الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حبش : تداعيات «11» أيلول وفرت للأشرار ذرائع ممارسة الأوهام النازية

تم نشره في الأربعاء 26 أيار / مايو 2010. 03:00 مـساءً
حبش : تداعيات «11» أيلول وفرت للأشرار ذرائع ممارسة الأوهام النازية

 

أجرى الحوار : جمال العلوي



المفكر الاسلامي والداعية الدكتور محمد حبش عضو مجلس الشعب السوري الباحث والدارس في الفكر الاسلامي له عدد كبير من المؤلفات الفكرية في مختلف العلوم الاسلامية وصاحب رؤية اسلامية تحمل التجديد والفكر المستنير نحاوره في مرحلة تمر بها الأمة الاسلامية والعربية في مرحلة الموات الفكري وغياب الرؤية الواضحة.

وفيما يلي نص الحوار:

الدستور: كيف تنظرون لأحوال العالم الإسلامي؟.

د.حبش: يشهد العالم اليوم اهتماماً متزايداً بالإسلام ولكن للأسف فإن هذا الاهتمام ليس بدوافع إيجابية ، وإنما هو بدوافع سلبية موتورة بعد سلسلة من المواجهات الطائشة بين الإسلام والغرب عادت على الفريقين بابشع الخسائر وأفدحها.

وقد شهد مطلع القرن الجديد تغيرات كبيرة في العالم كان أولها إنجازا إسلاميا كبيرا على مستوى الحوار العالمي إذ تمكن الاعتدال الإسلامي من تسجيل انتصار معنوي كبير حين نجحت منظمة المؤتمر الإسلامي في إقناع هيئة الأمم المتحدة بتبني حوار الحضارات ، وقامت الأمم المتحدة بتسمية عام 2001 عام حوار الحضارات ، على أساس أن الإسلام هو دين الحوار والتسامح ، وكان ذلك جواباً بليغاً لدعاوى الصقور من المنظرين الأمريكيين الذين راهنوا على صدام الحضارات ، على أساس أن الإسلام رسالة انقلابية لا تؤمن بالآخر وتعمل على إلغائه ، وصمتت لمدة تسعة أشهر صيحات الكراهية ضد المسلمين بعد أن تلقت صفعة معنوية ، كانت تتأكد كلما عُقدت ندوة أو مؤتمر عن حوار الحضارات وتحدث الناس فيهما عن المنطق الإسلامي للحوار والإخاء.

وأضاف .. لكن ذلك الإنجاز بالطبع تم نسفه بالكامل في الساعة التاسعة صباحاً من يوم الحادي عشر من أيلول يوم انطلقت عملية رهيبة ، مجنونة المقاصد ، لواحة للبشر عليها تسعة عشر لم تبق ولم تذر ، وجعلت الحوار الذي كان العالم ماضياً إليه محض أوهام من مكر الضعفاء ، وارتفعت عقيرة عرابي الشر ، وتأكد للعالم أن "صمويل هنتغتون" والنفاثين معه في العقد كانوا أكثر بصيرة بطبيعة الصراع العالمي ، وانطلق العالم في حرب مجنونة جديدة ضربت مباشرة في أفقر بلد في العالم بفؤوس أسلحة الدمار الشامل على رأس الشعب المسكين الذي كان ينتظر قطار التنمية والإغاثة ، فأتاه عارضاً مستقبل أوديته بالويل والثبور وعظائم الأمور في مشهد يحمل كل ما توارثه البشر من كراهية وحقد محمولاً بأرقى ما أنتجه الإنسان من مراكب التكنولوجيا ، ودكت المشافي والمساجد والمدارس في إطار الحرب على الإرهاب صارخة في البرية بقدوم إرهاب جديد ، يهلك الحرث والنسل ، إرهاب تصنعه الدول الكبرى ودهاقنتها الذين لا يسألون عما كانوا يفعلون.

الدستور": ما هو السبيل للخروج من الأزمات الحالية؟..

د.حبش: لم يعد بالإمكان اليوم أن نتحدث عن كانتون مغلق يأوي إليه المسلم ، بحيث يعتصم من رياح الفتن ، ولم تعد ثمة بيئات تحتمل ثقافة الكهوف ، ولا يمكن أن نتحدث عن منطق: الزم بيتك وانتظر الساعة ، ولو أن تعض بأصل شجرة ، إذ لم يعد لزوم البيت وانتظار الساعة يغير من تأثير العولمة الطاغي بعد أن أصبح قطار العولمة يمر في المدن والقرى والأرياف والفيافي ، ويقتحم الحجرات على ساكنيها ، ويقدم لك في حجرة النوم رؤيته الصارخة لنمط الحياة الغربي وفق رؤية فوكوياما في النموذج الغربي للحياة على أنه نهاية التاريخ.

وهكذا يبدو أنه لا خيار للأمة الإسلامية من مواجهة الحقيقة الجديدة ، حيث أصبحت المواجهة حتماً قاهراً وفرضاً لازماً ، ولا بد من اقتحام الحوار والمشاركة في تفاعل الثقافات على أساس التشارك والتساوي والتكافؤ وليس على أساس التعالي والتفرد ، ولا على أساس الاستنساخ أو الاجتزاء. الدستور: ماهي برأيكم أسس نهضة الأمة المطلوب القيام بها؟

د.حبش: على الرغم مما كتبه النقاد في مئات الدراسات المختلفة فإنه يمكن تلخيص أمراضنا التي نعاني منها في العالم الإسلامي بكلمة واحدة وهي التخلف،، نحن متخلفون ، قراءتنا لتاريخنا محكومة بأمراض التخلف ، قراءتنا للمستقبل مسكونة بهاجس التخلف ، وعينا السياسي مسكون بهاجس التخلف ، إننا مسكونون بالنزوع إلى الماضي (المقدس) ، قدسناه وفق ما أخبر القرآن الكريم بوضوح: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ، قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون.

قداسة الماضي وهم جعل الرجعية العربية تخوض صراعاً دامياً ضد الطليعة المسلمة حول الرسول الكريم من أجل الدفاع عن ماضيها إنه شيء يشب عليه الصغير ويشيب عليه الكبير ، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ، يقاتلون دفاعاً عن الماضي على الرغم مما فيه من تناقضات صارخة ، وهي عقدة لا نزال نعيش فيها في وعينا الجمعي ، وقد نكون نحن العرب الأمة الوحيدة في العالم التي تعتقد أن الناس كانوا قبل ألف عام أكثر وعياً ومعرفة واطلاعاً وحكمة وفهماً،،.

الدستور: الإرهاب مدرسة سائدة في الغرب وهناك من يحمّل الإسلام مسؤولية الإرهاب. كيف تنظرون إلى ذلك؟.

د.حبش: طبع الإرهاب صورة النزاعات البشرية خلال التاريخ ، ولكن يمكن القول بأمانة إنه لم يكن تهمة توجه إلى الإسلام ، ففي العقود الثمانية من القرن الماضي كان الإرهاب يستوطن في أمصار كثيرة ليس من بينها العالم الإسلامي ، فقد ظهر في أوروبا خلال الحربين العالميتين بشكل سافر ، كما أشعلها الأوروبيون بشكل خاص في البلاد المستعمرة في أفريقيا وأفرزت سلسلة من المحارق والهولوكوست والمجازر تنقلت بين العواصم الأوروبية ، ونتح عنها نحو تسعين مليون قتيل ومعاق ولم يكن المسلمون في أي من هذه الجرائم جناة ولا ضحايا ، ولم يكن هناك أيُّ اتهام للإسلام بأنه دين يقوم على العنف إلا في إطار ضيق ومحدود.

وبرأيي لم تبدأ الإشارة إلى ربط الإرهاب بالنشاط الإسلامي إلا بعد احتلال الروس لأفغانستان وما تلى ذلك من صراعات مسلحة في إيران والعراق والصومال والجزائر وفلسطين ولبنان. وأعتقد أن الفلسفة الغربية توفر الذرائع الواسعة لأعمال الإرهاب من خلال فلسفة داروين التي لا ترى في الإنسان إلا نمطاً بيولوجياً عادياً في سياق ما يجري على الأرض من تدافع بهدف حب البقاء ، حيث أعاد داروين لصق الإنسان بزملائه البيولوجيين في الطبيعة ، بحيث يمضي في سياق صراع البقاء الذي لا ينتهي ، حوتاً أو سمكة ، ذئباً أو حملاً ، أفعى أو حمامة ، أو إنساناً غالباً وإنساناً مغلوباً ، يأكل أو يؤكل ، يقتل أو يقتل ، فكما قامت الطبيعة على منطق أن يأكل الحوت السمكة والذئب الحمل والأفعى الفراخ فلا بأس أن يقوم الإنسان أيضاً بالدور نفسه وفق سياق الطبيعة الصارم ، ولا داعي للدهشة في ما يشعله من حروب ويسحقه من جثث فهذا سياق الطبيعة ، وإن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر،،. أما القراءة السياسية لفلسفة داريوين فقد قدمها الفيلسوف الألماني نيتشه ومنح الاستبداد الغربي ذرائعه كافة لممارسة فلسفة القوة والبطش ، وقال بوضوح: اسحق الضعفاء اقهرهم اصعد فوق جثثهم، لن يستطيع الإنسان الجديد بناء الحضارة إلى بعد أن يتخلص من الضعفاء،، وإن أفضل شيء نفعله للضعفاء والفقراء أن نوفر لهم موتاً كريماً سريعاً لا يعيق الإنسان السوبرمان في نموه الحضاري،،،.

أعتقد أنك تصدقني في رواية فلسفة بطش كهذه ولكنني حريص أن تقرأ نيتشه من مصادره وأن تعلم أنه كان في ضمائر المستعمرين الأوروبيين والنازيين والفاشست والصهاينة وهم يمارسون أبشع المجازر في تاريخ الإنسانية على أساس من فلسفة محكمة متينة تستند إلى قانون بيولوجي صارم لا مكان فيه أبداً للعواطف ولا للدين.

وبعيداً عن الأفق الفلسفي فإن تداعيات الحادي عشر من أيلول وفرت للأشرار الذرائع الكافية لممارسة الأوهام النازية العنصرية ، وهو ما رأيناه بشكل مرعب خلال حرب أمريكا على العراق والصومال وأفغانستان ، عقيدتي أن ليس من حق بشر أن يقتل بشراً ، ومن قتل نفساً كأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ، إنها الروح بكل تفاصيلها هبة الله لابن آدم وهو مؤتمن عليها ، جسده كما روحه كما إشراقه ، كل ذلك عطاء من الله لا يحق لأحد أن يغيبه من الوجود.

الدستور: تحدثت اكثر من مرة عن درجات الجهاد وسبله ماهي هذه المفاهيم؟. د.حبش: في مراجعة سريعة لآيات الجهاد فإنه يمكنك أن ترى نحو سبعة عشر مستوى من الآيات القرآنية التي تتحدث عن الجهاد ، وهي آيات تبدأ من مثل قول الله تعالى: قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام ألله ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون ثم ترد آيات كثيرة تنهى عن القتال كقوله تعالى: ولا تطع الكافرين والمنافقين ، وقوله تعالى: فاعف عنهم واصفح ، وفي آية أخرى فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ، وثم يرتقي الأمر إلى حد الإذن بالمواجهة كما في قوله تعالى: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ، ويرتفع إلى حد الإذن برد العدوان فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ، وكذلك قوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله ، ثم تأتي آيات بينات في صريح الأمر بالقتال ضد المعتدين كما في سورة البقرة: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ، ويزداد الأمر وضوحاً حتى يؤمر النبي بالقتال والتحريض عليه كما في قوله تعالى: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً.

ولكن هذا الأمر الإلهي يأخذ أبعاداً أخرى حين يأمر القرآن الكريم بصريح العبارة بالقتال ضد الكافرين والمشركين حيث يقول الله سبحانه: انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ، وبعد ذلك تنزل آيات شديدة في حق المتقاعسين عن القتال: وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ، ويؤمر المسلمون بقتال المشركين كافة: وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين.

وفي آيات أكثر وضوحاً يرد الأمر الإلهي بالنص: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ، وكذلك في قوله تعالى: فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها.

واضاف د. حبش ، تكمن المشكلة في أنه وبهذا المعنى فإن هذه الآيات تبدو ناسخة لكل ما تقدمها من نصوص القرآن الكريم ، ولا مكان بعد ذلك لآيات الرحمة والسلام والمحبة بعد أن فرض الله على المسلمين جهاد المشركين كافة.

والحقيقة أن القول بالنسخ في هذه الآيات لا يمكن قبوله ، ذلك أن القول بالنسخ عقلاً وشرعاً يشترط شروطاً ثلاثة وهي أن يتعذر الجمع بين النصين وأن يكون الناسخ في قوة المنسوخ أو أقوى وأن يعلم المتقدم والمتأخر ، وفي هذه الآيات الكريمة فلا وجه للقول بالنسخ لأن الجمع بين النصوص ممكن ، ويجب قراءة كل نص في سياقه فلكل حديث سبب ورود كما في القرآن الكريم أسباب نزول ، وقد بسط العلماء القول في ذلك.

غاية الأمر أن آيات الجهاد باقية محكمة ومكانها ساحة المعركة ، ولا يوجد أي سبب للقول بأن هذه الآيات ناسخة أو منسوخة ، فحيث نقرأ الأمر بالغفران عن الذين لا يرجون أيام الله من الكافرين فالمقصود هم أولئك الذين لم يحاربوننا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا ولم يظاهروا على إخراجنا تماماً كما أخبر القرآن الكريم: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الفاسقون.

وهكذا فإن آيات الجهاد محكمة متينة ولا وجه للقول بإلغاء أي منها بل المقصود أن ندرك المكان والزمان الذي ينبغي أن نمارس فيه القتال ، وهو مواجهة العدو المحارب ، وليس مجرد الاختلاف في الرأي أو الدين أوالعقيدة.

الدستور: هناك مفاهيم ومقالات في مجال المصطلحات الاسلامية تدفع نحو بروز تيارات متشددة تقوم على قراءة محددة للجهاد ، ما هو رأيكم؟.

الفقهاء يقسمون الجهاد وفق أدلة الشرع إلى نوعين: جهاد الدفع وجهاد الطلب ، فجهاد الدفع هو الدفاع عن المقاصد الخمسة من الدين والنفس والعرض والعقل والمال ، وهذا اللون من الجهاد تدركه اليوم الأنظمة الحديثة على اختلافها وفي كل دولة في العالم وزارة دفاع معنية ومسؤولة عن جهاد الدفع لحماية الأوطان والإنسان ورد كيد الطغيان وهو أمر لا خلاف فيه ولا مزيد عليه.

أما جهاد الطلب وهو ما يتمسك به عادة دعاة الصدام مع العالم فيتم تفسيره عادة على أنه قتال الناس لإدخالهم في الدين الحق ، ويستند ذلك التعريف مباشرة إلى ما نقله الفقيه الحنبلي ابن قدامة من أن الجهاد هو قتال الناس لإدخالهم في الدين الحق ، ومقتضى ذلك فإن من رسالة الجهاد أن يطارد غير المسلمين لإجبارهم على الإسلام ، ولا يشير هؤلاء إلى الخيارات الثلاثة المعروفة من الإسلام أو الجزية أو السيف على أساس أن الدعوة قد بلغت الناس ولا حجة لأحد في الإعراض عن الإسلام وأما الجزية فهي خاصة بالنصارى واليهود من غير العرب ، أما العرب فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف ، وهذه أهم بعض النصوص التي يستندون إليها الذي يوجب قتال الناس لإدخالهم في الإسلام: قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أويسلمون ، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واتقوا الله ، قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

والحق أن هذا الفهم غير مقبول على الإطلاق وهو يتناقض تناقضاً حاداً مع قيم الإسلام الكبرى في العدل والرحمة والإحسان ويتناقض مباشرة مع قول الله عز وجل لا إكراه في الدين ، وقوله: أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وقوله فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر ، وقوله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، وغيرها من النصوص التي تدعوا إلى الإيمان بالحكمة والموعظة الحسنة وتكل أمر الحساب إلى الله سبحانه في الدار الآخرة.

واضاف د. حبش.. في الواقع فإن قراءة واعية لسنة الرسول الكريم تكشف لك الموضع الذي تعثر فيه هؤلاء وانحرفوا عن السياق الصحيح للوعي الإسلامي بالرسالة الخاتمة ، فقد كان الرسول الكريم يرسل دعاته في الآفاق ليقوموا بواجب الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، ولكن ذلك كان يصطدم مباشرة بمواقف أعداء الإسلام الذين كانوا يحرمون على الناس مخالفة الملوك في الدين فالناس على دين ملوكها ، وهذا ما قام به كسرى والحارث الغساني حين قاماً بقتل رسول النبي الكريم على الرغم من أن الرسل لا تقتل ، بل على مستوى الجزيرة العربية فإن عدداً من قوافل الدعوة قتلوا بالكامل على يد القراصنة واللصوص والصعاليك ، ففي يوم الرجيع قتل الدعاة الثمانية الذين أرسلهم النبي الكريم على يد أشرار من العرب وفي يوم بئر معونة أرسل النبي الكريم ثمانية وثلاثين من خيار الصحابة ولكنهم قتلوا عن بكرة أبيهم على يد عضل والقارة وما نجا إلا عمرو بن أمية الضمري الذي تظاهر أنه بين الأموات ، وأمام هذا الواقع فمن المنطقي أن يكون لقوافل الدعاة قوة تحميها من الحرس والجند وهذا بالضبط ما حصل حين توجهت جيوش الفتح مع الدعاة الذين كانوا يصدون عن أداء رسالتهم وتمكنوا من توفير الحماية الكافية للدعاة والمهتدين الجدد الذين كانوا يستظلون بهم في رحلة الدعوة والهداية.

وبين ان هذه الحقائق تغيرت تماماً مع الزمن ولم يعد يحال بين الناس وبين أديانهم التي يريدون ، وأجمعت شعوب الأرض على مواثيق حازمة تحمي حرية التدين ، واليوم يتحرك الدعاة في القارات الخمس ، ليبلغوا رسالة الله ، ويمنحون الفيزا من الدول المختلفة للدخول وفق شروط مقدور عليها ، وتبنى المساجد في كل مكان في العالم ، ويمكن لأي منظمة أن تستأجر ما شاءت من العقارات والفنادق والقاعات لإقامة الشعائر الإسلامية في كل مكان في الأرض ، ولهذا الأمر بالطبع استثناءات ولكنها محدودة ولا تغير شيئاً من طبيعة الحرية الممنوحة اليوم للدعاة والمبشرين المسيحيين على السواء على الأقل في الدول الديمقراطية في أوروبا وأمريكا وأفريقيا للتبشير بالإسلام ، ولا يوجد أي سبب ليكون برفقة كل داعية بندقية لإقناع الناس أو لحماية الدعاة ، فحماية الدعاة هنا لا تتم ببنادق المجاهدين بل تتم باحترام الأنظمة والقوانين السائدة في بلدان العالم المختلفة والتي توفر للزائر حق النشاط الثقافي والديني والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

وحتى لا نتورط بالتعميم فهذا على الأقل هو شكل الدعوة الإسلامية في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وهي أكبر دول العالم الحر اليوم وفي كل هذه البلاد دعاة وواعظون ومرشدون يعملون في ظل حماية الدول التي هم فيها ، ويستخدمون المساجد والجامعات والإذاعات والمحطات التلفزيونية والصحافة ويطبعون الكتب ومنهم من يحمل جنسية البلد التي هو فيها ومنهم من هو سوري أو سعودي أو أردني أو مصري يعمل وفق أنظمة هذه البلدان ولا يمكن القول إن أحداً منهم أجبر على دين غير دينه أو منع من نشر رسالته وفق القوانين التي تحكم تلك البلدان في الإقامة والعمل.

د.حبش: التكفير تيار ظهر في الأمة منذ عهد النبوة ، وقد واجه النبي الكريم نفسه طلائع هؤلاء التكفيريين ، وسبق إلى التحذير منهم بقوله لذي الخويصرة التميمي سيخرج من ضئضئ هذا أقوام أحداث الأسنان سفهاء الأحلام لا يجاوز إيمان أحدهم ترقوته يقولون بقول خير البرية ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

وحين ظهر التشدد في الأمة لم يبال المتشددون في إراقة دم المسلم وهدر دمه ، ودفع خيار الصحابة حياتهم ثمناً لمواجهة هذا الفهم السقيم للجهاد الذي تبناه المتشددون ، وقدمت الأمة في عصر الرشد خليفتين اثنين ضحايا التطرف والإرهاب ، وهما صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفتاه وصهراه عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب عليهما رضوان الله.

فقد استشهد عثمان رضي الله عنه على يد طائفة يزعمون أنهم مسلمون وقد اندفعوا في ارتكاب جريمتهم بعد أن أفتاهم المنحرفون اقتلوا نعثلاً فقد كفر ، أما علي بن أبي طالب فقد قتله عبد الرحمن بن ملجم الخوارجي بسيف لئيم غادر وهو يقول اللهم تقبل مني جهادي ، فإنني ما قتلته إلا فيك وفي سبيلك،،.

إن ما عرفته الأمة المسلمة في عصر الفتنة الأولى هو نفسه ما نكابده اليوم من خلال انتشار التشدد الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ما يفرض على قادة الأمة البحث عن الأدلة الشرعية التي تحدد فقه الجهاد وتميز بين مسؤولية المسلم في الجهاد ومسؤوليته في اجتناب الفتنة ، فإن الإسلام الذي أمر بسل السيف ساعة الجهاد أمرك بكسر السيف يوم الفتنة ، وهذا ما يدعونا لدراسة الأمر على وفق الأدلة الشرعية المحكمة ، وهو ما آمل أن تؤديه هذه الورقة.

نحن نعلم أن هؤلاء التكفيريين لا يقرؤون ما نكتبه في الصحافة العربية والإسلامية ولكننا نأمل أن ينتبهوا إلى وصايا الرسول الأعظم في حرمة دم المسلم ، ونحن ننتمي إلى دين يقول فيه الله تعالى: ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً. الدستور:.لكم قراءة ورأي في مجال اللباس الشرعي. ما هو رأيكم بالحجاب الاسلامي؟. وهل هو مفروض على المرأة المسلمة؟.

د.حبش: الحجاب أدب إسلامي رائع ، وهو جمال للمرأة المسلمة ، وقد اختلفت أقوال الفقهاء في تحديده على أقوال كثيرة جمعتها في كتابين من كتبي الأول: المرأة بين الشريعة والحياة والثاني المرأة بين قول الله وشرح الشارح ، وأوردت فيهما اثنين وعشرين استثناءً للفقهاء الأئمة في رفع الحرج عن النساء بعضها ورد نصاً في الكتاب العزيز كرفع الحرج مع المحارم وغير ذوي الإربة والطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ، ، وبعضها ورد في السنة الصحيحة ، وبعضها كان اجتهاداً محضاً من الفقهاء الكرام وكله في باب رفع الحرج عن الناس والتزام ما أمر الله به من يسر خير ، ولكنني لست متحمساً لفتح مساجلات ومناظرات ومناكفات لدفع الأمة باتجاه زي محدد ، وأنا لا أرى أن معركتنا مع الأزياء ، إن معركتنا مع التخلف بكل صوره وإشكاله ، ولم يذكر السفور في باب الكبائر وإنما ذكر دوماً في باب الصغائر ، طبعاً نتحدث هنا عن السفور وليس عن التهتك والإغواء والإغراء وهي فتن كاملة من حق الأمة أن تواجهها بالأسلوب الذي يحقق العفاف الاجتماعي.

وإن الفقهاء خلال التاريخ كله لم ينصوا على حد شرعي لمعاقبة السافرات وإرغامهن على الحجاب ، وهذا الخيار المتشدد الذي يطبق اليوم في بعض الدول الاسلامية وبدوافع غير متطابقة على الإطلاق ، لا يعكس برأيي أولوية لبناء المجتمع الإسلامي وأعتقد أنه يكفي في البلدان الإسلامية تطبيق قانون الحشمة بما يقره أولو الأمر في كل بلد إسلامي بحيث نقف في وجه الانحلال والتهتك والإغواء ، أما خيار المرأة في وضع الخمار على الرأس فهو مسالة تخصها بالمقام الأول ، ومكان الحديث عنها هو فقط في قاعات الوعظ والإرشاد ولا ينبغي أبداً أن تفرض عبر مؤيدات القانون الجزائية.

أما دراسة المسألة من الجانب الفقهي فقد قدمت الأدلة الشرعية الكثيرة على أن الحجاب ليس ركناً من أركان الدين كالصلاة والصيام والحج ، وقد اكتفت أدلة الشرع من قرآن وسنة صحيحة بدعوة المرأة إلى العفاف والطهارة ، وورد النهي الشديد عن التبرج والتهتك والإغواء ولم يرد نص صحيح في عقاب من لم تضع على رأسها الخمار.

التاريخ : 26-05-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش