الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بورتريه : توفيق النمري

تم نشره في الخميس 10 تموز / يوليو 2008. 03:00 مـساءً
بورتريه : توفيق النمري هشام عودة

 

 
اسهم في بناء خريطة الوجدان الشعبي ، والارتقاء بالذائقة الجمعية ، عبر مسيرته الفنية الطويلة التي تجاوزت ثلاثة ارباع القرن ، وانجبت ما يقرب من الف اغنية ما تزال حاضرة في الذاكرة البعيدة.

انه توفيق النمري ، شيخ الاغنية الاردنية ورائدها ، الذي سقط رأسه ذات يوم بعيدا قبل تسعين عاما في بلدة الحصن الرابض ة في قلب سهل حوران العابق بالجمال ، واستحق بجدارة لقب الفنان الذي رافقه منذ اكثر من ستين عاما ، حين تسلح بعوده واستند الى الموروث الشعبي الجميل في اختيار كلمات اغنياته التي انتشرت قبل عقود طويلة كانتشار النار في هشيم ذاكرة الناس ووجدانهم.

عمل الفنان توفيق النمري ، مثل مؤسسة كاملة ، فقد كان يكتب اغنياته ويلحنها ويغنيها ، ليشيع نوعا من الطرب الاصيل في حياة الناس ، اضافة لبحثه الدائم عن كلمات الاغاني الشعبية التي صورت حياة اهلنا قبل عقود طويلة.

يكاد لا يذكر اسم الفنان توفيق النمري ، الا وذكرت معه الاغنية في عصرها الذهبي ، واستحق بجدارة ان يكون سفيرا للاغنية الاردنية التي ملأت فضاء الاثير ، قبل اكثر من نصف قرن ، من خلال صوت الفنان النمري وزملائه ، او من خلال الحانه وكلماته التي قدمها لنجوم الطرب العربي في تلك الحقبة الفنية الزاهية.

الفنان الذي بدأ يعلن عن صوته منذ عام 1936 ، في اجواء البلدة التي احتضنت مهبته الاولى لم يكن يفكر بالاحتراف ، بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة ، لذلك وجد نفسه موظفا اداريا مع الجيش البريطاني اثناء سنوات الحرب العالمية الثانية ، واضطر للتنقل معهم حيث حلوا في جبهات القتال ، رافضا التنازل عن مرافقة عوده ، حتى في اصعب اللحظات التي فرضتها الحرب القاسية في الصحراء البعيدة عن كل شيء.

في عام 1949 انطلق توفيق النمري فنانا محترفا عبر اثير اذاعة رام الله ، وفي ذلك يقول ان السنوات العشر التي قضاها هناك تظل من اجمل سنوات عمره ، وهي التي انجبت اجمل اغنياته التي احبها الجمهور ورددها ، وبعد ذلك انتقل الى الاذاعة في عمان ، ليصبح توفيق النمري بفضل جده واجتهاده شيخ الفنانين الاردنيين ، الذي يعود له ولمجايليه ، الفضل في تكريس اغنية اردنية ونشرها عربيا.

رغم السنوات التسعين التي يحملها هذا الفنان الاصيل على كاهله ، الا انه يرفض الخلود للراحة ، ويملك القدرة على اشاعة الفرح في محيطه دائما معتمدا على ذاكرة حية تنوء بثقل حشد هائل من الالحان والاغنيات التي يعرف انها كانت تطرب الجيل الذي شهد ولادتها.

مثل قرمية عتيقة ، وسنديانة لا تهرم هي القامة الفنية العالية لفنان كبير ظل اسمه توفيق النمري ، الذي حفر لنفسه مكانة لائقة في الذاكرة والوجدان ، لذلك كان طبيعيا ان تمنحه الجامعة الاردنية شهادة الدكتوراه الفخرية ، نظرا لمكانته الفنية الرفيعة في الحياة الثقافية الاردنية والعربية ، وان يحصل كذلك على وسامي الحسين والاستقلال ، وان يستحق درع البتراء.

مثلما يملك الفنان ذاكرة حية ، وقد جاوز التسعين من عمره ، فإنه يملك بصرا حادا ، ساعده في ممارسة هوايته المفضلة على مدى سنوات عديدة ، وهي تصليح الساعات ، اذ كان الفنان يجد متعة كبيرة ، وهو يعيد ساعته او ساعة احد اصدقائه الى وضعها الطبيعي ، بعد ان يشخص الخلل في ادائها ، وربما ارتبط ذلك عند الفنان الكبير من خلال ادراكه لقيمة الوقت والتزامه بالزمن.

يعرف مكانته جيدا في قلوب الاردنيين ، لذلك لم يجد حرجا قبل سنوات عديدة ، حين وقف امام امين عمان يطالبه باطلاق اسمه على احد شوارع العاصمة ، ليسير فيه وهو حي ، لكن اسم توفيق النمري مؤهل ان يتصدر اسماء العديد من المؤسسات الثقافية والفنية ، بسبب دوره في صياغة الذائقة الفنية لاجيال ظلت عصية على الخراب الذي يغزو بيوتنا هذه الايام ، تحت مسميات عديدة من بينها الاغنية الشبابية ، الذي يرفض النمري الاعتراف بشرعيتها ، في وقت يتساءل فيه عشاق هذا النوع من الاغاني الاصيلة عن سر غيابها عن اثير الاذاعة الذي احتكرته اصوات لا تتقن الا الزعيق.

Date : 10-07-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش