الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أطفئوا ضوء « السيلفي» أوجعتم عيون البؤساء..!!!<br /> لؤ ي طه

تم نشره في الاثنين 31 كانون الثاني / يناير 2000. 02:00 مـساءً

ليس كل ما يُذاع من خبر هو صحيح. وليس كل ما تراه العين هو الحقيقة. هناك أناس يحترفون لعبة الخداع، ويرقصون بمهارة عالية على حبال الكذب. وهناك أناس فارغون لا يملأ عقولهم سوى الفراغ. من كانت خلايا عقله محشوة بالطعام هو حتماً لن يلتقط « سيلفي « إلا لصوره مع الطعام. ومن كانت شرايين غروره لا ترضيها إلا الثياب لن يفكر بشيءٍ إلا بريق الثياب. « السيلفي» مرايا تعكس حقيقة صاحبه/ صاحبته. إن المصيبة الكبرى، ليست بهؤلاء الشريحة من البشر الذين يكثرون من التقاط الصور؛ إنما الكارثة الأعظم بالمتلقي البسيط، الذي يتلقى تلك الصور باهتمام شديد، وبحسرة تجعله يصاب بالكآبة. ويشعر بالفوارق الطبقية. والبعض يتألم لأنه لا يملك حظ صاحب « السيلفي».
المتلقي البسيط وطيب القلب والمحروم من نعيم الحياة. قد لا يدرك الأكاذيب التي يمارسها البعض في صورة « السيلفي» المفبركة، ولا يعرف بأن المكان الذي ألتقط به الصورة ليس بالضرورة أنه حقاً يرتاده، والاكسسوارات التي استخدمها هي إما مستعارة لوقت قصير؛ وكل ما يستعيره الإنسان لوقت قصير يفرح به لبعض الوقت، لكنه يتألم بعد زواله كل الوقت.
حين تُصاب فنانة بهوس السيلفي؛ إذ أنها تلتقط صور لأسخف وأصغر الأشياء، كيف لإنسان عاقل ويملك الوعي والإدراك له أن يحترم مثل هذه الفنانة السطحية التي تشارك الجميع غرفة نومها، أصابع قدمها، فهل بقيّ من شيءٍ أخر تشارك به جمهورها؟ هل علينا أن نتابع ملايين الصور أم كل ما يعنينا هو ما تقدمه من فن؟
إن المتلقي الطيب يشارك في تسطيح الأمور حين يتابعها بشغف، حين يفكر ويحلم ويضيّع وقته كله بمتابعة مثل هذه السخافات وهوس « السيلفي». لا ننكر بأن هناك صور تستحق الوقوف والتأمل لما فيها من عمق ومشهد فني مذهل. ويستفز فيك كل الحواس.
أطفئوا ضوء « السيلفي» لقد أوجعتم عيون البؤساء. قبل أن تجعلوا طائرة الصورة تهبط وهي محمّلة بشتى أنواع الأطعمة والشراب والأطباق الفاخرة. تذكروا بأن لكم أهل وأحبّة لا يمكلون كسرة خبز، قبل أن تلتقط أيها الفنان لنفسك صورة مع سيارتك الفارهة ذات الرقم الباهظ من الدولارات، ليتك تستحي ممن يناموا على الأرصفة بلا أغطية ولا لحاف سوى برودة الرصيف وحرارة الحجر. وأنت أيتها الباذخة والمترفة يا من أعطاك الله النعيم والقدرة على شراء الأثاث الثمين والماركات الأجنبية. ألا تشعرين بأنثى في أول مراهقتها تسكن في خيام اللاجئين تنظر في صورك وتتقطع من ألم الحسرة. أرهقتمونا بكثرة « السيلفي» الطبخ والماكياج، حتى ملابسكم الداخلية لم ينجو منها ضوء السيلفي.
من يملك هذه القابلية والشهوة العارمة، والشهية المفتوحة على ألتقاط مثل هذه التفاصيل الصغيرة هو حتماً يعيش حياة آمنة في وطن آمن لا حرب فيه ولا قتل ولا جوع. ما قيمة الإنسان حين يفقد إحساسه بوجع الآخر؟ كيف يكون فناناً من لا يشعر بألم الجائعين؟ إن السيلفي قد كشف عن حقائق غالبية العرب، وفضح قصورهم الإنساني والعقلي. من خلال الأزمة العربية سقطت الأقنعة وعرف أصحاب المواقع الشهيرة « الفيس « و « انستغرام» وكل مواقع التواصل الاجتماعي كم نحن شعوب ساذجة وقشرية ولا نعرف كيف نحتوي أزمتنا العربية بصدق ومشاعر نبيلة. من خلال الصور والمقاطع تبين للعالم الغربي بأننا لا نستحق العيش الكريم، ونحن مجتمع طبقي، طبقة تعيش الترف حد الفجور، وطبقة مسحوقة تعيش ويلات الحروب حد النوم في القبور. كيف للعالم المتقدم له أن يحترم مشاعر أطفالنا الجياع الذين شردتهم الحرب حين يراقبون ابناء جلدتهم من العرب، كيف يتصرفون بسخف وسطحية : سيلفي وهي تشرب القهوة، سيلفي لعداد السيارة، سيلفي وهي خارجة من الحمام، سيلفي وهي تشوي اللحم، و.. و ... و .. مليون سيلفي بلا معنى ولا يحمل ذرة من الإنسانية والمشاركة الوجدانية. ملايين الصور باتت تعكس الفراغ العربي، والتخلف العربي، ويفضح خارطة العقل العربي الممزقة.
فقط حين تنتهي الحروب الطاحنة، وعندما تصل شعوبكم إلى الحد الأدنى من العيش الكريم ارفعوا أيديكم إلى الأعلى وأشعلوا ضوء « السيلفي» والتقطوا صور لكم وأنتم نائمون وإن شئتم ألتقطوا صورا لأحلامكم..!!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش