب الثلاثة للاثرياء في عمان وهي الساحات التي ينبغي للحكومة ان تبحث فيها عن موارد مالية لدعم الخزينة بدلا من جيوب المواطنين من الفقراء
اثار مجموعة من السادة النواب في كلماتهم في جلسة الثقة مخاوف كبيرة من عمليات بيع الاراضي والعقارات باسعار خيالية في الاردن، وقد تطرقوا الى هذه القضية من مختلف الجوانب ومنها التخوف السياسي من ان تكون عمليات البيع مقدمة للتوطين او ان يكون الارتفاع الجنوني للاسعار نتيجة زيادة الطلب من الاثرياء العرب وتأثير ذلك على القدرة الشرائية للمواطن الاردني العادي .
وفي معرض رده على هذه الملاحظات قدم لنا رئيس الوزراء معلومة غريبة وهي ان 3% فقط من البيوعات هي لغير الاردنيين، اي ان 97% من عمليات بيع الاراضي والعقارات في الاردن، وبهذه الاسعار الفلكية مقتصرة فقط على الاردنيين، وبما انني شخصيا لا اشك في صدق الرئيس ، فانني احمل شكا عميقا في مصداقية المعلومة التي تم تزويد الرئيس بها، فهناك العديد من الشواهد التي تدحض هذه المعلومة، وتجعل تصديقها صعبا جدا ضمن الظروف الحالية .
لست خبيرا اقتصاديا ولا ادعي العلم بخصائص حركة سوق العقارات والاراضي ولا املك المعرفة العملية بتفاصيل بيع الاراضي والعقارات، فأغلى ما قمت بشرائه هو سيارة 1300 سي سي قبل ان تقرر الحكومة السابقة رفع سعرها، ولكن النسبة التي تحدث عنها الرئيس وهي ان 97% من حركة البيع هي للاردنيين تعد عادية جدا في كل الاسواق ولا يوجد مبرر عندئذ لهذا الارتفاع الحاد في اسعار الاراضي والعقارات منذ سنة واحدة على الاقل، حيث نجد انفسنا نتساءل عن مصادر هذه الاموال الهائلة لدى الاردنيين والتي ساهمت في 97% من عمليات البيع والشراء حسب الارقام التي تقدم بها الرئيس.
ان اي تغيير جذري في معادلة العرض والطلب على اي سوق، ومنها سوق الاراضي والعقارات يحدث نتيجة عوامل خارجية ومنها وجود سيولة مالية هائلة وغير طبيعية وهذا يحدث في حالات المضاربات او غسيل الاموال او ضخ الاموال من خارج البلاد من قبل اثرياء غير مواطنين، وبما ان الاردن، حسب التقارير الرسمية على الاقل ليس مكانا للمضاربات وغسيل الاموال فان التفسير الوحيد هو دخول العامل الخارجي من خلال الاثرياء العرب من العراقيين والسوريين واللبنانيين والخليجيين بناء على نتائج التغييرات السياسية في المنطقة وفي العالم والتي تجذب الاستثمار الخارجي في مجال العقارات .
اما بالنسبة لقضية التوطين، والتخوف من بيع الاراضي والعقارات للاثرياء من الفلسطينيين من خارج الاردن، فهذه مسألة تستحق البحث العلمي والاحصائي الدقيق وليس اطلاق معلومات وشائعات غير مقرونة بالحقائق لان مثل هذه الشائعات لها نتائج وخيمة على التوازن السياسي والديمغرافي في الاردن ، بدون ان نتجاهل الامكانية الحقيقية لوجود مخطط كهذا بدعم من جهات تريد تخفيف وطأة الثمن الذي قد تدفعه اسرائيل في تفاصيل الحل النهائي وعودة اللاجئين .
ولكن المسألة الرئيسية التي ينبغي الانتباه لها من قبل الحكومة هي مدى استفادة خزينة الدولة من هذا الارتفاع الهائل في اسعار الاراضي، وهل يمكن ان تترك الحكومة مليارات الدنانير ليتم تداولها بحرية تامة في سوق الاراضي والعقارات بدون ان تستفيد من نسبة بسيطة منها لدعم الخزينة الوطنية بدلا من الامتداد الى جيوب المواطنين لتغطية كلفة فاتورة النفط .
الاراضي والعقارات وسوق عمان المالي هي الملاعب الثلاثة للاثرياء في الاردن، وهي الساحات التي ينبغي للحكومة ان تبحث فيها عن موارد مالية تدعم الخزينة الوطنية بدلا من جيوب المواطنين من الفقراء والطبقة الوسطى، ولا يمكن ان تكون الحكومة، اية حكومة في دولة مستقلة غير قادرة على الاستفادة من تيار الاموال الهائل الذي يدخل في هذه الساحات .
الوضع ليس طبيعيا في الاردن، وهناك حاجة الى تحليل اقتصادي حقيقي يجد جذور الظواهر غير الاعتيادية في سوق الانشاءات والاراضي، في دولة تواجه عجزا في الميزانية يتم انفاق بليوني دينار في سنة واحدة في بناء مجمعات سكنية وارتفاع اسعار الاراضي بنسبة 120% في نفس السنة، وقد ارتفع سعر الدونم في معظم مناطق عمان الغربيةبمقادير تتراوح من 40 - 100 دينار للمتر المربع، ومع ذلك فان الارتفاع يتناسب مع زيادة غير منطقية في القوة الشرائية، التي يفترض حسب الارقام الرسمية ان تكون بنسبة 97% للمواطنين الاردنيين الذين يعيشون في بلد يعاني مديونية وعجزا ماليا يضطر من خلاله الى رفع اسعار الوقود بنسبة 33% وترشيد الانفاق لمواجهة متطلبات الفاتورة النفطية .
يقدم البعض تفسيرات مختلفة ومنها التسهيلات المصرفية المبالغ بها والتي اعطت المجال للمواطنين بالشراء في هذا القطاع الذي يعتبر آمنا نسبيا مقارنة بقطاعات الاستثمار الاخرى، ويرى البعض الاخر ان المواطن الاردني وتعديلات قانون المالكين والمستأجرين والذي يعطي الصلاحيات المطلقة للمالك على حساب المستأجر، اما في مجال استقطاب الاستثمارات الخارجية فان الوضع الآمن والمستقر للاردن يساهم في جذب الاستثمارات العربية في هذا القطاع .
في محصلة الامر، وبغض النظر عن جنسيات المستثمرين والمشترين في قطاعات الاراضي والاسكان، فان هناك سيولة نقدية ضخمة في هذا القطاع لا بد للحكومة من استثمار نسبة منها لدعم الخزينة في اوجه الانفاق الاساسية وهي الفاتورة النفطية وتوجيه التركيز على قطاعات »لعب« الاثرياء مثل الاراضي والعقارات وسوق عمان المالي وليس قطاعات »معيشة« الفقراء مثل التعليم والصحة والطاقة والمياه، لا يوجد لديّ شك في ان الحكومة لو امتلكت الارادة والجرأة في تنظيم قطاع الاراضي والعقارات سوف تتمكن من تطوير تشريعات ونظم تساهم في رفد خزينة الدولة بمئات الملايين من الدنانير التي تدعم الاقتصاد الوطني وتخفف وطأة الظروف الاقتصادية على غالبية الشعب الاردني من متوسطي الحال والفقراء.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش