الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خرابيش عرار

تم نشره في الخميس 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 07:30 مـساءً
د. محمد عبدالله القواسمة *

الخرابيش جمع خربوش، وهو أقل شأنًا من الخيمة، يُصنع من الخيش وقطع القماش المهترئة. يقي من الحر، ولكنه لا يصمد أمام المطر والريح. تسكنه في العادة الفئات الفقيرة، وفي الغالب النور أو الزط، فنراهم وخاصة في فصل الصيف يتنقلون من مكان إلى آخر يحملون خرابيشهم وينصبونها في أي مكان يروق لهم في أطراف المدن والوديان. ويتصف النور بالفرح وحب الحياة .
هذه الخرابيش ومن يعيش فيها من بشر، وما تمثله من حياة بسيطة، لم تعكرها أساليب الحضارة الحديثة تتحول إلى رموز خصبة في ديوان «عشيات وادي اليابس» للشاعر مصطفى وهبي التل (1899-1949) الملقب بعرار تشبها بالشاعر الأموي عرار بن عمرو بن شأس الأسدي الذي كان يتمثل بالقول:
أرادت عرارًا بالهوان ومن يُرد
عرارًا لعمري بالهوان فقد ظلم.
تغدو الخرابيش في ديوان عرار رمزًا للطمأنينة والأمن. يجد فيها الشاعر مكانًا تسود فيه العدالة والمساواة التي افتقدها في مجتمع المدينة؛ لهذا يلتجأ إليها، ويرى سكانها النور، وهم الفقراء المهمشون قومًا كرماء بسطاء، متواضعين، قانعين بحياتهم، لا فوارق طبقية بينهم.
بين الخرابيش لا حرص ولا طمع
ولا احتراب على فلس ودينـار
بين الخرابيش لا مـال ولا نسب
ولا احتراب على حرص وإيثار
ولا هيــام بألقـاب وأوسمــة
ولا ارتفاع ولا خفض بأقـدار
الكـل زط مســاواة محققــة
تنفي الفوارق بين الجار والجار.
لقد سئم الشاعر الحياة التي عايشها قبل أن يتعرف إلى هؤلاء؛ فقد عانى عذاب السجن والنفي في وطنه. يقول:
فمن سجن إلى منفى
ومن منفى إلى غربة
ومن كر إلى فر
ومن بلوى إلى رهبة
فبي من كل معركة
أثرت لجامها ندبة.
إنه يحس نفسه وكأنه بين إخوانه الصعاليك، ساكني الخرابيش.
إن الصعاليك مثلي مفلسون
لمثل هذا الزمان الزفت خبوني.
لا يكتفي الشاعر بأن يحمّل خرابيشه معاني الحرية والعدالة والأمن بل يحمّلها معاني الحب أيضًا، حب المرأة، وخصوصاً المرأة التي تنتسب إلى النور، فهي حسبه في الدنيا، بجانب النخيل والصحراء.
فحسبي بالنخيل الباسق الفينان جيرانا
وبالنورية الحسناء والصحراء ندمانا.
ثم إن على الناس أن يتركوه مع حبيبته بين الخرابيش، فلا شأن لهم بهذا الحب:
ماذا على الناس من حبي مكحلة
بين الخرابيش أهواها وتهواني.
والنوع الآخر من الحب الذي ترمز إليه الخرابيش، حب الحياة بما فيها من مرح وانطلاق، وبخاصة لمن أصبح مثله بلا وطن ولا أهل، فنراه يخاطب شيخ النور وزعيمهم المسمى « الهبر» بأن يأتيه بالربابة، أداة الطرب والفرح:
يا هبر هات لي الربابة وانطلق
بي من حيث قومك أسهلوا أم أصحروا
أنا مثلكم أصبحت لا أرض ولا
أهل ولا دار ولا لي معشر.
كما تبدو الخرابيش وسيلة عند الشاعر للتعبير عن احتجاجه على ما في المجتمع من مفاسد وشرور، والتمرد على الأعراف والتقاليد، حتى على قواعد اللغة والصياغة الصارمة فهي قيود لا ضرورة لها لـ
أن الحياة لها قواعد غير متن الخزرجية
فإن معرفة سحر شفاه لمياء التي تقطن في خرابيش وادي السير خير من معرفة كل بلاغة السكاكي وقواعد الفراهيدي الشعرية:
فجودة السبك في الأقلام موهبة
ورائع النظم كالتنزيل إيحاء
يا شيخ ما العلم حسب المرء
معرفة إن الشفاه بوادي السير لمياء.
هكذا، نرى أن الخرابيش عند شاعرنا عرار ليست مجرد قطع قماش وخرق بالية تُنصب على شكل خيمة، يستظل بها الفقراء والمشردون بل هي كلمة تتكاثف فيها معاني الحرية، والعدل، والمساواة، والتواضع، والحب. إنها نمط حياة رغب الشاعر في أن يعايشها بعمق، فكانت منبعًا مهمًا من منابع شعره.

* روائي وناقد من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش