الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ولادة الحـــب

تم نشره في السبت 4 شباط / فبراير 2012. 02:00 مـساءً
ولادة الحـــب * بقلم: الدكتور أحمد داود شحروري

 

انطلق جيش أبرهة قاصدا مكة يركب فيل الكراهية، يحمل في قلبه حسدا يكفي لهدم جبالها، وحقدا يسعه أن يملأ وديانها، وذنب البيت الذي قصده أبرهة أن العرب كانوا يحبونه ويعظمونه ويقصدونه لأجل ذلك. سار أبرهة يوزع كراهيته على جنده يعبئهم بها ضد البشر والشجر والحجر، وكان من أمر أبرهة ما كان، وحكى القرآن الكريم قصته لنبيه "ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل..." , لقد استفاض أمر أصحاب الفيل حتى أنزل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم منزلة الذي رآى "ألم تر" ، وقد جعل سبحانه كيدهم في تضليل ، والكيد وليد الكراهية لكنها كراهية باطلة ، لاتثبت أمام نور الحب الذي بعث به المصطفى صلى الله عليه وسلم بله الذي ولد من أجله .

ليست صدفة ولادة الحبيب صلى الله عليه وسلم عام الفيل ، الذي كانت هزيمة جند الباطل فيه إرهاصا من إرهاصات بعثته صلى الله عليه وسلم ورفعة شأن دينه ، فلقد جعل الله تعالى نصرة الكعبة وتثبيت أركانها بردّ كيد أبرهة إيذانا بصلاح حال العرب الذين اختارهم سبحانه ليكونوا أمة الرسالة الخاتمة بعد أن كان القوي فيهم يأكل الضعيف ، والرجل يستقوي على المرأة ، والحر ينتقص من إنسانية العبد ، لكنهم أمة الكرم ونجدة المستغيث ، أمة كانت ترى أن الزنى ليس من شيم الفضيلة ، أمة في جاهليتها صاح شاعرها عنترة :

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مثواها

حتى جاء الحبيب عليه الصلاة والسلام مقرّا لأمته بهذا كله معلنا : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ، وبإتمام هذه المكارم صنع صلى الله عليه وسلم الحب لبِنات تبني صرح الحضارة الإسلامية ، آخى بالحب بين الأنصار والمهاجرين ، وعفا بالحب بعد ذلك عن قومه الذين ساموه وصحبه سوء العذاب : "اذهبوا فأنتم الطلقاء" ، ودعا إلى ثقافة : "إني أحبك في الله" ، "أحبك الذي أحببتني فيه" ، لتكون بوصلة الحب عقيدة تلتقي عليها الأمة فتحركها إلى كل فضيلة وتثبطها عن كل رذيلة.

بالحب عاش صلى الله عليه وسلم بين أصحابه يحدب عليهم ويقوم على شؤونهم : "سيد القوم خادمهم" ، وبالحب ساس عليه الصلاة والسلام بيته : "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" ، "ما أكرمهنّ إلا كريم وما أهانهنّ إلا لئيم" ، والحب في دينه صلى الله عليه وسلم أساس الرحمة "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم" ولا يكون ذلك إلا من محب "حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم" : ثمرة الحب.

لم يبن صرح حبه صلى الله عليه وسلم لزمانه وحده ولكنه أسسه متينا ليخلد إلى قيام الساعة : "واها لأحبابي" قالوا: يا رسول الله ألسنا أحبابك؟ قال: "أنتم أصحابي أما أحبابي فقوم آمنوا بي ولم يروني، أجر الواحد منهم كأجر خمسين" قالوا: منا أم منهم؟ قال: "بل منكم ، فإنكم تجدون على الحق أعوانا ولا يجدون على الحق أعوانا".

تظلنا ذكرى مولدك سيدي يارسول الله في عامنا هذا ونحن نشهد آثار الكراهية في مجتمعات كان ينبغي أن ترث الحب الذي صنعت ، فقد استعمل على بعض خلق الله في دنيا العروبة والإسلام من قتلوا ودمروا ويتموا وأثكلوا ، زرعوا بذور الكراهية ففرقوا الناس على أسس جاهلية استئثارا بالحكم ومنعا للمنافسة ، وهذه هي الذكرى الثلاثون لمجزرة مدينة حماة التي راح ضحيتها قرابة خمسين ألفا من مواطنيها تطوف بنا ونحن نحيي ذكرى مولدك سيدي يا رسول الله ولا يزال المزيد من أطفال سورية الذبيحة يسقطون جرحى وقتلى ، ومازالت نساء حماة خاصة وسورية عامة تتعرضن لأبشع صور التنكيل والهتك والتعذيب النفسي، قبل ثلاثين عاما ركز القتلة جهدهم لهدم مآذن المساجد منارات الحب لكي يمنعوا استعلان ذكر اسم الله تعالى الذي بعثك بالحب ، واليوم يعود صناع الكراهية للطريقة ذاتها باستهداف المزيد من المساجد والمآذن بعد أن استهدفوا كل شيء يتحرك على الأرض.

ترى من المستفيد من اقتلاع جذور المحبة التي شيدها المصطفى صلى الله عليه وسلم سوى عدو الأمة الذي تسوءه وحدتنا ويسره تناحرنا حتى تبنّى أنظمة تقوم بدوره خير قيام، وزركشها حتى تبدو للناظرين على خلاف حقيقتها ويبدو مستهدفوها على خلاف قصدهم .

سيدي يارسول الله في أهم منعطفات ما يسمى بالربيع العربي تأتي ذكرى مولدك لتكون مصدر إلهام لكل غيور على مصير الحب الذي زرعته في أجواء أمتك ، فإما أن يستعلن الحب وتوءد الكراهية وإما أن ينقلب الربيع إلى خريف -لا قدر الله- لا يدري أحد متى ينقضي ، غير أن أملنا في الأمة كبير وقد قالت كلمتها في أصقاع أرض العروبة والإسلام ، وأنت قلتها يا سيدي : "لاتجتمع أمتي على ضلالة" ، و "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن" ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون"، "والله متم نوره ولو كره الكافرون".

التاريخ : 04-02-2012

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش