الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حابس المجالي.. الجيش سيبقى.. مؤسسة تكتب الرجال على جبهة الوطن بارودا وألقا

تم نشره في الخميس 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 07:23 مـساءً
الدستور/ محمود كريشان

رَبَّةَ الفرسانِ أَعْطَيتِ الحِمى.. جَيْشاً من الفُرسانِ، والأَعْلامِ!.. ولقد كَفَيْتِ، وقد وَفَيْتِ، فانْ أنا صَّرْتُ في بَوْحي، وشَرْحِ هُيامي.. فلأنَ حابسَ فوق أنْ أَرْثيهِ، أَو.. أبكيهِ، او يكفيهِ كُلُّ كلامي.. ولقد بَدَأتُ أنا القَصيدةَ، فلتكُنْ.. مِنْكَ النهايةُ، يا أباسطام !!
*حيدر محمود
ها نحن نتأهب ونؤدي التحية على الطريقة العسكرية، ونحن ندخل في باب المشير الركن حابس المجالي على سعته وبهائه وفروسيته واستشرافه، لنطالع صبره وكرامته وشجاعته، ونتصفح شيئاً من سجله الطافح بالمواقف والتضحيات والعطاء.. فهو المخلص الذي ما خان لوطنه أمانة، وقد كتب شجاعته بسبطانات البنادق وجبهات القتال في حروب الجيش العربي الأردني الأبي.
نرى صورة الفارس في نعنع ناهض بحاكورة بيت معاني، ودالية عنب سلطية، ورائحة جميد كركي، وعبق شجرة زيتون إربداوية.. وعلى اسوار القدس وابوابها.. ونستنشق شذى عطره، كلما تكحلت عيوننا برؤية البوريه تشمخ فوق رؤوس نشامى قواتنا المسلحة الأردنية الباسلة.
حابس المجالي.. القادم من وهج الخيل وصهيل النصر، عندما كان ملتحفا النار في الخطوط الأمامية للمعارك، والوطن ما زال ينبض في عروقه وكان الحب أردنيا والرتبة على الكتف وردة زرعت على الثرى الطهور، وقد كتب البطولة والشجاعة في دفتر النصر رصاصا اردنيا حارقا، والقسم يعلو بأن الجيش سيبقى.. مؤسسة تكتب الرجال على جبهة الوطن بارودا وألقا.

شارون في قبضة حابس
نتوقف هنا عند محطات عديدة في حياة المجالي العسكرية، ففي معركة اللطرون العام 1948 تمكن قائد الكتيبة الرابعة النقيب حابس المجالي من اسر الارهابي رئيس عصابات صهيون السابق ارئيل شارون الذي هو بنفسه كتب في مذكراته الشخصية انه وقع في اسر الجيش الاردني إبّان حرب العام 1948 هو وجنوده واقتيد الى الاردن حيث أقيم معسكر اعتقال الأسرى اليهود، وتم تبديله بأسير عربي عندما جرى تبادل الأسرى بعد الهدنة الثانية.
وكتب شارون ايضا انه عندما وقعت اتفاقية السلام بين الاردن واسرائيل في وادي عربة، طلب ارئيل شارون لقاء حابس إلا أن الباشا رفض لقاءه استهزاء به وقد ورد على لسان الباشا أنه يجهله حيث قال: لقد أسرت الكثير منهم فكيف يطلب مني أن أتذكره .

بطل الكتيبة الرابحة وقائدها
في معركة اللطرون التي قاد خلالها حابس القوات الأردنية المكونة من (1200) جندي في مواجهة شرسة مع عدد جيد التسليح يصل تعداده إلى (6500) جندي، تمكن القائد الشاب أن يدفع بالقوات الأردنية للتفوق وتحقيق نصر عز نظيره في تلك الحروب، منادياً نشامى الجيش العربي بعبارته الشهيرة: المنية ولا الدنية.. فلحقت بالقوات الإسرائيلية هزيمة نكراء، وقدرت بعض الجهات اليهودية خسائرها بألفي قتيل، وأسر عدد كبير من الإسرائيليين من بينهم رئيس وزراء إسرائيل السابق ارئيل شارون حيث نقل الى الاردن ليسجن في أم النعام شرق المفرق، وكان شارون قائداً في تلك المعركة وكان النقيب حابس المجالي انذاك يفاخر بصمود جيشه وبسالته وقد اهدى نصره للجيوش العربية التي كانت تعاني اخفاقات متتالية.. قلة في العدد والتدريب والعتاد.
لقد كان لصمود الجيش العربي ورمزه الكتيبة الرابعة التي اطلق عليها جلالة -المغفور له بإذن الله- الملك الحسين لقب الكتيبة الرابحة بطولات وتضحيات جعلت أول رئيس وزراء للكيان الإسرائيلي ديفيد بن غوريون العام 1949 يقول أمام الكنيست: لقد خسرنا في معركة باب الواد وحدها امام الجيش الاردني ضعفي قتلانا في الحرب كاملة .. يومها كان اهل القدس يغنون في افراحهم ولسنوات طويلة (حابس حابسهم في الوادي.. حابس وجنوده وتاد) في حين غنى الأردنيون لحابس في اعراسهم: سرية قايدها حابس.. تهش الأخضر واليابس .

مذكراتي هنا
الشق السياسي في حياة حابس المجالي، كان نتيجة فعل وممارسة اكثر من التزام بالمعنى السياسي المحدد. ومن ميزاته السياسية انه كان يعي ضرورة الفصل بين الجندي والسياسي، فالجندي برأيه تابع لصاحب القرار السياسي، والجندية سياج الوطن، وتنفذ قرارات القيادة السياسية ولا تشارك فيها، وما يؤكد ذلك تنظيم الضباط الأحرار في بداية الخمسينيات الذي كان يهدف الى ازاحة القيادة الاجنبية البريطانية من الجيش العربي وكان عقبة على حابس المجالي ان يترأس هذا التنظيم وهذا ما ذكره شاهر ابو شحوت واحمد المعايطة.
رفض حابس العرض وقال لهم: رغم جلال المهمة التي تسعون اليها إلا أننا كجيش ننفذ قرار التعريب حال أن يأمر به جلالة القائد الأعلى الملك الحسين والحكومة .
ولن ننسى الغضب النبيل الذي ارتسم في ذات يوم قبل بضع سنين على وجه الباشا حابس عندما اقترح عليه احدهم ان يكتب مذكراته، فما كان من الباشا إلا أن أشار بيده الى صدره وقال: مذكرات العسكري تبقى هنا.

فروسية الحُب والحرب
وهنا.. فإن الاسطورة اليونانية القديمة ان الذين يُجيدون العشق هم الفرسان فقط ..، حيث استطاع المشير الركن المرحوم حابس المجالي ، ان يضع الحكمة والكلمة في قالب جميل ، قادمة من اصالة تربى عليها في مضارب والده الشيخ رفيفان المجالي ، عندما كان الصفاء الذي يسكن في نفس حابس الطاهرة ، يعكس صورة شاعر غذاؤه الجمال ، وانهمار اللحن في جسد القصيدة ، ليوجز حكاية شهامة وحب عتيق ، بمفردات نقية، وببلاغة شاعر تستهويه المروءة وتستعذبه الرقة ، وتموج في داخله قيم نبيلة، وقد أثرى الموروث الشعبي هنا ، بكم هائل من الاشعار العذبة المغناة ، ولا تزال عالقة في الغناء الشعبي القشيب :
باللّه.. يا نجم يا وضاح
واشرف على إحبيّب القلب وقل له
ترى.. وليفك سهران
ما ينام الليل كله..
اما ربع الكفافي الحُمر ، فقد كانوا حصة العشق الابدي للباشا الشاعر ، حين ابلغ الجنود وزف البشرى إليهم ، بأن النشميات لا يعشقن الجبناء ، ولا تعلو زغاريدهن الا عندما يزغرد الرصاص في بواريد الجيش العربي :
إتخسا يا كوبان ، ما إنتَّ ولف إللّي
ولفي شاري الموت ، لابس عسكري..
وهذا صوت حابس يعطر المكان ، حيا في كتائب الجيش العربي وألويته المظفرة والدماء الزكية منذورة للدفاع عن القدس ابوابها وأسوارها ، يدحرون قطعان جيش الاحتلال الصهيوني ، وحداءهم يشق عنان السماء ، مرددين اهازيج الباشا ، التي تحثهم على الجهاد والشهادة والاستبسال:
راكبْ إللي فوقها رقم الكتيبة
مع طريق القدس جّنكْ ساحبات
فوقها الرشاش والمدفع جنيبه
تصّلى اليهود بضرب الفكرزات
ومن قصائدة ايضاً:
يا هلي يا هلي والعذر ليكم يا هلي
من عركة سويتها ادبة فيها المعتدي
يا بلادي عديتها من كل كافر ملحدي
ايضا ابيات «حداء» قالها المشير حابس باشا لنيل الفرس «حمامة» هدية الامير عبدالله الى ارفيفان باشا المجالي حيث ارتأى الباشا ارفيفان ان يهديها لاحد ابناءه لكن اشترط عليهم وصف الفرس بأبيات من الشعر وفيها قال حابس :
حمامتي حبيتي.. يوم الوغا خيالها
عطية من سيدي.. نعم العطا هدايها
شقراء ذهوب ترجدي.. شفت السبق بوصافها
ياعنقها يحاكي الجدي.. سبحان حظً جابها
مايعتلي سرجها ردي.. ما دمت انا خيالها
الله تنصر سيدي.. ركن العرب وسياجها
ولأن القائد البطل حابس باشا رقيق القلب ، مرهف الحس، وكثيراً ما انساب الشعر على لسانه رقيقاً سلساً، ومن أشعاره ايضا:
يا عيال مين يريحني
ويطرد هوى البيض يومين
وانا هوى البيض سوسحني
سم وسقط بين ضلعيني
دنا القلم وابيض القرطاس
وبخاطري ناظم بيتين
عاللي بهواها سلين الناس
سبع سنين تواليني..

مجمل القول: نتجدث عن المشير الركن حابس المجالي الذي عاش قرابة التسعين عاماً قضاها جندياً مقاتلاً وقائداً شجاعاً ومسؤولاً رفيع المستوى حتى وفاته في 24 نيسان 2001 ونكتب عنه من القلب الى القلب، ونرى صورته البهية يزهو بكوفيته المهدبة بصبر الأردنيات مهوى قلوب الصبايا على بيادر حوران، وسهول مأدبا، ومزارع الأغوار، والساحل المضيء في العقبة.. فهو الفارس الذي لم يعرف المعارك الخاسرة.
رحم الله القائد البطل المشير الركن حابس إرفيفان المجالي وأسكنه فسيح جنانه وحمى الله وطننا الغالي آمنا مستقرا في ظل حبيب الجيش جلالة القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية الباسلة الملك عبدالله الثاني حماه الله.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش