الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الدستور» تحتفي بمعركة الكرامة وسط جمهور غفير

تم نشره في الاثنين 22 آذار / مارس 2010. 02:00 مـساءً
«الدستور» تحتفي بمعركة الكرامة وسط جمهور غفير

 

عمان - الدستور

احتفاء بذكرى معركة الكرامة الخالدة ، وترسيخا لمعانيها البطولية في أذهان الأجيال ، استضاف منتدى الدستور أمس رئيس الوزراء الأسبق الدكتور معروف البخيت والفريق المتقاعد فاضل علي فهيد والأستاذ الشاعر حيدر محمود ، لتناول بعض آثار المناسبة المجيدة.

وقال البخيت في كلمته ان معركة الكرامة الخالدة أعادت الثقة بالنفس للجيش العربي ، كما اعادت ثقة الشعوب العربية بجيوشها وشكلت اول اختراق تاريخي للصراع العربي الاسرائيلي بعد ان تبين ان هزيمة العرب في حزيران 1967 كانت لاسباب سياسية اعلامية ولم تكن لاسباب عسكرية.

وأكد ان الاردن وبعد اثنين واربعين عاما على المعركة الخالدة اكثر قوة ومنعة من اي وقت مضى وهو اليوم قادر على تحقيق ما حققه في ظروف اصعب وشروط اكثر قسوه فالغى كل المؤامرات التي دفعت باتجاه ان يكون الحل النهائي على حسابه.

وقال ان الاردن اليوم وبقيادة الملك عبدالله الثاني يتجاوز منطق الجغرافيا السياسية واحكام الامكانات والموارد ويعتمد لغة الارادة والعزيمة والاصرار على صون الهوية الواضحة وحماية استقراره ومصالحه العليا.

من جانبه ، استعرض الفريق المتقاعد فاضل علي فهيد مجريات العمليات القتالية في الكرامة ، مستشهدا بما بذله الاردنيون من شجاعة وتصميم على تحقيق النصر ورد العدوان ودحر قوات العدو ومنعه من تحقيق اهدافه.

وقال فهيد ، الذي كان أحد جرحى تلك المعركة الخالدة ، ان الجيش العربي الاردني لم يعط قبل الكرامة الفرصة للقتال في ظروف يتوفر فيها بعض التكافؤ ، وان ما حققه الجيش يوم الكرامة يعتبر اسطورة ومعجزة بالمقاييس العسكرية.

وأتحف الشاعر الكبير حيدر محمود الحضور بعدد من القصائد الوطنية التي تغنت بالوطن وقيادته وتناولت نصر الاردن الخالد في يوم الكرامة المجيد.

وكان الاحتفال بدئ بالسلام الملكي ، وشاهد الحضور فيلما وثائقيا حول معركة الكرامة من انتاج ادارة الاعلام والاتصال في الديوان الملكي الهاشمي العامر.

وكان رئيس التحرير المسؤول الأستاذ محمد حسن التل بدا الحديث بالترحيب بضيوف "الدستور" والحضور ، لافتا الى ان يوم الكرامة ليس ككل الأيام في تاريخ الاردن والامة ، حيث كان التاريخ منشغلا بهذا الحًمى الهاشمي ، وسجل بحروف من ذهب ، سيرة ملحمة عظيمة خاضها جيشنا العربي ، ضد عدو مغرور غادر غاشم ، لا يردعه خلق ولا إيمان ، وسط حالة هزيمة شاملة ، كانت تجتاح الأمة من المحيط إلى الخليج.

وأضاف ان مسيرة النصر مستمرة في ركاب جيشنا العربي ، على كل الجبهات ، وعلى كل الأرض العربية ، ويتجاوز ذلك إلى بقاع الدنيا كلها ، حيث يحفظ السلام للخائفين ، ويؤمن المرعوبين ، فيحوز على سمعة حلقت في الخافقين ، وتؤول الراية إلى أبي الحسين.. عبدالله الثاني ، الملك المعزز: فيقبض عليها بحزم وعزم لا يلينان ، وتمضي المسيرة نحو العلا بخطى أسرع ، وبإيقاع تحدثت عنه الدنيا ، وفيما يلي نص كلمته...

رئيس التحرير المسؤول

بسم الله أعظم الأسماء...

والصّلاة والسلام على أشرف من أشرقت عليه شمس الله تعالى منذ الأزل إلى يوم الدين ، سيدنا محمد النبي العربي الهاشمي الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فإنني أحييكم في هذا المساء المعطر بأريج النصر والفخر والشهادة.

أصحاب دولة ومعالي وعطوفة وحضورا كريما: هذا اليوم ، ليس ككل الأيام في تاريخ الاردن والامة ، فبمثل هذا اليوم ، قبل اثنين وأربعين عاماً ، كان التاريخ منشغلا هنا ، كان منشغلا بهذا الحًمى الهاشمي ، حيث سجل بحروف من ذهب ، سيرة ملحمة عظيمة خاضها جيشنا العربي ، ضد عدو مغرور غادر غاشم ، لا يردعه خلق ولا إيمان ، وسط حالة هزيمة شاملة ، كانت تجتاح الأمة من المحيط إلى الخليج ، ففي فجر ذلك اليوم العظيم ، كانت الأمة كلها على موعد مع النصر ، على أيدي جنودنا الأردنيين البواسل ، الذين حفروا نصرهم في صدر التاريخ بدمائهم الحارة الزكية ، ولقنوا الدنيا كلها درس الثبات عند الشدائد العظام ، وكانوا لتوهم قد خرجوا من معركة فرضت عليهم ، فظلموا بها ظلما كبيرا.

وعندما نادى الحسين في ذلك الفجر ، وهو متزنر بالشهادة: "الله أكبر.. المنية ولا الدنية.. يا خيل الله اركبي" ، كانت مدفعية جيشنا العربي تهدر من على جبال البلقاء الأبية: "الله أكبر.. لبيك يا حسين" ، وتدك جحافل المعتدين ، لترد كيدهم إلى نحرهم ، ورصاص الجند على الأرض يمزق صدر الغاصب المعتدي.

عندما التقى الجمعان ساعتها ، أَدرك اليهود أنهم هذه المرة ، يخوضون حربا حقيقية مع جند آمنوا بربهم خلف قيادة نذرت نفسها لأمتها ووطنها وشعب متعطش للنصر والثأر.

كان الأردنيون في ذلك اليوم يتمثلون قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، في بدر ومن خلفه المسلمون: "يا رب.. إن تهزم هذه العصابة اليوم ، فلن تعبد في الأرض بعدها أبداً". وقد نادى الأردنيون ربهم الأعلى: "يا رب.. إن هزم الجيش اليوم فلن يقف اليهود إلا في خيبر"على أَبواب عاصمة النبوة. وكأني بأمير الجند في بدر ، حمزة بن عبدالمطلب الهاشمي ، ينادي من خلف القرون بفرسان الكرامة: "يا جند الأردن اثبت: فالنصر قادم". وأبي عبيدة ومعاذ وشرحبيل كأني بهم يتململون من تحت ثراهم الطهور تحرقا لقتال اليهود ، وجبريل يخفق بجناحيه فوق رؤوس الجند ، ومآذن الله تصدح بالتكبير ، شحذا لهمم الجند. وعلا غبار المعركة ، ولكن نداء "الله أكبر" كان أعلى ، وإرادة الله كانت أقوى. لقد كانت بدر حاضرة هناك ، على أَرض الكرامة ، في ذلك النهار ، وكأن صورتها تبعث من جديد ، على أَرض الأردن ، وينقشع غبار المعركة بعد ساعات شديدة ثقيلة ، بلغت بها القلوب الحناجر ، وإذا بوجه النصر المشرق ، يطل على الدنيا وجيشنا العربي المصطفوي يغسل عار أمة بكاملها ، بقيادته الهاشمية وقد سطر أعظم الملاحم البطولية ، بدماء الجند وشرعية التاج.

وتستمر مسيرة النصر في ركاب جيشنا العربي ، فيسجل النصر تلو الآخر ، على كل الجبهات ، وعلى كل الأرض العربية ، ويتجاوز ذلك إلى بقاع الدنيا كلها ، حيث يحفظ السلام للخائفين ، ويؤمن المرعوبين ، فيحوز على سمعة حلقت في الخافقين ، وتؤول الراية إلى أبي الحسين.. عبدالله الثاني ، الملك المعزز: فيقبض عليها بحزم وعزم لا يلينان ، وتمضي المسيرة نحو العلا بخطى أسرع ، وبإيقاع تحدثت عنه الدنيا ، ويظل الجيش قرة عين القائد ، ليبقى سياج الوطن ودرعه القوي ، بقيادة صاحب النسب الاشرف ، سبط الأنبياء وارث الملوك العظام.

لقد كان لا بد لنا في "الدستور" أن نكون في طليعة المحتفلين بذكرى الكرامة العظيمة ، تكريما للقائد والوطن والجيش ، واحياء لذكرى الشهداء العظام ، حيث جاء هذا اللقاء بمشاركة ثلاثة من فرسان الوطن ، دولة الدكتور معروف البخيت رئيس الوزراء الأسبق ومن ابرز قيادات الجيش العربي ، ليحدثنا عن الأهمية الاستراتيجية لمعركة الكرامة ، وأثرها على الأمة ، ثم إلى أحد فرسان الكرامة ، الذي قاتل على الأرض ، وجرح ، وظن رفاقه انه استشهد.. عطوفة الفريق أول المتقاعد فاضل علي فهيد ، ليحدثنا عن مجريات العمليات القتالية ، في يوم الكرامة. ومسك الختام ، نستمع إلى معالي الأستاذ الشاعر حيدر محمود ، الذي تغنت أشعاره بالجيش وقائده ، على امتداد اكثر من نصف قرن.

سلام على الكرامة ، سلام على الشهداء ، سلام على الأردن ، سلام على القائد ، سلام عليكم.

البخيت

لا يفوتني ابتداء ان اتقدم بالشكر الجزيل من مؤسسة الدستور العريقة لاتاحتها المجال امامي للقاء هذه النخبة الكريمة في هذا اليوم المبارك ونحن نحتفل معا بواحدة من اغلى مناسباتنا واكثرها دلالة ، الا وهي عيد الكرامة الثاني والاربعون.

واسمحوا لي ان يكون الحديث في هذا اللقاء بعيدا عن لغة الخطابة وضروراتها البلاغية باتجاه التركيز على الدروس والدلالات المستقاة من هذه المناسبة وربط الامس بالحاضر في مقاربة تلتمس قراءة التحديات والاستحقاقات وموقع الاردن منها رغم مرور هذه العقود الطويلة وليكون الحديث عن الكرامة مدخلا لحديث مرتبط عن الكرامة النهج والراية.

تعلمون ابتداء الظروف الهامة التي سبقت معركة الكرامة وحتى نقرأ الكرامة لا بد من قراءة سياقها وظروفها فقد جاءت هذه المعركة بعد اقل من عشرة اشهر على واحدة من اصعب وامر هزائم الامة العربية في تاريخها كله القديم والحديث وربما ازعم انها الاصعب والامر اذا ما قرأنا نتائجها النفسية وانعكاساتها على ثقة المواطن العربي بامته وقيادته وجيوشه وكل القيم والمبادئ التي نشأ عليها.

هزيمة 1967 لم تكن نكسة ابدا ولكنها كانت هزيمة بكل ما في الكلمة من مرارة واسى وربما تعلمون ان الذي اخترع تعبير او اصطلاح النكسة هو الكاتب والصحافي المعروف محمد حسنين هيكل ، كتبرير لاداء ولخط سياسي كان هو المنظر الاول له وهو الاداء الذي تمثل بمدرسة الاعلام الغوغائي التعبوي التحريضي والذي تبنى فلسفة عجيبة غريبة اطلق عليها في حينه اسم فلسفة التوريط وهذه قصة اخرى لا تقل مرارة وتعيدنا الى الاجواء التي سبقت هزيمة 67 والحديث هنا متصل ولا يمكن فصله عن سياقه.

في عام 1964 ولدى تعاظم الشعور العربي بمخاطر تحويل اسرائيل لمياه روافد نهر الاردن تنادى العرب الى عقد قمة عربية في القاهرة جاءت الوفود العربية معها خطاباتها وبياناتها المعتادة التي تندد بهذا العدوان على الامن القومي العربي وحضر الاردن حاملا معه دراسة عسكرية جادة للموقف العسكري بين العرب واسرائيل اي تقدير موقف عسكري كامل وخطة عسكرية شاملة للمواجهة ومتطلباتها فاثارت اهتمام القادة العرب والقيادات العسكرية.

تلى ذلك وفي عام 1965 انعقاد مؤتمر القمة العربي في الدار البيضاء وكان من اهم قرارات هذه القمة اقرار تقرير الخبراء العسكريين العرب بخصوص فرص الجيوش العربية في تحقيق نصر عسكري عند المجابهة العسكرية مع اسرائيل. وكانت التوصيات في غاية الدقة تراوحت بين رصد موازنة ملائمة للتسليح والتدريب ضمن ثلاث سنوات كحد ادنى والتأكيد على اهمية انهاء حرب اليمن وعودة الجيش المصري منها وانهاء ازمة كردستان التي شغلت الجيش العراقي انذاك ووقف مسلسل التصفية والانقلابات في سوريا والتي كانت تودي بخيرة الكفاءات العسكرية السورية فكان معيار ترقية الضباط هناك هو ولاؤهم الحزبي لا كفاءتهم العسكرية وقررت القمة بناء على توصية اللجنة ان اي مواجهة عسكرية مع اسرائيل وقبل استكمال هذه الشروط وقبل اطار زمني لا يقل عن 3 سنوات ، من شأنها ان تؤدي الى هزيمة عسكرية محققة للجيوش العربية ولذلك كان القرار الابرز هو عدم السماح بالانجرار الى حرب قبل اوانها ، ويترتب على ذلك وقف العمليات الفدائية التي كانت توفر لاسرائيل الذريعة لشن حرب استباقية ودون استكمال الشروط العربية المطلوبة.

ما حصل كان العكس تماما ، فلم يتم رصد الحد الادنى من الاموال المطلوبة واستمرت الازمات العربية تتعمق وتتورط فيها الجيوش.. في المقابل كان هناك جيش واحد لم يتورط بهذه اللعبة ، وحافظ على كفاءته واستطاع ان يطور مقدراته القتالية الا وهو الجيش العربي القوات المسلحة الاردنية ، وقد تمسك الاردن بمقررات القمة العربية وتوصيات اللجنة العسكرية. والحقيقة انه دفع ثمن التزامه باهظا ، باهظا جدا ، في عام 1966 شنت اسرائيل اعتداء عسكريا على قرية السموع في الضفة الغربية والتي كانت ضمن ولاية الدولة الاردنية بموجب قرار وحدة الضفتين وكان العدوان الاسرائيلي اجراميا وكان هدفه هو جر الاردن الى حرب قبل اوانها ، حرب محكوم عليها مسبقا بالخسارة الفادحة. وقد رأى الاردن ان يضيع الفرصة على الاسرائيليين وان يلجأ الى القنوات والحلول السياسية والدولية حرصا على تنفيذ قرارات القمة.. فماذا كانت النتيجة؟.

النتيجة باختصار كانت حملة تشكيك واتهام وتحريض ضد الاردن وقيادته ودوره وحركة كثيفة من المظاهرات والمسيرات والحشود في المملكة استجابة لحملات التحريض. وبدلا من ان يترفع الخبراء الاردنيون لقراءة اداء العدوان وشكله وتحليل خططه العسكرية تفرغنا للدفاع عن انفسنا وتبريد حناجر الخطباء والرد على الحملات وضاعت فرصة قراءة طبيعة العدوان وحركة قطاعات العدو ، وخططه العسكرية ليتبين بعد ذلك ان عدوان السموع كان بمثابة البروفة العسكرية لاحتلال الضفة الغربية.

ضمن هذه الاجواء جاءت حرب 1967 وقد سبقتها ومهدت لها فلسفة التوريط التي تبناها هيكل والتي كانت تقوم على اساس ان الجيوش العربية قادرة على تحقيق نصر حاسم على الجيش الاسرائيلي ولكنها بحاجة الى قرار سياسي وان الحل هو في "توريط" القيادات السياسية ، بالانجرار الى الحرب والسماح للجيوش العربية لكي تحارب وتحسم المعركة وهكذا اصبح الاعلام ومدرسة هيكل واحمد سعيد هما من يقرر في الشؤون القتالية بدلا من القيادات والخبراء العسكريين.

ما حصل لاحقا معروف ومع بدء التجييش والتصعيد وجد الاردن نفسه امام خيار وحيد بان يكون الى جانب اشقائه في حربهم مهما كانت جدية ملاحظاته ، ذلك ان تجربة السموع حاضرة ومرارتها حكمت قرار الحكومة الاردنية ، بالاتجاه الى عبدالناصر وتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك ليس هذا فحسب بل ارتضى الاردن وفي حالة فريدة ، ان يقود جيشه ضابطا ليس اردنيا بل عربيا وهو المرحوم الفريق عبدالمنعم رياض.

وعندما وقعت الحرب ولان التضليل كان هو سيد الموقف فقد اكتشف الاردن انه دخل الحرب بعد انتهائها.. والتفاصيل كثيرة والوثائق عديدة ولا نريد الخوض فيها.

المهم هنا ان الهزيمة النكراء انعكست في ظلالها على الجيوش العربية وكان اثرها الاكبر على الجيش العربي الاردني الذي فقد امكانات ضخمة وتعرض لضربات مؤذية والاخطر انه واجه هزيمة مرة في حرب لم يتسن له ان يخوضها كما يريد وبحسب كفاءته وعقيدته القتالية وبمعرفته بطبيعة مسرح العمليات.. وهو افضل الجيوش العربية انضباطا وتدريبا وارادة وكان الجرح كبيرا والشعور بالاهانة اكبر من ان يوصف.

ضمن هذه الاجواء جاءت معركة الكرامة الخالدة والتي اعادت بالفعل الثقة بالنفس لدى الجيش العربي واعادت ثقة الشعوب العربية بجيوشها وشكلت اول اختراق تاريخي في الصراع العربي الاسرائيلي لصالح العرب بعد ان تبين ان هزيمتها السابقة كانت لاسباب سياسية اعلامية ولم تكن لاسباب عسكرية.

لن اخوض في مجريات المعركة واهدافها العسكرية فهذه معروفة للجميع ولكنني سأتحدث هنا عن الاهداف السياسية للعدوان والتي التقطها الاردن جيدا وجابهها في ملحمة دموية ناردة.

كما اسلفت فقد نشأ عن هزيمة 67 واقع عربي واقليمي جديد قرأته القيادة الاسرائيلية وارادت استثماره من خلال تحويل النصر العسكري الماحق الى انتصار سياسي يكرس الهزيمة العربية وعلى حساب الاردن.

الهدف الاسرائيلي الواضح في حرب الكرامة لم يكن فقط في الجانب العسكري العملياتي ولكنه ايضا كان على صعيد الدفع باتجاه فرض خيارات سياسية استراتيجية على الاردن في لحظة اقليمية عصيبة ومع شلل سياسي وعسكري عربي شبه تام بحيث تتمكن اسرائيل من تصفية القضية الفلسطينية نهائيا وعلى حساب الاردن.

ولان الحرب ، أية حرب هي في حقيقتها مجابهة ارادتين ، فقد كان الصدام المباشر عام 68 وعلى ارض الكرامة ما بين ارادة العدو المتغطرس بنصره التاريخي القريب ومشاريعه التآمرية لتسوية القضية الفلسطينية وانهاء السيادة الاردنية ، وبين ارادة الاردن وبشكل خاص ارادة الملك الحسين وارادة الجيش العربي وهي الارادة التي رفضت ان يكون الاردن الحلقة الاضعف او الساحة التي تتحرك فيها اسرائيل وهي الارادة التي قررت مسبقا ان لا معنى للحياة دون سيادة ودون كرامة ومن هنا جاءت معركة الكرامة والتي رأى فيها الجيش العربي الاردني المصطفوي فرصة تاريخية لاستعادة الكرامة العربية وتلقين العدو درسا لن ينساه وهو بالفعل درس صار جزءا من دروس التاريخ العسكري درس يبرهن بجلاء ان النصر هو ارادة النصر وقد امتلك الراحل الحسين يوم الكرامة ارادة النصر فانتصرنا.

لقد واجه الجيش العربي النازف بما تبقى لديه من اسلحة لم تدمرها الالة العسكرية الاسرائيلية في الحرب السابقة اسطورة جيش خال كثيرون انه لن يهزم وكانت الحرب النفسية الاسرائيلية تحقق نتائج كبرى باستثمار نتيجة الحرب السابقة ومع ذلك فقد استطاع الجيش العربي ان يهزم الالة العسكرية الاسرائيلية المتقدمة وان يلغي الدعاية المرافقة لها وان يشطب من اذهان الجميع ومن ذاكرة العدو نفسه اسطورة الجيش الذي لا يهزم.

لقد كان لمعركة الكرامة تأثير هام على الفكر العسكري العربي في تلك المرحلة وان كان للاسف هناك قصور فادح في ايضاح هذا الجانب. لقد التقط القادة العسكريون المصريون من درس الكرامة فكرة امكانية هزيمة العدو الاسرائيلي المتفوق في معركة محدودة في الزمان والمكان بالارادة والمجالدة والصبر وبان قوات المشاة يمكن لها ان تتصدى لقوة العدو الضاربة السلاح المدرع وايقاع افدح الخسائر بها وقرروا توظيفها وهكذا بدأوا حرب الاستنزاف عام 1969 بحيث استثمروا نقاط ضعف العدو بايقاع الخسائر البشرية والمادية فيه مع بناء معنويات الجيش المصري في ذات الوقت. لقد كانت حرب الاستنزاف المقدمة المنطقية التي اسست لحرب رمضان المجيدة في عام 1973 ، والحقيقة هي ان معركة الكرامة كانت المعركة المفتاحية التي ادت الى استعادة الثقة بالعسكرية العربية.

واليوم وبعد اثنين واربعين عاما على يوم الكرامة يبدو الاردن اكثر قوة ومنعة من اي وقت مضى وهو اليوم قادر على تحقيق ما حققه في ظروف اصعب وشروط اكثر قسوة ، فالغى كل المؤامرات التي دفعت باتجاه ان يكون الحل النهائي على حسابه.

الاردن اليوم ، وبقيادة عبدالله الثاني بن الحسين يتجاوز منطق الجغرافيا السياسية واحكام الامكانات والموارد ويعتمد لغة الارادة والعزيمة والاصرار على صون الهوية الواضحة وحماية استقراره ومصالحه العليا ومثلما هزمنا العدو الغاشم قبل اربعة عقود وصار نصرنا عليه درسا من دروس التاريخ العسكري وشاهدا على حقيقة ان النصر انما هو ارادة النصر فاننا اليوم قادرون اكثر على رد اي اعتداء وعلى فرض مصالحنا والدفاع عن ثوابتنا.

لقد كان خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في عيد الكرامة الاربعين واضحا من حيث دلالاته ومعانيه حيث لخص جلالة الملك في خطابه التاريخي كل ما يمكن ان يقال واعاد جلالته بلغة واضحة للنصر هويته الاردنية الصريحة منهيا عقودا من محاولات اختطاف النصر التاريخي او انكاره.

الكرامة كما وصفها جلالة الملك ليست مجرد ذكرى وانما هي هوية وعنوان للاردن المنيع الاردن القادر على الدفاع عن هويته وسيادته ومصالحه العليا بقوة السلاح وبعزيمة الرجال الذين اذاقوا العدو لاول مرة في تاريخه المعاصر طعم الهزيمة المرة واجبروه على الفرار من ارض المعركة تاركا اشلاء ضحاياه مخلفا معداته والياته شواهد ماثلة على انتصار الارادة الاردنية ، وقدرتها الدائمة على رد الصاع الف صاع واكثر.

في عيد الكرامة نؤكد جميعا التفافنا حول قيادتنا الهاشمية المظفرة مؤمنين بشجاعتها وحكمتها ونؤكد فخرنا واعتزازنا بقواتنا المسلحة البطلة.

وتحية الاكبار والاجلال لروح الحسين بن طلال ولشهداء جيشنا العربي المصطفوي وعهد الولاء والوفاء لحامل لواء كرامة الامة وريث النهج الهاشمي المبارك جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين حفظه الله ورعاه.

فهيد

بدأ الفريق أول المتقاعد فاضل علي فهيد حديثه بشكر الله سبحانه وتعالى "على ما أعطانا في يوم الكرامة وفي ذكرى الكرامة ، متوجها إلى "الدستور" بالتقدير والتحية والشكر على هذا اللقاء ، الذي فيه تواصل ما بين الاجيال والتاريخ الذي هو وقف للامة تتداوله الاجيال جيلاً بعد جيل".

وأضاف: أشكر دولة الرئيس الدكتور معروف البخيت على الإطراء وعلى الكلمة وعلى التغطية الشاملة التي تفضل وأسمعنا إياها ، مع أنه أضاق علي قليلاً بأنه لم يترك لي مجالاً أن أتوسع بما كنت أريد ، حيث غطى كثيراً من النقاط التي كنت أود التطرق إليها. وأجد نفسي مضطراً أن أسير في (كردور) ضيق يتعلق بمجريات المعركة ، وأن أسلط الضوء على بعض النقاط.

وقال فهيد: الكرامة فجر بزغ بعد ليلة حالكة الظلام ، عندما أغلق الرئيس جمال عبدالناصر مضائق تيران ، شرم الشيخ وخليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية وطلب سحب قوات الطوارئ الدولية. كان الانطباع السائد لدى كل ذي عقل أنه سيبدا الضربة ، فلا يمكن أن يتخذ قرار بهذا الشكل وبهذا الحجم بأن تغلق مضائق تيران "البحر الأحمر" في وجه الملاحة الإسرائيلية التي كانت تغذي إسرائيل بما تحتاجه من النفط عبر إيلات وأن تسحب قوات الطوارئ التي كانت تفصل بين الجيش الإسرائيلي والجيش المصري في سيناء ، فهذا يعني الحرب ، لكن للأسف فان القرارين اتخذا وبقيت القوات تنتظر الضربة التي جاءت فعلاً ، ويقال انها مفاجئة ولكن كانت منتظرة ومع الأسف أن الذي حصل كان كارثة ونقطة تحول ليس فقط على الصعيد المصري بل على صعيد الأمة العربية بكاملها.

وأضاف: في ظل هذه الأجواء وبشكل مفاجئ سمعنا وصول جلالة المغفور له المرحوم الملك الحسين بن طلال إلى مطار ألماظة العسكري في القاهرة ، وسمعنا ذلك بعد أن وقع على اتفاقية دفاع مشترك مع الجمهورية العربية المتحدة التي كانت تسمى بذلك في ذلك الوقت ، حيث ان جلالته طلب من الرئيس عبدالناصر التوقيع على اتفاقية ، فكان هناك صيغة اتفاقية بين مصر وسورية فقال: "نوقع عليها كما هي" ، وعاد بعد أن أصلح الامر مع أحمد الشقيري الذي كان يرأس منظمة التحرير الفلسطينية ولحق بهما فيما بعد في 1 حزيران الفريق عبدالمنعم رياض ليكون مسؤولاً عن الجبهة الشرقية (الجبهة الأردنية).

ويقول فهيد: تصوروا.. من 30 أيار الى الخامس من حزيران ، ستة أيام ، ففي ستة أيام ماذا يمكن أن يجري من تنسيق وتحضير لحرب؟، لا شيء.. والأردن بقيادة جلالة الملك المرحوم الحسين بن طلال كان يعرف هذه النتائج ، وكما أشار دولة الرئيس لم يكن أمامه سوى الخيار الذي اتخذ.

وقال: انتشرت القوات الأردنية التي كانت مؤلفة من 11 لواء ، 7 ألوية منتشرة في الضفة الغربية و3 ألوية كانت في الضفة الشرقية ، ولواء في الجنوب. الألوية التي كانت في الضفة الشرقية نستطيع أن نسميها الألوية الضاربة في القوات المسلحة الأردنية ، حيث كانت تضم لواء 40 المدرع ولواء 60 ولواء اليرموك ولواء الحسين بن علي ، هذه الألوية الأربعة كانت موجودة في الضفة الشرقية ، وتم تحريكها إلى منطقة الأغوار ، بمجرد عودة جلالة الملك من القاهرة ، وفيما بعد جرى تحريكها أيضاً مرة أخرى حيث اتجه اللواء المدرع 40 باتجاه جنين واللواء المدرع 60 باتجاه القدس على أن يكون محور تقدمه ما بين بيت لحم أو ما بين الخليل والقدس ، حيث كانت تقضي الخطة بأن يقوم بفصل جنوب إسرائيل عن شمالها بعد أن تكون القوات المصرية قد حققت نجاحاً وأن يكون الطيران المصري قادراً على تغطية الجبهة الأردنية بما تحتاجه من غطاء جوي.

وبين فهيد انه عندما أعلنت الحرب التي جاءت أيضاً بشكل مفاجئ بأن القواعد المصرية تعرضت إلى هجمات شاملة إسرائيلية كان هناك أيضاً خداع ، حيث ان الإعلام المصري أعلن أنهم أسقطوا 75 بالمائة من الطيران الإسرائيلي ، فهذا أضفى شيئاً من الطمأنينينة وارتفاع المعنويات والثقة بأننا سنحقق الأهداف التي تحركنا من أجلها لتكون النتيجة عكسية ، وإذا بسلاح الجو الإسرائيلي يتحول باتجاه الجبهة الأردنية بكامله.

وقال انه بعد نشوب الحرب كان أول إجراء اتخذه جلالة المغفور له الأمر إلى سلاح الجو الأردني بقصف القواعد الجوية أو المطارات وبعض الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية ، وكان لدينا 21 طائرة هوكر هنتر إنجليزية الصنع ، لا تصلح إلا لعملية الإسناد الأرضي ، مع أنها استعملت في عملية القتال الجوي وأثبتت جدارة وأسقطت طائرات إسرائيلية. قامت بالغارة الاولى والثانية وعندما استعدت عادت للتزود بالوقود والذخيرة للعودة بالإغارة الثالثة ففوجئت بأن الطيران الإسرائيلي أغار عليها في قواعدها ودمر القواعد والمطارات ولاحق بعض الطائرات التي ذهبت إلى قاعدة الحبانية في العراق أو قاعدة الضمير في سورية ، حتى أن مطار ماركا قصف ، وفي العودة قصف القصر الملكي من قبل الطائرات الإسرائيلية.

واضاف: كانت القوات الأردنية قد اشتبكت مع القوات الإسرائيلية في موقعين هامين ، الأول في القدس والثاني في جنين. اشتباك القدس حققت القوات الأردنية فيه إنجازاً في بداية المعركة حيث احتلت مواقع معينة في القدس وكانت المؤشرات تبشر بأننا نستطيع فعلاً أن نحقق الاهداف. تحول الموقف بعد الظهر في اليوم الأول بعد تفرغ سلاح الجو الإسرائيلي للجبهة الأردنية ، فتحول إلى موقف صعب جداً ، كنا نقاتل تحت سماء مكشوفة بدون أي غطاء جوي ولم يكن لدينا منظومة دفاع جوي ، سوى أنه في كل الجيش كان هناك كتيبة مدفعية مقاومة الطائرات الرابعة ، وكانت الأسلحة الأخرى التي هي أسلحة محلية كرشاش 500 على ظهر دبابة أو ما شابه ذلك في وحدات المشاة.

سلاح الطيران الإسرائيلي تفرغ بشكل كامل كما ذكرت ، واستمر على مدار الساعة ، حتى أن منطقة العمليات ، ونحن كنا في منطقة الخان الأحمر ننتظر الأوامر بالتقدم باتجاه الهدف المعطى لنا ، إلا انه استطاع أن يجمدنا في مكاننا وأن يمنع حركة أي آلية من آلياتنا إلا بصعوبة بالغة ، حتى في الليل تحول الليل إلى نهار ، فكانت تضاء المعركة وكأنك في النهار ، فكان هناك طائرات تلقي المشاعل بشكل مستمر فتغير على اهدافها.

واكد فهيد ان الاشتباك الذي وقع في جنين ما بين اللواء المدرع 40 والقوات الإسرائيلية ، استطاع اللواء المدرع 40 خلاله دحر القوات الإسرائيلية ، وكعادتهم وحرصاً منهم على توفير خسائر بشرية تراجعت القوات الأرضية ودفعت بسلاح الجو الذي قام بدوره نيابة عن القوات الأرضية.

وقال: أنا أذكر هذا لأقول ان الجيش الأردني لم يعط الفرصة ليقاتل قتالاً كما تدرب في ظروف فيها بعض التكافؤ وليس كل التكافؤ ، لأن التكافؤ الكامل قد لا يكون متوفراً.. جرت المعركة موقف القوات الأردنية في غاية الصعوبة ، مع عدم وجود إسناد لها.

واضاف: أذكر أنه في الليلة الثانية بلغنا بأن القدس قد سقطت ، وأن نخفي هذا عن جنودنا لأنه في هذه الحالة سيكون له أثر بالغ على معنويات الأفراد ، وطلب منا أن نتصرف بأقصى درجات الحذر وأن نقتصد في الذخيرة. وفعلاً جرت تحركات لكن الموقف تغير بشكل متسارع ، الأمر الذي أدى إلى دراسة الموقف على مستوى القيادة العامة ووصلوا إلى نقطة خيار ، ليس خياراً سهلاً ولا هو حسن لكنه أفضل الأسوأ ، أستطيع أن أسميه أنه أفضل الأسوأ ، إما إبقاء الجيش الأردني في الضفة وضياع الضفة مع الجيش ، وإما انقاذ ما تبقى او إنقاذ الجيش بالشكل الممكن ، فكانت هناك مشاورات ما بين القيادة الأردنية والقيادة المصرية وأمامي هنا التقرير الذي وقعه عبدالمنعم رياض ، ورفعه بعد الحرب ، يقول: (لم تكن هذه المعركة من وجهة نظر مسرح عمليات الجبهة الأردنية معركة متكافئة بأي حال من الاحوال ، ولم يكن في الإمكان أن تنتهي إلا إلى النتيجة التي انتهينا إليها).. ويقول في مكان آخر: (لقد قاتلت الوحدات الأردنية قتالاً مريراً في ظروف غير مقبولة ، وأدت واجبها بكل أمانة وشرف ، ولكن الموقف الجوي المطلق لصالح العدو لم يمكنها من أداء مهمتها).. ويقول في مكان آخر: (إن خوض معركة مع العدو يلزم التنسيق والتحضير المسبق ، والذي حدث أن القيادة العربية الموحدة التي كانت قائمة بهذا العمل قد شلت يديها قبل المعركة بحوالي سنة ، وعليه لم يكن هناك تنسيق بالمعنى الكامل والمفهوم ، ولم يكن هناك تجهيز لمسرح العمليات بشكل مقبول ، والقيادة المتقدمة التي شكلت قبل المعركة بأيام لم يكن بوسعها أن تفعل أكثر مما فعلت ، وهذا خطأ بيّن للسياسة العربية التي جنت على الجندية العربية قبل أن تجني عليها إسرائيل).

واوضح فهيد: أنا أريد أن أروي قصة للدلالة فقط على صعوبة الموقف ، الساعة التاسعة والنصف من الليلة الثانية ، وكنت على محور القدس كما ذكرت ، طلب مني أن أتحرك ، وأنا قائد سرية دبابات ولست قائد لواء مدرع أو قائد فرقة ، أن أتحرك باتجاه أريحا وأن أدخل أريحا ومن ثم أصعد الطريق المؤدي إلى الطيبة ورام الله ، طريق عين الديوك ، قالوا ان هناك لواء مدرعا الآن متجها من الطيبة باتجاه أريحا ، فعليك مواجهتها. تحركت مع زميلي قائد سرية ثانية معي اسمه محمد كساب المجالي ، ووصلنا الموقع وأخذنا مواقعنا بانتظار اللواء المدرع الذي سيأتي للاشتباك معه. مع الفجر جاء أمر آخر لي بأن أبقي محمد كساب في مكانه وأن أتحرك أنا إلى محور نابلس ، لأقوم بهجوم معاكس مع القوات العراقية لاستعادة نابلس التي كانت أيضاً قد سقطت ، فكانت حركتي هذه المرة في النهار ، حرصاً مني على تخفيف الخسائر ، فأصدرت أوامر أن يكون بين الدبابة والأخرى أثناء الحركة كيلو متر ، حتى إذا حصلت غارة جوية أخسر دبابة وليس أكثر ، وفعلاً تحركنا ، وعندما نتحرك من أريحا باتجاه فصائل إلى الجفتلك يبدو أن العدو كان يظن أننا منسحبون ، فلم يتحرش بنا ولم يقترب منا ، ولكن عندما وصلنا إلى مثلث الجفتلك واتجهنا باتجاه نابلس وإذا بالأسراب المتلاحقة تقوم بغاراتها علينا. كانت غارات عنيفة ولكن والحمد لله النتائج صفر ، لا دبابة ولا فرد أصيب ، إلا دبابة واحدة أصيبت من خلال صاروخ سقط بجنبها ، فتعطل جنزير الدبابة والعجلات التي تحرك الجنزير ، وعندما جئتهم بعد الغارة هنأتهم بسلامتهم ، وأخبروني بما حصل بالدبابة ، فأمرتهم بألا يبقوا الدبابة مكانها ، وكان عدد أفراد الدبابة أربعة وأخبروني بأنهم سيحركون الدبابة ولن يبقوها في موقعها ، وقاموا بإجراء ما يستطيعون من إجراء واستطاعوا أن يحركوا الدبابة ، رغم أنه عندما يتم تقييم الدبابة فنياً فلا يمكنها الحركة ، لكنهم استطاعوا ذلك للمحافظة على السلاح بأيديهم.

وأضاف: أصبحت في حيرة من أمري حيث انقطع اتصالي بقيادتي الرئيسية ، فأبقيت نفسي في المواقع الدفاعية على محور نابلس - الجفتلك.. بعد منتصف الليل الثاني كان هناك امر بالانسحاب ، ثم جاءني امر خطي بأن أنسحب الآن ، وأن أكون حذراً عند عبور جسر دامية ، لأنه يبدو أن الإسرائيليين من خلال محور بيسان في الجفتلك يبدو أنه كان لهم حركة في هذا الاتجاه. خرجنا من الضفة الغربية وجئنا إلى الضفة الشرقية ، بأيدينا كتيبة دبابات واحدة وسرية من أصل ما يقارب ثلاثة ألوية دروع فقدت في الضفة الغربية ، فقدت ذخائرنا ومستودعاتنا وكل احتياطاتنا والمستودعات للتكديس كلها كانت في الضفة الغربية لأن مسرح عملياتنا هو في الضفة الغربية ، فبدأنا نلملم أشلاءنا ونجمع ما لدينا وعدنا إلى السكراب ، وبدأنا نجد دبابات بشكل قطع مفككة يجمعها الفنيون ونعيدها للعمل حتى لو كانت قديمة.

ويوضح فهيد: أذكر هذه النقطة حتى أوضح المعجزة التي حصلت بهذا الشكل من السلاح ، المعجزة التي حصلت بعد أقل من عشرة شهور من حرب حزيران ، كيف حصلت؟ وتحليلي لها هو أننا في الـ67 كنا نعتقد أنها معركة عربية ، وكان هناك شيء من الاتكالية بأنه هناك من سيساندنا ويقدم الدعم لنا ، واليوم انكشف الغطاء ، ولا يوجد أي أمل ولا حتى رغبة من قبلنا على ما أعتقد أن نطلب من أحد مساعدتنا ، فإذن الإيمان والإرادة حولا الإحباط والفشل وخيبة الأمل والذهول الذي أصبنا به نتيجة حرب الـ67 إلى نقاط قوة وتصميم وإرادة وعزيمة على الثبات على هذه الأرض.

وتابع قائلا: كانت هناك حرب استنزاف تلت الـ67 واستمرت لأشهر ، وكانت هناك اشتباكات عنيفة على امتداد الجبهة ، وفي 15 شباط 1968 كان هناك قصف جوي ومدفعي لمحافظة اربد ذهب ضحيتها 45 شهيدا بالإضافة إلى 97 جريحا ، ومن ضمنهم المقدم المرحوم منصور كريشان ومعه 7 من العسكريين ، وكان هذا كله نتيجة أننا كنا نغطي عمليات الفدائيين بالنار وبالسلاح ، كانوا يقومون بعمليات محدودة حتى يبقى خط الجبهة ساخناً ، وكانت أوامر من القيادة العليا ومن جلالة القائد الأعلى بالذات الذي زودهم ببعض الأسلحة ومدافع الـ106 وأمرنا بأن ندعمهم حتى لا تعتقد إسرائيل أننا رفعنا العلم الأبيض ، فبقيت الجبهة ساخنة ، والذي كان يحصل أن الإغارة المحدودة على هدف منفرد من قبل الإخوان الفدائيين كان يقابلها ردة فعل إسرائيلية ، هم كانوا يعملون عملهم على نظرية (اضرب واهرب) ، والذي كان يتلقى الضربة نحن العسكريين ، الجيش ، ووحداتنا العسكرية.

واضاف: وصل الأمر أن منطقة الأغوار أفرغت بكاملها من مزارعيها ومواطنيها ، وقناة الغور تعطلت وتوقفت ، فشلت الحياة في منطقة الأغوار ، واستمر الحال بالتصاعد إلى أن اقتربنا من يوم 20 ـ 3 ـ 1968 ، حيث جاءت برقية تشير إلى وجود تحشدات إسرائيلية كبيرة على محوري الجفتلك ، نابلس - دامية ، والقدس - أريحا ، وان حجم القوات المحشود يدل على حجم الهدف ، والهدف لا يمكن أن يكون منفردا منعزلا سواء قاعدة فدائيين أو قرية أو غيره ، لأنه يمكن ضربها بالمدفعية وضربها بالطائرات ، فممكن أن يدمروها ، لكن قوات تحشد وأيضاً في غور الصافي على جبهة عرضها 100 كيلو متر لا يمكن أن تكون عملية ضد قواعد فدائيين أو ما كانوا يسموه بالمخربين ، إذن هذه عملية عسكرية مهيأ لها شارك فيها لواءا دروع ولواء مظلات ولواء مشاة وقوات محمولة جواً ، 5 كتائب مدفعية و6 أسراب طائرات ، فهل يعقل أن يكون هذا الحشد الهائل من القوة موجها لهدف مثل بلدة الكرامة؟، بالطبع الجواب لا ، إذن الهدف كان احتلال أراض في الضفة الشرقية وفرض واقع جديد ومفاوضات جديدة كما تحدث دولة الدكتور معروف البخيت لجعل القضية تحل على حساب الاردن.

وقال فهيد: أعتقد أن القوات الإسرائيلية نتيجة الغرور في النصر ونشوته التي أعمت أبصارهم في الـ67 اعتقدوا بأن هذا الجيش بما كان يملك في الـ67 هزم ، واعتقدوا بأن عملية الاحتلال ستكون سهلة ومحتملة وفي وقت قصير.

واضاف: ان الإصرار والعزيمة والإرادة التي تولدت نتيجة الفشل ونتيجة الاتكال على الله أولاً ثم على أنفسنا ثانياً غيرت معايير وموازين القوة.. وأريد أن أعطي بعض الأمثلة ، حيث كان هناك أفراد من الناس الذين لهم فضل علي منهم الأخ محمد حنيان ، فهو الذي جاء وأنقذني عندما أخلاني الرائد آنذاك واللواء الآن أطال الله في عمره جميل الشمايلة ، أخلاني من مكان إلى مكان ، فأنا كنت بين نارين وأصبحت بين ثلاث نيران ، حيث انني مسجى تحت شجرة على الأرض ، وأمعائي خارج جسمي ، ورجلي من الفخذ مكسورة لأنها اخترقتها قذيفة. وكان الرائد جميل الشمايله آمر مدافع الـ106 في مدرسة المشاة ، وهي مدافع للتدريب ، وكان الجيش حشد كل شيء كما ذكرت لذلك وتم انزال هذه المدافع وشاركت في المعركة ، لكن لم يكن لديهم وسائط إسعاف ، فبدأ جميل الشمايله ونقلني من مكان إلى مكان ، وبدأ يحاول الاتصال ، فكان الاتصال بالاخ محمد الحنيان الذي جاء وعندما وقف عند رأسي كنت ولله الحمد مستيقظا ، فوقف فوق رأسي وقال: (فاضل.. والله لآخذ بثأرك) وفعلا بعد قليل خرجت طلقة وإذا بنفس الشخص يقول (والله حريق الوالدين دمرها).. ودمر محمد حنيان ثلاث دبابات.

ويؤكد فهيد ان التفاصيل كثيرة ، وهي ليست ممتعة وحسب ، بل انها مشرفة لأبنائكم وآبائكم وربما الآن هناك أبناء لآباء قاتلوا في الكرامة ، وأختم بحديث نشرته جريدة هآرتس في نهاية آذار عام 1968 لحاييم بارليف ، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي ، قال فيه "إن عملية الكرامة فريدة من نوعها ، ولم يتعود الشعب في إسرائيل مثل هذا النوع من العمليات ، وبمعنى آخر كانت جميع العمليات العسكرية التي قمنا بها تسفر عن نصر حاصل لقواتنا ، ومن هنا فقد اعتاد شعبنا رؤية قواته العسكرية وهي تخرج منتصرة من كل معركة ، أما معركة الكرامة فقد كانت فريدة من نوعها بسبب كثرة الإصابات بين قواتنا والظواهر الأخرى التي أسفرت عنها المعركة مثل استيلاء القوات الأردنية على عدد من دباباتنا وآلياتنا ، وهذا هو سبب دهشة الشعب الإسرائيلي".

وفي 20 ـ 9 ـ 1968 نشرت صحيفة دافار مقالاً بقلم الكولونيل هارون بيليف ، قائد إحدى كتائب الدبابات على محور الشونة الجنوبية والذي كان أمامي ، وهو الذي اخترق من جسر الملك حسين إلى الشونة ثم سلك طريق الشونة - الرامة الكفرين لأن الطيران الإسرائيلي سبق له في الأيام الماضية أن صور المنطقة عدة مرات وحدد مواقع القوات الأردنية وكان بشكل خاص يركز على الدبابات والمدفعية ، وكان لدي فصيل دبابات على جسر الأمير عبدالله ، وبالمناسبة لم يتمكن الإسرائيليون من عبور جسر الامير عبدالله ، وهذا المحور لم يستطيعوا اختراقه من هذه الواجهة ، فجاؤوا من جسر الملك حسين ومشت كتيبة الدبابات طريق الشونة - الكفرين ، وهناك حصل الاصطدام ، لأنني كنت أسند لواء حطين وتحت قيادتي فصيلا دبابات في هذه المنطقة ، حيث كان معي فصيل آخر على المغطس ، وخلال هذه الواجهة لم يكن هناك اختراق فحاولوا الالتفاف بهدف تدمير هذه الدبابات وبالتالي أسر الجنود واحتلال المنطقة وانهاء الصراع ، هذا الكولونيل "هارون بيليف قائد القوات المدرعة في محور الشونة الجنوبية ثم انفصل عنه باتجاه الكفرين والراما ، والذي وصفته الصحيفة الإسرائيلية بأنه من أقدر قادة الدروع في الجيش الإسرائيلي ، قال في وصفه للمعركة: "كانت الساعة السابعة والنصف صباحاً ، وقد بدأ الأردنيون بالقصف ، لقد مرت علي عمليات قصف كثيرة ولكن قصفاً كهذا لم أذكر أنني شاهدته في حياتي ، أصيبت جميع دباباتي بقنابل ما عدا اثنتين ، بقينا تحت القصف الأردني لغاية الساعة الواحدة ظهراً ، وبالرغم من وجودنا داخل الدبابات إلا أن المسألة كانت عويصة".

واضاف فهيد: كما ذكرت ، هناك تفاصيل كثيرة فالكرامة ، هذه البلدة الوادعة التي خصص جلالة المغفور له المؤسس عبدالله بن الحسين اراضيها لإخواننا اللاجئين الفلسطينيين الذين وصلوا الأردن عام 1948 ، فبنوا هذه القرية وأسماها الكرامة ، ليشعرهم بكرامتهم في هذا البلد ، هذه الكرامة البلدة الوادعة تحولت إلى كرامة الأمة التي نحتفل بها وستبقى الأجيال من بعدنا تحتفل بها ، فتحية للكرامة ، الكرامة العربية وللذين صنعوا الكرامة ، والرحمة لجلالة قائد المعركة ولكافة الشهداء ولكافة الذين نزفت دماؤهم أو سال العرق من أجسادهم في ذلك اليوم وتحية إجلال وإكبار لجلالة القائد المعزز عبدالله الثاني بن الحسين.



قصائد الشاعر الكبير

الاستاذ حيدر محمود



كان الحسين هنا



بَدْرٌ تُجددُها الكرامةُ••

والصَّهيلُ الهاشميُّ•• هو الصَّهيلُ

وصليلُ هاتيكَ السُّيوف المُشرعات،

هُوَ الصَّليلُ••

ويُعاودُ الشُّهداءُ صَولتهُمْ على الدُّخلاء،

يلتحقونَ ثانيةً، بجيش المُصطفى••

ليظلَّ هذا النهرُ•• نهْرَ الأنبياء،

بمائه يتوضّأُ المتوجّهونَ الى السَّماء••

بسيّد الأَنهار يَغْتسلُ النَّخيلُ

كان الحُسينُ هُنا••

وكانت كربلاءُ هُنا!

وكانَ المُستحيلُ،

ولقد رأيتُ بأُمّ عيني كيف ينتصرُ القليلُ

على الكثير، وكَيفَ من كلَ السكاكين

التي قَتلتْهُ يَنتقمُ القتيلُ!

وتَفتَّحتْ في الغَور أبوابُ السماء،

تنزلَتْ مْنها الخُيولُ••

وزَهَّرَ الدَّحنونُ، والدُّفلى،

وجَلّجلَ صوتُ من ستظَّلُّ معركةُ الكرامةً

باسمه•• ما زلتُ أَسمعُهُ يقولُ:

(أُسْطورةُ الجيش الذي لا شيءَ يَهزمُهُ

هَزَمْناها)••

وهذا أوّلُ الغَيث الذي

منْهُ ستندفعُ السُّيولُ

فَلتصْحُ من ذُل الهزائم أُمَّةّ

طالتْ هزائمُها••

فها هيَ ذي كرامتُنا الدليلُ)



كان الحُسينُ هُنا

يُعيدُ كتابة التاريخَ، بالدم•• وانتصرْنا

بَعْدَ أَنْ هَربتْ جُيوشُ الحِبْرَ

والكلمات•• ممَّن أَعلنوا الحرْبَ الضَّروسَ

على الهواءْ

هَرَبت جيوشُ الدونكشُوتيّين،

حتّى منْ طواحين الهواءْ!!



الماءُ لا يَعْني بكُل لُغات

أهل الارض غيرَ الماءَ••

لكنْ الدَّمَ القاني لدينا سُلَّمُ الشُّهداء،

والشهداءُ عندَ الله صنْوُ الأنبياءْ

والدُّوْنكشُوتيّونَ•• وا أسفاهُ••

فرّوا من طواحين الهواءْ!!



بَدْرٌ، تُجدّدها الكرامةُ

والكرامةُ تستعيدُ الجمْرَ من تحت الرَّماد،

ويُعلنُ النَّهرُ الذي اشتدتْ

سواعدُهُ: الصَّهيلُ هو الصَّهيلُ

وصليلُ هاتيكَ السيوف المُ



لغير عمان

إلى أبطال الكرامة

حيدر محمود

لغيرِ عَمّانَ هذا القلبُ ما خَفقا

وغيرَ فُرْسانِها الشُّجْعانِ ما عَشِقا

ولا أَحبَّت عيوني مِثْل طَلَّتِهِم

على الرَّوابي: رِماحا تَنْشرُ العَبَقا

فَهُمْ لظىً، وشَذىً، شَمْسٌ ودالية

سُبْحانَ من جَمَع البارودَ، والحَبَقا

يا نخلةَ العزّ، شَمْسُ العِزِّ ساطعةٌ

على الرُّبوعِ التي أعْطيتَها الألقَا

جَعَلْتَها واحةً خضراءَ دانيةً

قُطوفُها، وتَرَكْتَ السَّيْفَ مُمْتَشَقا

فَمَنْ أرادَ الشَّذى، كُنّا أزاهِرَهُ

وَمَنْ أرادَ الأذى، كُنّا لهُ الأَرَقا

وَنْحنُ نَحْنُ•• سواءٌ أمطْرَتْ ذَهَباً

سماءُ اوطانِنا أوْ سَدَّت الرَّمَقا

فليس يَجْمعُنا خوفٌ ولا طَمَعٌ

لكنّه العِشْقُ، والدُّنيا لِمَنْ عَشِقا!





بين يدي الحسين رحمه الله

من مؤتة حتى الكرامة

حيدر محمود



تزهو بك الكوفيةُ الحَمْراءُ

والتوأمانِ: التّاجُ، والعَلْياءُ

والاوفياءُ الجُنْدُ حولَكَ•• رايةٌ

خَفّاقةٌ•• وعزيمةٌ شَمّاءُ

كَتبوا اسمَكَ الغالي بِحدّ سُيوفِهم

فوقَ الزُّنودِ، فَعَزّت الأسْماءُ

وعلى شِغافِ قُلوبِهم•• زَرَعوا الحمى

فقلوبهُم•• كسهولهِ خَضْراءُ

في ظلِ اكرمِ رايةٍ نَبتوا•• ومِنْ

أَمجادِ اعظمِ ثورةٍ•• قد جاءوا

ومن مؤتةٍ حتى الكرامةِ فيهما

عينانِ•• ينهلُ منهما الشُّهداءُ

ومواكبٌ موصولةٌ بمواكبٍ

وملاحمٌ•• وبطولةٌ•• وفداءُ

لا ساحةٌ، إلاّ وَكحْلُ عُيونِها

من هُدْبِهِمْ•• وَمِنَ الدّمِ الحنّاءُ

لا رَبْوةٌ الا وفي آفاقِها

مِنهُمْ يَدٌ•• او جَبْهةٌ سمراءُ

لا غَضْبةٌ للحقِ، الا استرشدت

بخطاكَ، واستَهدْى بك الأبناءُ

فلهم من اسمكَ، يا أعزَّ مُعلّمٍ

عَزْمٌ•• ومن نَسْجِ اليَدَينِ رِداءُ

يا سيفَ هاشمَ، يا عباءَتهُ التي

بظلالِها يَتَفيّأُ الشُّرفاءُ

العِزُّ موصولٌ بعزٍ سالفٍ

وعليه من فُرسانِه خُفَراءُ

نحنُ الرجالُ وانتَ اكرمُ قائدٍ

فليهنأ الأجداد•• والآباءُ



•• ورسالة الى الأقصى في غياب الفزعة

عرب••ولكن!!

حيدر محمود



لا تَسْتَجِرْ الا برّبِكْ!

فَدروبُ أهلِكَ غيرُ دَرْبِكْ!

وقلوبُهم تَغلي كراهيةً••

وليستْ مثلَ قلبِكْ

هي من هواء، وهو أكثرُ

رأفةً منهم•• بخَطْبِكْ!

إحذَرْ خَناجرَهم إذا

سُلَّت •• فقد سُلَّتْ لِضَرْبِكْ!

واحذر خَناجِرهم إذا

هبَّت فقد هَبّت لِسَبّك!

الحَرْبُ بينهمو، وبينهمو

وما سَمعوا بِحَرْبِكْ!

عَرَبٌ•• ولكنّ الذين أتوا••

أتوا من غيرِ صُلْبَكْ!

لو أنَهّم نملٌ•• لكان الآن••

مُنْتَشِراً بقُربِكْ!

ولَقَاتل الغازين بالأيدي

وماتَ فداءَ تُرْبِك!

عربٌ • ولكنْ ليسَ حدَّ الموتِ: قُرباناً•• لحُبِّكْ؟!!

سَيجيئُكَ الشُّهداءُ من

نبعِ الصَّفاءِ، الى مَصَبِّكْ••

معهم ملائكةُ السماءِ

تَمُدُّ شَرفَكَ نحوَ غَرْبِكْ!

وتُعيدُ رسمَ خريطةِ المعنى:

لسهلِكَ•• أو لِصَعْبِكْ!؟

يا أولَ الدنيا، وآخرَها

سيرحلُ ليلُ كَرْبِكْ••

إنْ قَصَّر المُتخاذِلون

فإنّنا أحبابُ قَلْبِكْ

ولنا على كَفَّيْكَ حِنّاءٌ••

وكُحْلَتُنا بِهُدْبِكْ••

شُهداؤك الأَحياءُ قد عادوا••



مساء الكرامة

الكتابةُ بالدم••

على نهرِ الأُردن!

قصائد من دفتر الكرامة<

>مهداة إلى روح بطل الكرامة الحسين<



مساءُ الكرامةِ، والعزَّ، والكبرياءْ

مساءُ الشهادةِ، والشهداءْ

مساءُ النشامى الذين افتدَوْا بالدّماءِ الزّكيّةِ

ماءَ الشريعةِ، فالتقت الأرضُ يومئذٍ بالسّماءْ

ومن هذه الارضِ، من ذلك الماءِ

تبدأ اولى الخُطى للسّماءْ!



هُنا هُزِمَ الشَّرُّ

وانتصَرَ القابضونَ على الجَمْرِ

يا شجرَ الحَوْرِ•• في الغَوْرِ••

أغلى من الروحِ أنتَ

•• ويعرفُ كل الغزاةِ الذين مَضَوْا

والذين سيَمضون: أنّ الشريعةَ

يحرسُها الجُنْدُ والمَجْدُ والأنبياءْ!



مساءُ النّدى يا أّعّزَّ السُّيوفِ

التي يتعلّمُ منها الفِداءُ الفِداءْ

وتَحني لها هامَها الكبرياءْ

هنا•• كان عُرْسُ الدمِ الأردنيِّ

الذي أيقظَ النائمينَ

على عارِ خَيْباتِهم، وانكساراتِهمْ

وأقامَ الدليلَ: على أنّ صبرَ الرجالِ الرجالِ جَميلْ!

هنا•• قَهَرَ المُمكنُ المُستحيلْ

هنا، فوق هذا الثرى

شَطَب الاردنيّونَ من لغةِ الضاد: "مُفْرَدَةَ المُستحيلْ"!

زغاريدُ ملءُ المَدى

وأغاريدُ تتبعهنَّ الأغاريدُ،

والمهاتُ -وهُنَّ يُوَدِّعْنَ أكبادَهُنَّ-

يَعِدْنَ الحِمى كلَّما رفرفت بالجناحينِ روحُ شهيدْ

بإنجابِ ألفِ شهيدْ!

وأُقسم: لم أرَ ليلتَها الليلَ،

لكنْ رأيتُ ملائكةً تمتطي الخيلَ، كان الغزاةُ يَفِرّونَ خوفَ الردى••

والأباةُ يكرّونَ•• يَرْجونَ ما ليس يَرْجو العِدا

"من الله"•• وانتصرَ الدّمُ، وانتصرَ الماءُ،

واندهرَ الجُبناءْ!



لكَ المجد يا وطنَ الشُّرَفاءْ

لكَ العَهْدُ، والوَعْدُ: أنّا سنبقى

على النهرِ: نَخْلاً، ودُفلى

تُعانِقُ أرواحُنا ضِفَّتَيهِ، وتنشرُ حولَهٌما الدَّمَ:

طِيباً وكُحْلا!

وموعدُنا القدس، "والمنبر" العَبْدَليُّ: إشارتُها وبِشارتُها

ونحن نراها على بُعْدِ تكبيرةٍ،

ونَرى البيرقَ النبويَّ يرفرفُ فوقَ ذُراها

ويهتفُ: يا قرّة العين، يا وطني

مساءُ الكرامةِ والكرماءْ

مساءُ الوفاءِ!

لكلِّ أحبتِنا

التاريخ : 22-03-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش