الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قصة من القرآن(2)

تم نشره في الخميس 18 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 مـساءً
قصة من القرآن(2)

 

 
: يقول المولى عز وجل _ فى كتابه العزيز :"نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين" ( يوسف - 30). من يتدبر آيات القرآن الكريم يرى أنها اشتملت على قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، مثل قصة آدم ونوح وصالح وإبراهيم عليهم السلام وغيرهم الكثير.والمتتبع لآيات الذكر الحكيم يجد أنها تناولت قصصاً كثيرة منها قصص الأنبياء التي تكررت في أكثر من موضع وذلك لحكمة ولزيادة العبر والعظات وتذكير المؤمن دائما بعاقبة المكذبين من الأمم السابقة ، وليبقى في حالة خشية من الله تعالى وخوف من عذابه. * وفي سلسلة من الحلقات نتوقف مع أشهر القصص في القرآن ، ونلقى الضوء عليها ونبين الحكمة والعظة والعبرة من ذكرها ونسردها بأسلوب شائق هذه القصص. * قصة سيدنا الخضر عليه السلام * إعداد: منى الحسيني



"فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما"

قصة الخضر عليه السلام هى من أعجب قصص القرآن وأعظمها غموضاً ، هى قصة عبد أتاه الله رحمة من عنده وعلمه من لدنه علماً.

إن موسى عليه السلام كليم الله عز وجل وأحد أولى العزم من الرسل ، وصاحب معجزة العصا واليد ، هذا النبى العظيم يتحول فى هذه القمة إلى طالب علم ، ويكون معلمه عبد تجاوز السياق القرآنى عن ذكر اسمه ، وإن حدثتنا السنة أنه هو الخضر عليه السلام. وفى البداية يرفض الخضر صحبة موسى ، يفهمه أنه لن يستطيع معه صبرا ، ثم يوافق على صحبته ، قال له موسى «قال ستجدنى إن شاء الله صابراً ولا أعص لك أمرا.

إن تصرفات الخضر عليه السلام تثير دهشة موسى العميقة. وهناك تصرفات تبدو لموسى بلا معنى ، وبرغم علم موسى ومرتبته فإنه يجد نفسه فى حيرة أمام تصرفات هذا العبد الذى آتاه الله من لدنه علما.

قال الخضر عليه السلام لموسى أن هناك شرطاً يشترطه لقبول أن يصاحبه ويتعلم منه ، وهو ألا يسأل موسى عن شىء حتى يحدثه هو عنه «قال فإن اتبعتني فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا.

وافق موسى على الشرط وانطلقا حتى ركبا فى السفينة ، ولم يكد أصحابها يبتعدون حتى بدأ الخضر يخرق السفينة ، اقتلع لوحا من ألواحها وألقاه فى البحر ، كان التصرف من وجهة نظر موسى شيئاً معيباً ، فاندفع يحدث معلمه وأستاذه وقد نسى شرطه الذى اشترطه عليه. «قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا. وهنا العبد الربانى يلفت نظر موسى إلى أنه لن يستطيع الصبر عليه. فيعتذر موسى بالنسيان.

بعدها يمران على حديقة يلعب فيها صبيان ، حتى إذا تعبوا من اللعب انتحى كل واحد منهم ناحية واستسلم للنعاس ، فوجئ موسى عليه السلام بأن الخضر يقتل غلاماً «فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا ، ويثور موسى عليه السلام سائلاً عن الجريمة التى ارتكبها هذا الصبى ليقتله هكذا ، يعاود العبد الربانى تذكيره بأنه أفهمه أنه لن يستطيع الصبر عليه ، ويعتذر موسى بأنه نسى ولن يعاود الأسئلة ، فيسأله الخضر عليه السلام ماذا لو عاود السؤال ولم يلجأ إلى الصمت كما اتفقا. «قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا ، ويقول له موسى عليه السلام إن سألت مرة أخرى يكون هذا آخر عهدى بمصاحبتك «قال إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت من لدنى عذرا. ويمضى العبد ، ويمضى معه موسى حتى يدخلان قرية بخيلة ، لا يعرف موسى لماذا ذهبا إلى القرية ، ولا يعرف لماذا يبيتان فيها ، نفذ ما معهما من الطعام فاستطعما أهل القرية فأبوا أن يضيفوهما وجاء عليهما المساء ، وأوى الإثنان إلى خلاء فيه جدار يريد أن ينقض ، ويكاد أن يهم بالسقوط ، وفوجئ موسى عليه السلام بأن الرجل العابد ينهض ليقضى الليل كله فى إصلاح الجدار وبنائه من جديد ، يندهش موسى عليه السلام من تصرف رفيقه ومعلمه « فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا ، انتهى الأمر بهذه العبارة ، قال عبد الله لموسى هذا فراق بينى وبينك ، لقد حذر الخضر عليه السلام موسى من مغبة السؤال وأنذره أن يكون السؤال الثالث هو خاتمة اللقاء. ويكشف له السر الذى غمض عليه وحيره ودفعه على الأسئلة ، إن كل تصرفات العبد الربانى التى أثارت موسى وحيرته لم يكن حين فعلها تصدر عن أمره ، وإنما كان ينفذ إرادة عليا ، وكانت لهذه الإرادة العليا حكمتها الخافية ، وكانت التصرفات تتسم بالقسوة الظاهرة بينما تخفى حقيقتها رحمة حانية ، وهكذا تخفى الكوارث. أحياناً فى الدنيا جوهر الرحمة وترتدى النعم ثياب المصائب.

وهكذا بتخافض ظاهر الأمر وباطنه ، ولا يعلم موسى رغم علمه الهائل غير قطرة من علم العبد الربانى من علم الله إلا بمقدار ما يأخذ العصفور الذى يبلل منقاره فى البحر ، من ماء البحر - كشف الخضر لموسى شيئين فى الوقت نفسه:

الشئ الأول أن علم موسى عليه السلام محدود. والشئ الثانى أن كثيراً من المصائب التى تقع على الأرض تخفى فى ردائها الأسود رحمة عظمى وأن أصحاب السفينة سيعتبرون خرق سفينتهم مصيبة جاءتهم بينما هى نعمة تتخفى فى زى المصيبة ، نعمة لن تكشف النقاب عن وجهها إلا بعد أن تنشب الحرب ويصادر الملك كل السفن الموجودة غصباً ثم يفلت هذه السفينة التالفة المعيبة وبذلك يبقى مصدر رزق الأسرة عندهم كما هو ، فلا يموتون جوعاً. « أما السفينة فكانت لمساكين يعملون فى البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا.

وأيضاً سيعتبر والد الطفل المقتول وأمه أن كارثة قد دهمتهما لقتل وحيدهما الصغير البرىء غير أن موته يمثل بالنسبة لهما رحمة عظمى ، فإن الله سيعطيهما بدلاً منه غلاماً يرعاهما فى شيخوختهما ولا يرهقهما طغياناً وكفراً كالغلام المقتول. « وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفراً ہ فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً .

وقص له دخولهما القرية وإصلاح الجدار وبنائه من جديد أن الجدار كان لغلامين يتيمين وكان تحته كنز لهما «وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمرى ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا.

وهكذا أدرك موسى عليه السلام ألا يغتر بعلمه فى الشريعة ، فهناك علم الحقيقة ، وألا يتجهم قلبه لمصائب البشر. فربما تكون يد الرحمة الخالقة تخفى سرها من اللطف والإنقاذ والخير الذى لا يعلمه البشر. هذا هو الدرس الذى تعلمه موسى عليه السلام من هذا العبد المدثر بالخفاء. لقد خرجت شخصية هذا العبد الربانى من ضباب الزمن. وبعد أن مضى العبد اكتشف موسى كليم الله أنه اطلع على بحر جديد من العلم ليس هو بحر الشريعة وإنما هو أمام علم القدر الأعلى.

Date : 18-09-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش