الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سورة البروج : الحق ينتصـر

تم نشره في الجمعة 6 تموز / يوليو 2012. 03:00 مـساءً
سورة البروج : الحق ينتصـر

 

* د. رقية العلواني



تأتي سورة البروج المكيّة التي نزلت على النبي وأصحابه وهم في مكة وقد تفنن المشركون بأنواع من العذاب! فبلال يسومُه سيده أمية بن خلف فيضع الصخرة تلو الصخرة على صدره فما تزيده تلك الصخرة إلا إيماناً وتوحيداً فيردد بأعلى صوته، ذلك الصوت الذي ترتعد له كل مشاعر وعواطف أطراف أمية بن خلف السيد المُطاع وبلال العبد في ميزان أمية بن خلف يردد أحدٌ أحد، كلمة التوحيد، الإيمان، قوة التوحيد التي لا تانيها قوة على وجه الأرض مهما بلغت. لا تدانيها أي نوع من أنواع القوى الموهومة التي اصطنعها الطغاة الظَلَمة في كل زمان ومكان.

نزلت سورة البروج لتقول للنبي صلوات الله وسلامه عليه ولكل الضعفاء من أهل الحق الذين يُهأ للناس أنهم ضعفاء وأن لا سند لهم ولا معين، لكل هؤلاء نزلت سورة البروج. سورة البروج التي جاءت تحكي قصة قوم، فئة من المستضعفين فئة آمنوا بالعزيز الحميد، فئة ارتضوا منهج التوحيد منهجاً لحياتهم، فئة وقفوا في وجه الطاغية، وقفوا في وجه ذلك الظالِم المستَبد الذي عاث في الأرض فساداً وتعذيباً وسفكاً وإهداراً للحقوق وقفوا في وجه ذلك الطاغية فإذا بالطاغية وحاشيته وجنده الأقوياء الذين من حوله، هؤلاء الأقزام حفروا الأخاديد وشقُّوا الحُفَر وأضرموا فيها النيران وأوعزوا لكل الحاشية من حولهم أن يزجوا بالأطفال والنساء والشيبان والشباب في بطون تلك الأخاديد علّهم يحرقون نور الإيمان الذي قد شعّ وسطع في قلوب وصدور هؤلاء الفئة فما زادتهم تلك النار التي يُهيأ لمن ينظر إليا أنها تحرق الأجساد، ما زادتهم تلك النيران إلا برداً ويقيناً وسلاماً واطمئناناً ليرددوا بلسان حالهم: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، المحنة، الابتلاء، الشد، النار، التعذيب، التنكيل، التشريد، القتل، لا يزيد المؤمن الموحِّد إلا ثباتاً ويقيناً. الحق لا يرتفع على قلوب ضعيفة أو واهية، يرتفع بالقلوب الثابتة المستقيمة على طريق الحق التي لا يهمها نيران من يضرم النيران ولا يهمها هذ الطاغية أو ذاك وإن تبدلت واختلفت الصور.

سورة البروج التي ابتدأها الله بالقسم فقال (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ?1? وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ?2?) اليوم الذي وُعِد به الناس جميعاً يقفون بين يدي الجبّار لا يتكلم منهم أحد، لسان حالهم يشهد، جوارحهم تشهد، أيديهم تشهد، ألسنتهم تشهد بأي شيء؟ بكل ما اقترفوه، بكل ما اكتسبوه، فذلك الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، لا يغادر طفلاً ولا شيخاً لا امرأة ولا عجوزاً ولا بيتاً قد هُدِم ولا شيئاً قد كُسر ولا قبلاً قد فُطِر على طفل أو شاب أو رضيع، ولا قطرة قد سُفِكت إلا أحصاها وسيسألهم عنها. (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ?3?) شهادات موثقة مسجلة فالأرض ستسألهم وتسجل عليهم الخطوات، وذرّات الرمال تحسب قطرات الدماء التي سكبت عليها بل تحسب حتى ما حوته بين ثناياها من جثث الأطهار والأبرياء من الشهداء الذين ذهبت أرواحهم مهراً للجنة والحق الذي آمنوا به. كل تلك الذرّات ستشهد عليهم يوم القيامة، الشهادات محسوبة والسجلات مكتوبة والرب عادل والمحكمة عادلة لا تعرف مهادنة ولا تعرف ظلماً فالكل سواء أمام ميزان الحق وأمام ميزان العدل الذي أراده الله أن يحكم بين عباده.

(قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ?4?) قُتِل الطغاة في كل عصر وفي كل زمان، قُتِلوا بكل ما شقّوا للمؤمنين من أخاديد. (النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ?5? إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ?6? وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ?7?) ولنا أن نتوقف عند كلمة (شهود) التي تتردد في هذه السورة العظيمة (شهود) والشاهد يُسأل، أنا سأُسأل وأنتم ستُسألون وكلنا سيُسأل ونحن نقف بين يدي العزيز الجبار سنُسأل عما فعلناه لأجل المؤمنين، عما فعلناه لأجل الحق وأهل الحق، هل ناصرناهم؟ هل وقفنا إلى جانبهم؟ هل وقفنا إلى جانب الحق الذي آمنوا ونؤمن به؟ أم كنا ضعفاء؟! الحق لا يُنصر بالضعفاء، الحق يُنصر بالأقوياء. ومن يبذل الروح والنفس والوطن في سبيل الحق الذي يؤمن به ليس بالضعيف، ليس بالعبد وإنما هو حرٌ سيّد مُطاع من سادات الجنة، هذا السيّد الذي استطاع أن يتعالى على الرغبة في الحياة الذليلة في ظل طاغية أو ظالم لم يعرف الله يوماً لم يعرف منهج الحق يوماً ولم يتخذه دستوراً هؤىء هم من يرفعون الحق ويرتفع بهم الحق. هؤلاء اختارهم الله في كل أمة من الأمم عبر التاريخ لترتفع على أعناقهم رايات الحقّ خفّاقة في كل الأرجاء ولتسطّر الأسماء بماء ليس من ماء الذهب بل بالدماء تلك الدماء التي ستشهد يوم القيامة بروعتها بعبقها هذه الدماء الزكية الطاهرة التي ستشهد للحق وأصحاب الحق وأنها ما سُفكت لأجل باطل، ما سُفكت لأجل كرسي أو منصب أو جاه، ما سُفكت لأجل مال، ما سُفكت لأجل حفنة من السنوات يجلسها الطاغية تمدّ في عمر زمانه أو وقته وإنما سُفكت لأجل التوحيد ولأجل كلة “لا إله إلا الله”.

سُئل بلاب ذلك العبد الضعيف في نظر أمية بن خلف: كيف كنت تتحمل ألم الصخرة وهي توضع على صدرك في حر الشمس في صحراء مكة؟ فكان يقول: مزجت مرارة العذاب بحلاوة الإيمان. وأصحاب الأخدود في كل زمان ومكان يمزجون مرارة النار المتّقدة بشعلة الإيمان في قلوبهم، ببرودة وبرد اليقين الذي آمنوا بالله به رباً وعرفوه به رباً. ولذا جاءت الآية العظيمة (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ?8?) لم تكن تهمة هؤلاء سوى أنهم آمنوا بالله وهل هذه تهمة أو أنها شرف وتاجٌ يوضع على رأس المؤمن يرتفع ويرتقي به في سُلّم الفردوس الأعلى. هذه التهمة التي بها ساق الطُغاة والظَلمة في كل زمان عبادَ الله من المؤمنين لأنهم رأوا في الإيمان والتوحيد تهديداً لعروشهم، تهديداً لمُلكهم، تهديداً لجبروتهم وطغيانهم وسطوتهم وحُقّ لهم أن يروا ذلك التهديد لأنهم أقاموا عروش ممالكهم على الكذب والطغيان والعدوان، أقاموها على قواعد واهية لم يقيموها على الحق والعدل والتوحيد الذي آمن به هؤلاء. (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ?8?) وتدبروا معي كيفية اختيار حتى الأسماء الحسنى التي وردت في هذه السورة العظيمة، سبحان الله العظيم! ما أعظم هذا الكلام! ما أعظم آيات القرآن وهي تتنزل على قلوب المؤمنين في كل وقت وفي كل زمان! عزيزٌ سبحانه لا يُغلَب ولا يُذلّ وكل الناس من بعده وكل الملوك وكل العروش وأصحاب العروش إلى زوال إلا مُلك العزيز الجبار سبحانه تعالى. (الحميد) والحميد اسم مشتق من الحمد فالله سبحانه محمود في أفعاله وقضائه وأحكامه، لا يخرج شيء في مملكته أبداً عن إرادته وبالتالي ما أراد وما قضى به من محنة أو ابتلاء أو أزمة أو أخدود قد حُفِر وأُضرمت فيه النيران أو قتلٍ أو سفكٍ أو ما حدث للمؤمنين أو من ابتلاء إنما هو محنة لهذا العبد وابتلاء للرقي وللترقّي به ورفعه في درجات الخلد، لماذا؟ لأن الحق يحتاج إلى أهلٍ يرفعون راياته والله يصطفي من عباده في كل جيل من يحملون راية الحق، فهنيئاً لكل من أصيب بمصابٍ في سبيل حقّ يؤمن به. هنيئاً لبلال، هنياً لذلك السيّد الذي بات سيداً في التاريخ حين تحرر من عبودية أمية بن خلف. هنيئاً لبلال وهنيئاً لكل أصحاب الحق من أمثال بلال وغير بلال عبر التاريخ في زماننا في وقتنا ممن جهروا بالحق، من رفعوها عالية خفاقة يقولون لا إله إلا الله في وجه كل طاغية ليوقفوا هذا الطاغية مهما تعددت الجيوش من حوله ومهما تعددت كل وسائل التدمير من حوله أن مُلكك إلى زوال، كيف لا يقتلهم؟ كيف لا يحرقهم بالنيران؟ كيف لا وهو يراهم بأُم عينه يهزّون عرشه وملكه ويقوّضون مملكته من تحت قدميه، كيف لا؟! الله الحميد أراد للحق أن يظهر على أكتاف هؤلاء ولذا بعض أصحاب النبي جاؤوا يشكون إليه ذات يوم وهو متوسّد بردة له في ظل الكعبة يشكون إليه ما وصل إليه حالهم من تعذيب وتشريد وقع عليهم من المشركين وهكذا حال المؤمنين في كل زمان ومكان، فقالوا له: يا رسول الله ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فإذا بالنبي ، النبي الذي يحمل في قلبه وبين خافقيه ذلك الحنان الفيّاض، تلك الرأفة العجيبة التي ملأت الأرض عدلاً ورحمة ونوراً إذا بهذا النبي الكريم يقول لهم معلِّماً وموقظاً: كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض فيُجعل فيه فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشقّ باثنتين فما يصده ذلك عن دينه ويُمشط بأمشاط الحديد دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون. يا لها من عِبرة! يا لها من عِظة أحتاج أن أعبر إليها إلى واقعي الذي أنا أعيش فيه. إذن هي المحنة، هي الابتلاء، وإنما الحق قد سُطِر أنه هو الأعلى وأنه هو المنتصر. المعركة بين الحق والباطل معركة محسومة لصالح من؟ لصالح أهل الحقّ، أهل الحق سواء انتصروا في الدنيا وظهر انتصارهم وأتاهم الفتح من عند الله سبحانه أو لم يأذن به، سواء أضرمت فيهم النيران أم قُتّلوا أم سُفكت دماؤهم أو هُدّمت عليهم بيوتهم الله ناصرهم، الفوز قد كُتب لهم، فازوا الفوز الكبير ولذلك ربي في هذه السورة قال (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) الفوز قد تحقق، متى تحقق يا رب؟ الفوز في ميزان الله قد تحقق حين قام هؤلاء قاموا بالحق الذي آمنوا به، قاموا في وجه الظلم والطاغوت والعدوان وقالوا له توقف إن ربك لبالمرصاد، الحق والنصر قد تحقق، الفوز قد حدث، لا يهم المعركة التي كانت. أصحاب الأخدود لم تذكر سورة البروج لهم كيف كانت نهاية الطاغية والحاشية التي كانت معه، لم تذكر أنهم قد أُهلكوا بالغرق كما في فرعون أو كما في ثمود بالريح لم تذكر لهم عقاباً دنيوياً، لم تذكر لهم نهاية مأساوية كما يُخيّل أو يظن البعض أو يتوقع دائماً. ولكن الظالم سواء أكانت النهاية المحسومة المحتومة قد وقعت له بشكل يشفي غليل المؤمنين ويشفي صدور المؤمنين أم لم تقع فالخسارة في حقه قد حدثت، له نار جهنم يخسا فيها أبد الآبدين! ما قيمة أن يعيش حفنة من الأزمنة أو من السنوات؟! ما قيمة أن يعيش الدنيا طولاً وعرضاً ويزهو بها والنهاية الحتمية خلود إلى النار إلى جهنم وبئس المصير؟! المعركة محسومة. نحن اليوم كبشر كما قال النبي لأصحابه “ولكنكم تستعجلون” أما اليوم الموعود فالجزاء فيه محسوم.

وتأملوا معي الآية التي تليها حين يقول الله (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ?8? الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ?9?) من هو الملك؟ من الذي بيده مفاتيح السموات والأرض؟ من الذي يُصرِّف الأمور؟ من الذي يغير الأحوال؟ من الذي يقول للشيء كن فيكون؟ من الذي إذا أراد نصراً تحقق؟ من الذي إذا أراد فتحاً فتح به على المؤمنين؟ من الذي إذا أراد أن يرفع البلاء رفع؟ الله سبحانه! ولكنه سبحانه كل شيء عنده بمقدار والله على كل شيء شهيد. لا تخشى شيئاً، أنت لست بحاجة إلى شهادة مراقبين، أنت لست بحاجة إلى شهادة موثّقة من مؤسسات أو منظمات دولية فالله شاهد وشهيد عليك. الله قد شهد على كل شيء فهو الشهيد، هو العالم الذي يعلم بكل شيء يحدث في مملكته سبحانه وهو الحامد الحميد في أفعاله سبحانه، له في كل شيء حكمة. ما يمر بك من محنة أو ابتلاء أو تجويع أو حصار أو تدمير أو هدم أو برد أو قسوة أو سطوة إنما هو ترقّي لك في سلّم الإيمان والتوحيد والنجاح فاصبر إن العاقبة للمحسنين الصابرين المرتقين في سُلّم التوحيد والإيمان الصادقين الثابتين على الحق. ولذا جاءت الآية التي تليها (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) وتأملوا معي رحمة رب العالمين، باب التوبة المفتوح لكل الناس لكل إنسان مهما طغى مهما تجبر إن رجعتَ عن الباطل والغيّ الذي أنت فيه فإن باب التوبة مفتوح ولكن عليك أن تُصحِّح، عليك أن تؤوب، عليك أن تتوب، عليك أن تعود إلى خالقك، تعود إلى نفسك، تعود إلى الروح التي خلقها الله لتتأمل فيها لتتدبر في نفسك وأحوالك لترى ما أنت صانع في نفسك؟ (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) هو الحريق ولكن الحريق يختلف بين حريق الدنيا والنار التي أُضرمت في أصحاب الأخدود في أيّ زمن وفي أيّ وقت وبين ذاك الحريق الذي ينتظر المجرمين والطغاة والظالمين ممن لم يتوبوا ولم يعودوا إلى خالقهم أبد الآبدين.

التاريخ : 06-07-2012

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش