الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إبراهيم خليل: التنويـر شـرارة أومضـت فـي ظـلمـــاء الأفـــق العربي وســرعـان مـا خـبــــت

تم نشره في الاثنين 31 كانون الثاني / يناير 2000. 02:00 مـساءً

«دردشة ثقافية» زاوية أسبوعية، نطل من خلالها على عوالم مبدعينا الأردنيين والعرب، ونتجول في مشاغلهم الإبداعية، ونتعرف من خلالها إلى أبرز شجونهم وشؤونهم، في مجالات متعددة.

إعداد: نضال برقان

]  هل ثمة دور للمثقف في الراهن والمعيش؟ وما طبيعة هذا الدور؟
- كأي إنسان في هذا الواقع لا بد للمثقف من دور، مثلما لكل فرد من أفراد المجتمع دوره. ولكن الأيام، والتجارب، أثبتت لنا أن ما يعول عليه المجتمع من دور للمثقف مختلف عن دور الإنسان العادي، لا يتعدى في الحقيقة الآمال العراض التي قد تتحقق، وقد لا يكون حظها من التحقيق إلا الخيبة المرة. فعندما نعود بذاكرتنا للوراء، ونتذكر مفكري عصر التنوير في القرن التاسع عشر وبدايات القرن الماضي، من أمثال: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورفاعة الطهاوي، وقاسم أمين، وعبد الرحمن الكواكبي، وعبدالله مخلص، والإبراهيمي، وخير الدين التونسي، وسلامة موسى وساطع الحصري، نسأل أنفسنا مثلما يسأل الآخرون أنفسهم: أما كان الأولى بأولئك المثقفين المبدعين أن يخلدوا إلى الصمت، فبعد نيف ومائة عام عاد الجميع في شرقنا إلى المربع الأول. فالمرأة عادت إلى وكر الحريم، والتشرذم والتمزق أصبحا سيد الموقف، والاحتلالات عادت بنا إلى عصر الاستعمار المباشر، فأين هو البلد العربي الذي نجح فيه المثقفون، وأدوا دورا ترك تأثيره فيه؟ لا نجد من الإجابات عن هذا السؤال ما يطمئن، أو – على الأقل- يعد بما يطمئن. ولهذا فإن الجواب الدقيق عن تساؤلكم هو أنْ نعم، للمثقف دور بلا ريب، ولكن هذا الدور لم يبدأ بعد.

*كانت ثمة محاولات قبل أزيد من قرن لإشاعة التنوير، وترسيخه، بوصفه ثقافة، ومنهج حياة، في العالم العربي، وقد فشلت.. ولما نزل نتخبط..  باعتقادك إلى متى؟
- يتصل هذا السؤال بما سبق. فالتنوير شرارة أومضت في ظلماء الأفق العربي، وسرعان ما خبت. فالأنظمة القطرية ورثت للأسف طبائع الاستبداد، مثلما ترث السلالات عن الأسلاف لون البشرة، وألوان العيون، ونوع الشعر، وطول القامة أو قصرها إلخ... فلا فرق بين الأنظمة القطرية، والاستعمار الذي ظننا أننا تخلصنا منه. وتحضرني هنا عبارة للرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول، فعندما وافق على استقلال الجزائر لامه الفرنسيون لومًا شديدًا ، فقال في خطاب معروف: لقد تركت في الجزائر من هو حريص على مصالح الفرنسيين أكثر من الفرنسيين أنفسهم. ومع الزمن ثبت أن الطغيان، والاستبداد لم يفارقا البلاد العربية، إنما الذي اختلف هو الأيدي المنفذة. والوجوه أصبحت بأقنعة جديدة، والاحتلالات غدت احتلالات بالنيابة أو بالوكالة. ولم يكن يعوز هذه البلاد سوى الفيروس الطائفي، وهو الآن ينتشر بين ظهرانينا انتشار النار في الهشيم، ويكثر أتباعه، ومروجوه تكاثر الفطر في المكان العفن. وهذا عامل مساعد يزيد التخبط تخبطا أكثر، وأخطر.

] هل ثمة تحديات تواجه الثقافة المحلية؟ وما هي أبرز التحديات، إن وجدت؟
- هذا سؤال افتراضي، من جهتين، أولاهما: أن الثقافة يمكن أن تكون محلية، بمعنى أنها بضاعة من نتاج البلد، وليست مستوردة. قد يكون في هذا التعبير ما يبعث على الثقة بصحته لو قيل فيما مضى، لكننا نعيش في زمن لم تعد فيه الثقافة المحلية معزولة عن غيرها من ثقافات. علينا أن نتوقف عن استخدام تعبير ثقافة محلية، وأخرى مستوردة. وهذا التعبير ثقافة محلية، هو بمعنى من المعاني انتهاك فاضح لمفهوم الثقافة في هذا العصر، صحيح أن لكل ثقافة خصوصيات تنزع بها إلى تصوير الواقع الخاص بها، وإبراز اللون المحلي، الذي يميزها عن ثقافة أخرى.. بيد أن الثقافة – بصرف النظر عن تلك الخصوصية - هي ثقافة بالنسبة لي ولغيري. فلو قرأت حكاية صينية أو هندية فستكونان جزءا من ثقافتي، وإن كانتا في طبيعتيهما تصوران بيئة غير بيئتي، بل أكثر من هذا تصبح هاتان الحكايتان جزءا مما يميز ثقافتي عن ثقافة جاري الذي لم يتح له الاطلاع على الحكايتين. من هذا المثال يتضح لنا أن الثقافة لا تقاس بمقاييس السلع، والمنتجات الغذائية التي تحتاج إلى حماية من منافستها المتجات المستوردة.
أما الوجه الثاني، فهو الافتراض بأن الثقافة لا ينبغي لها أن تواجه تحديات. وهذا في رأيي موقف لا ينسجم مع الواقع، إذ لا بد أن تواجه الثقافة تحديات، وكلما زادت هذه التحديات كان العطاء الإبداعي أقرب إلى الواقع، وأكثر صدقا، وأوفر غنىً. ونستطيع أن نؤكد القول بأن الثقافة التي لا تعترضها التحديات هي الثقافة المدجّنة فحسب. ثقافة المرتزقة، والمهرِّجين، الذين لا يعرفون من الإبداع إلا أنه تمجيد لهذا السلطان، أو ذاك الرئيس. والتسبيح بحمد هذا الوزير أو تلك الوزيرة. التاريخ يقدم لنا أمثلة كثيرة من هؤلاء المثقفين، إذا جاز التعبير، ولكنه- أي التاريخ الأدبي- يقدم لنا مثالا آخر، فكلما ازدادت معاناة المثقفين مع التحديات، والقيود، ازداد عطاؤهم، وحَسُن، ففي روسيا القيصرية التي ذاق فيها المبدعون الكثير من الاضطهاد، وتعرضوا للعسف، هم منْ جادوا على الأدب العالمي بعبقريات نادرة من أمثال: تشيكوف وغوغول وبوشكين ودستويفسكي وتولستوي. فإن لم تكن التحديات في طريقنا، فعلينا- نحن المثقفين - اختراعها، وإلا أصبحنا كغيرنا من المتمسِّحين بذوي السلطان، والجاه. وأيا ما يكن الأمر، فإن الواقع الأدبي والثقافي يعانيان من تحديات أخرى على مستوى التفاصيل، من ذلك على سبيل المثال ضيق إمكانات النشر، ومبدأ التحيز، والاستبعاد الذي تضطلع به وزارة الثقافة للأسف في نشر ما تنشره- عدا الدعم طبعا- والقيود البيروقراطية التي لا تنم عن وعي بالثقافة كتحديد ألا تكون البحوث المنشورة في أفكار أكثر من (1200) كلمة، وكأنها جريدة يومية، لا مجلة، وإلغاء منح التفرغ، والفوضي في النشاط الشفاهي، والارتجال في المهرجانات، وتراجع جهود الدائرة الثقافية في أمانة عمان.. على أكثر من مستوى. وهذا كله يعد شأنا طبيعيا، ولا مطمع لنا في تفاديه ما دمنا نعاني ما نعانية من التخبط في التيه.

] هل ترى ثقافة ما في الفضائيات ؟ وكيف يمكن تعزيزها إن وجدت؟
- منْ يُنكر أن للفضائيات دورا ثقافيا قويا وكبيرًا، إما أنه منفصل عن الواقع، أو مكابر، وإنكاره لا يعدو كونه ضربًا من الجحود، والعناد. غير أن هذا الدور، مثلما يقول القدماء في الأمثال، سيف ذو حدين. فمثلما تستطيع الفضائية إفادة الإبداع الثقافي وتعزيزه، وتوثيق الصلة بين المبدع وجمهوره، فإن لدورها في كثير من الأحيان تأثيرا سلبيا كاسحا وماسحا للثقافة والمثقف. وللأسف الشديد يبدو الأثر السلبي لها أكبر من الأثر الإيجابي. فالرواية والقصة يمكنها أن تصل إلى جمهور عريض من المشاهدين بعد أن يجري تحويلها إلى سيناريو، وفي ذلك ما فيه من فائدة تعود على الكاتب، وعلى النص، وعلى مستعمل النص قارئا أو مشاهدا. وحلقة عن شاعر ما مع تسجيلات بالصوت والصورة والموسيقى يمكن أن يكون لها تأثير يفوق عشرات الأمسيات الشعرية، فهو- أي البرنامج-  همزة وصل بين الشاعر وجمهوره، وبين القاص وجمهوره، وبين الكاتب وجمهوره، إذا أحسن استعمال البرنامج التلفزيوني. على أن هذا لا يمنعنا من الخشية على الثقافة من برامج أصبحت تقليعة دارجة في الفضائيات تحت مسميات ما أنزل الله بها من سلطان، مثل شاعر المليون، وأمير الشعراء، وما شابه ذلك، وشاكله، من برامج تقوم على التصويت، والمراهنات، والتنافس، الذي لا يخلو من مكائد أحيانا، ومن رشى، وكأن الأدب والشعر ليس فنا راقيا بل هو فوضى تشيع في حلبة مصارعة أمريكية حرة.
واعتراضنا على هذه البرامج نابع من أنها تؤدي إلى شيوع أحكام مضللة، وعشوائية، واعتباطية، لا تقوم على قرائن ومعطيات أدبية ونقدية مقبولة؛ فهي بسبب ذلك لغوٌ، وكلمٌ بلا معنى. فالتصويت لشخص ما بأنه أمير الشعراء، أو شاعر المليون، كالتصويت لمطرب مبتدئ بأنه (سوبر) أو ( أرب آيدول) وهو تصويتٌ لا يعني في موزاين الأدب إلا أنه نكتة يمكنها أن تثير الضحك لزمن ما ثم تمضى إلى حيث لا عودة كغيرها من النكت. والحق أن نتاج الشاعر الإبداعي هو الذي يقرر ما إذا كان شاعرا أولا، أو ليس بشاعر، ناهيك عن كونه أميرًا للشعراء.  فالتصويت الذي يذكرنا بانتخابات الرؤساء العرب ونسبة الـ 99% لا تخلق من المدعي شاعرا.

] ما هو آخر كتاب قرأتـه؟
- أخر كتاب قرأته هو رواية « نزلاء العتمة « لزياد محافظة. وهي رواية تلفت النظر بموضوعها أكثر مما يلفته البناء الفني. فهي تتناول شخصية السجين، أو المعتقل السياسي مصطفى، الذي يقضي عشر سنين في زنزانة انفرادية يقاسي فيها ويسام الخسف وسوء العذاب، حتى إذا ما لقي حتفه في تلك الزنزانة المظلمة، وانتقل إلى الدار الآخرة، لم تختلف عنده ظلمة القبر عن ظلمة السجن، ولهذا وجد الموت أكثر رحمة من الزنزانة، ويتتبع السارد العليم ما جرى لمصطفى هذا من وقائع في عالم الموتى مع الفضيل وأم طه وحسان وياسين وشهاب الدين وآخرين على طريقة دستويفسكي في مذكرات من بيت الموتى. والطريف في الرواية أنَّ السجان، وبعض معاونيه ممن كانوا يتناوبون على تعذيب مصطفى توفوا وانتقلوا إلى عالم القبور، والتقوا بمصطفى. وفي هذا السياق يفاجئ القارئ موقف مصطفى من الجلاد؛ فقد نشأت بينهما علاقة أساسها التسامح، والعفو عما سلف.

] على الصعيد الشخصي، ما هي أهم انشغالاتك الآن؟
- لدي الآن مشروعات عدة، أولها تجميع ما كتبته ونشرته عن القصة القصيرة من مقالات وبحوث وقراءات، لم  تنشر في كتب. وقد انتهيت من ذلك واستوت في كتاب يضم ثلاثة عشر فصلا اخترت له عنوانا يوحي بما هو مشترك والعنوان هو» مراوعة السرد وتحولات المعنى « وفيه دراسات عن كتاب منهم جمال أبو حمدان، ومحمود شقير ومحمود الريماوي والزهرة رميج وجمال ناجي ويوسف ضمرة وسوزان الراسخ ونجوى قعوار فرح وهند أبو الشعر وآخرين..
والمشروع الثاني البحث عن ناشر لكتاب انتهيت من تحريره بعنوان حاضر الشعر وتحولات القصيدة في الشعر العربي المعاصر. وهو كتاب يقع في 256 ص من القطع الكبير، وفيه فصول عن شعراء عرب منهم على سبيل المثال: محمود درويش وحميد سعيد ومحمد علي شمس الدين وشوقي بزيع وأحمد دحبور وعلي جعفر العلاق وسميح القاسم ومحمد القيسي ومريد البرغوثي وآخرين..
] عندما تتأمل صورتك في المرآة بوصفك مبدعا كيف ترى تلك الصورة؟ وهل أنت راض عما قدمت؟
- قد تكون المرآة أحيانا مقعرة فيرى الناظر فيها نفسه أصغر مما يجب، وقد تكون محدبة فيبدو فيها لنفسه أكبر وأعظم حجما مما هو. وقد أوحت المرايا للراحل عبد العزيز حمودة بفكرة طريفة تجلت في عنونة كتابين له هما: المرايا المقعرة والمرايا المحدبة. وفي هذا الأخير اشار إلى نقاد منهم جابر عصفور، وعبدالله الغذامي، وكمال أبو ديب على أنهم لا ينظرون إلا في المحدبة من المرايا فيظنون أنفسهم أكبر مما هم. وأنا شخصيا وإن كنت لا أحب النظر في المرايا إلا أنني إن فعلت اخترت المستوية منها تاركا لغيري حرية التعليق على ما أكتبه وأنشره. ولست أزعم أنني راض أو معجب بما كتبت ونشرت بل أراني أعمل بصمت وأكتب تاركا لغيري أن يملأوا الميدان بالصياح.

] على الصعيد الإبداعي، هل ثمة طقوس خاصة تقوم بها خلال ممارستك للعمل الإبداع؟
- لا طقوس خاصة لي، لا عند الكتابة ولا في غيره. ما يهمني هو أن تتوافر لدي أدوات الكتابة والمادة الأولية التي تبحث عن اشكال التعبير فيما توفره لي اللغة من كلمات. وأن يكون الموقع الذي أزاول فيه الكتابة موقعا مريحا لا يشعرني بالضيق ولا بالانزعاج. لا أحتسي الكثير من فناجين القهوة ولا أدخن السجائر ولا استعين على فعل الكتابة بأي منشاطات مثلما يفعل بعض الرياضيين. وكلما كتبت شيئا جديدا أعود فأراجعه مرارا وتكرارا قبل نشره، وكلما أعدت قراءته وجدت فيه ما يمكن أن يكون قد فاتني استدراكه وتنقيحه وتغييره. 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش