الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الناس والسياسة: معضلة الحكومة امام البرلمان: الثقة والمساءلة على الوعود، والبرامج متروكة للاجندة الوطنية!

تم نشره في الأحد 17 تموز / يوليو 2005. 03:00 مـساءً
الناس والسياسة: معضلة الحكومة امام البرلمان: الثقة والمساءلة على الوعود، والبرامج متروكة للاجندة الوطنية!

 

 
* باتر محمد وردم
الحكومة مطالبة بوضع اولويات حقيقية وتوصيات قابلة للتطبيق
لا يوجد في البيان الوزاري ما يمكن الاختلاف معه جذريا باستثناء رفع اسعار المشتقات النفطية
ليس من المعقول ان يطالب نائب بترشيد الانفاق ومن ثم يطالب بكل الخدمات الممكنة وغير الممكنة لمنطقته
باتر محمد علي وردم
يبدا اليوم الماراثون النيابي الطويل في مناقشة البيان الوزاري بهدف تحديد موقف المجلس من منح الثقة للحكومة، وتبدو الظروف التي تحيط بهذه المناقشة استثنائية في اهميتها ومناخها السياسي، حيث ان العلاقة بين المجلس والحكومة الجديدة بدت متارجحة على خلفية التشكيل الحكومي وتشكيل كتلة "نواب حجب الثقة" ومن ثم التعديل الوزاري ورفع اسعار المشتقات النفطية.
وربما تشكل هذه الظروف الاستثنائية فرصة مناسبة لتمرين سياسي رفيع المستوى يتم فيه مناقشة البرنامج الحكومي، وتقديم البدائل العملية والحلول المختلفة عما قدمته الحكومة، وهذا هو الدور الرئيسي لمجلس النواب. لقد اكدت معظم الكتل النيابية في تصريحات اعلامية في الايام الثلاثة الماضية ان البيان الوزاري كان انشائيا ومليئا بالوعود التي لا يختلف عليها احد، ولكنه يفتقر الى الاليات التنفيذية الواقعية.
هذه التصريحات التي اصدرها النواب تعطي انطباعا اوليا بان الكتل النيابية سوف تجتمع لتتدارس البيان والوعود والظروف الاقتصادية والتنموية والسياسية والاجتماعية في الاردن، وسوف تقدم قراءتها وتقييمها للبيان بلغة الارقام والتحليل العلمي وطرح البدائل العلمية والمنطقية. ولكن الخصائص الاعتيادية لجلسات الثقة السابقة كانت مختلفة تماما عن هذه الطموحات. فقد اعتاد الناس على بيانات طويلة من السادة النواب بتواقيعهم الشخصية كنواب خدمات واحيانا نواب افكار، وكذلك بيانات جماعية للكتل تحاول التركيز على البعد السياسي العام.
وقد لاحظنا في كثير من الحالات ان نوابا كانوا يتلون كلمات باسم كتلهم ومن ثم مداخلات مختلفة في المضمون باسمائهم الشخصية، وهذه ازدواجية عجيبة في العمل السياسي البرلماني، ونرجو الا تتكرر في جلسة الثقة الحالية، فليس من المعقول ان يطالب نائب بترشيد الانفاق وتطوير اليات برامجية واضحة للمشاريع التنموية ومن ثم يطالب بكل الخدمات الممكنة وغير الممكنة لمنطقته الانتخابية.
سوف تتضمن كل الكلمات التي سيلقيها النواب ابتداء من اليوم نقدا شديدا لقرار رفع اسعار المحروقات، وسيتم وصف الكلفة الهائلة التي يدفعها المواطن نتيجة هذا القرار، وسوف يطالب النواب بالعودة عن هذا القرار ولكن القليل جدا منهم سيقدم بدائل وحلول اخرى مبنية على الوضع الاقتصادي والسياسي. وسيطالب كل النواب بمخصصات لمشاريع انشاء مستشفيات وعيادات ومدارس ومحاربة الفقر والبطالة في كل الدوائر الانتخابية بنفس الوقت الذي يطالبون فيه بتخفيض الانفاق الحكومي. هذه المعادلة قد تكون غير مفهومة منطقيا ولكنها مبررة في ظل الخصائص التي تحكم عمل النائب الاردني، فهو مطالب بان ينقل كل مطالب دائرته الانتخابية الى الحكومة تحت القبة حتى لو لم يكن مؤمنا بامكانية تطبيقها، كما انه بحاجة الى لعب دور سياسي واضح لتعزيز المكانة السياسية والدور الرقابي لمجلس النواب، وهذا الدور السياسي يتناقض احيانا مع مطالب وحاجات الناخبين.
من المفيد ان تكثف الكتل البرلمانية المختلفة من لقاءاتها التشاورية، واستخدام مستشارين او باحثين على مستوى عال من الكفاءة لتحليل البيان الحكومي ووضع البدائل وتوضيح اوجه النقص من خلال المعلومات والارقام وهي متاحة لجميع مجلس النواب بحكم الدستور، ومن المفترض ان يكون مركز التوثيق والدراسات في مجلس الامة على مستوى عال من القدرة والمعرفة لتزويد النواب والكتل البرلمانية بالمعلومات والبدائل الممكنة للبرنامج الوزاري، وهذا هو جوهر عملية الحوار الديمقراطي التي تتم في جلسات الثقة.
لقد قدم رئيس الوزراء برنامجا طويلا يتضمن اكثر من عشرين محورا للعمل، وتضمن كل محور حوالي عشر توصيات وهذا يعني اننا امام 200 وعد وتوصية في البرنامج الحكومي، بعضها يحقق خدمة كبيرة للمواطن ويحتاج الى مخصصات مالية كبيرة مثل تنفيذ مشروع قناة البحرين واعادة تاهيل سيل الزرقاء وبعضها لا يحتاج الا الى قرار سياسي شجاع مثل تقديم قانون انتخاب ديمقراطي والمضي قدما في ترسيخ الاصلاح بمختلف جوانبه.
وفي الواقع لا يوجد في البيان الوزاري ما يمكن الاختلاف معه جذريا ربما باستثناء قرار تحرير قطاع الطاقة ورفع اسعار المشتقات النفطية، وهو العامل الاكثر حساسية في برنامج الحكومة والعنصر الحاسم ما بين منح الثقة او منعها، وهذا القرار تمت مناقشته على الساحة السياسية والاعلامية ولكن ساحة مجلس النواب ستكون الاهم، وواجب السادة النواب هو الارتقاء في مستوى الحوار من انتقاد القرار وتوضيح مخاطره على المواطنين (وهو ما لا يختلف عليه احد في الاردن) الى مستوى طرح البدائل الحقيقية التي قد تقنع الحكومة وربما تشكل سلاحا منطقيا للشارع الاردني والمؤسسات السياسية في المطالبة بهذه البدائل التي يمكن تحقيقها، وليس مجرد التمنيات والتخمينات التي تستند الى المثالية بدلا من الواقع.
صحيح ان بيان الحكومة يفتقر الى الاليات والبرامج، ولكن هذه المشكلة ليست فقط في الحكومة بل في مجمل عملية التخطيط السياسي والاقتصادي والتنموي في الاردن. تقدم الحكومة بيانها قبل شهرين من صدور الاجندة الوطنية والتي سوف تتضمن تطوير اليات محددة زمنيا وتطبيقيا لتنفيذ توصيات وبرامج محددة لكل القطاعات الوطنية. وفي هذه الاثناء لا زالت فرق العمل في محاور الاجندة الوطنية تحاول الوصول الى اليات اتفاق وطني، ولا يزال الجدل الداخلي محتدما بين الاعضاء في بعض المحاور الحساسة. وهذا ما يجعل من الصعب على الحكومة تقديم برامج محددة واليات زمنية قد تاخذ الثقة على اساسها ومن ثم تظهر برامج مختلفة من الاجندة الوطنية، وتصبح الحكومة في موضع مساءلة على برامج الاجندة الوطنية والتي قد تحتاج هي الاخرى الى جلسات ثقة خاصة في مجلس النواب.
لقد قدمت الحكومة الكثير من الوعود، وربما كانت نقطة الضعف الوحيدة في البيان هي تضمين هذا الكم الهائل من التوصيات في ظل ظروف اقتصادية سيئة قد تمنع تحقيق الغالبية العظمى، وربما تكون الحكومة بحاجة الى وضع اولويات حقيقية بحيث تقتصر هذه التوصيات الى حوالي 50 توصية ووعدا قابل للتحقق والمساءلة، حتى لو كانت الاليات والبرامج غير قابلة للطرح الان بسبب خضوعها للولادة السياسية في لجان الاجندة الوطنية.
لقد قدمت الحكومة بيانها الذي تضمن احد عشر محورا عاما، تبعته عشرات التوصيات في القطاعات المختلفة، وهي محاور تتضمن الكثير من المبادئ والمعايير الاصلاحية المطلوبة لتحقيق طموحات الشعب الاردني، ولكن الامتحان يبقى دائما في التطبيق، ونتطلع قدما الى ان يكسب مجلس النواب سباق البرامج والاليات التنفيذية هذه المرة ويقدم بعض البدائل والاولويات التي يراها اساسية في منح الثقة بدلا من استمرار الخطابات الاعتيادية المعتمدة هي الاخرى على التمنيات والشعارات والبعيدة عن الواقع.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش