الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لبنان وعسر الهضم السياسي!!

خيري منصور

الثلاثاء 1 أيلول / سبتمبر 2009.
عدد المقالات: 1791
لبنان وعسر الهضم السياسي!! * خيري منصور

 

ربما كانت الاكلات اللبنانية وبالتحديد المقبلات هي الاشهى في منطقتنا على الاقل ، لتنوعها وغزارتها لكنها على الاغلب تصيب المفتون بها بعسر الهضم ، خصوصا اذا كان ممعودا او يشكو من بيت الداء.. ولا تبتعد السياسة كثيرا عن المطبخ فهي مثله عسيرة الهضم لكنها تغري بحراك تنافسي تحت شعار الديمقراطية ، رغم ان ديمقراطية المعجنات الطائفية في عالمنا العربي اثبتت بطلان جدواها وتحولت الى ذريعة لحروب اهلية تراوح بين الباردة والدافئة والملتهبة.

عاش لبنان حربا اهلية دامت اكثر من عقدين ثم امتدت ظلالها اعواما اخرى ، وما ان هدأ الحريق ، حتى رأى من لم يصب عيونهم الكلل ولم يغطها الصديد تحت الرماد وميض جمر ويوشك ان يكون له ضرام ، كما قال الشاعر نصر بن سيار في برقية للخليفة ارسلها من خراسان.

ولان لبنان وليس خراسان او اوزباكستان او اي ستان اخرى هي بيت القصيد في هذا السياق فمن باب اولى ان نبدأ من اول السطر.

حكومة يتعطل تشكيلها رغم الاعتراف بنزاهة وسلاسة الانتخابات التي افضت اليها ليست الامثولة الوحيدة في كل ما يجري تعطيله في لبنان فالهراوات غليظة والعجلات ايضا بحاجة الى تشحيم او تزييت بعد ان اصاب مفاصلها الصدأ.

كان لبنان لوقت طويل نموذجا لسوء فهم عربي له ولنيسجه ومجمل خصائصه ، فالسياحة طالما طغت على السياسة ، والديمقراطية لم تقرأ عميقا بل قرئت افقيا وعلى نحو سياحي ايضا وثبت بالفعل وبعد دفع الثمن الباهظ ان المحاصصة الطائفية لا تصنع في نهاية المطاف ديمقراطية تستحق ان تحتذى.

ثمة في التجربة اللبنانية كلها عسر هضم مزمن فليس كل ما هو شهي سهل الهضم ، وليس كل ما هو متاح مفيد ، واللبنانيون يعانون الان شأن اشقائهم العرب سواء كانوا من الالداء او الاوفياء من ازدواجية في موقف يصعب فرزه ، فثمة خطاب يقاوم ، ويستخدم مفردات لا تقبل التدجين ، مقابل خطاب برغماتي يرى في الراديكالية انتحارا وطنيا.

ويروى زعيم لبناني قبل بعد بطالة وزارية استمرت اعواما بمنصب لا يليق به ، وحين سئل اجاب بان العشب نبت على الممر لندرة الزوار ، وهذا ما يقال بلهجات عربية مختلفة عن كل من يتوقف جرس هاتفهم عن الرنين ويعزف الناس عنهم بعد اقبال شديد ومزعج في بعض الاحيان.

ان في التجربة اللبنانية شيئا معطلا ومسببا لعسر الهضم السياسي غير الثلث او الربع او حتى العشر.. انه من صميم التجربة ذاتها ، لهذا فلا سبيل للخلاص والخروج عن مدار الحروب الاهلية على اختلاف درجة البرودة او الحرارة الا بمجتمع مدني تكون ديمقراطيته غير مرتهنة للمحاصصة الطائفية والنسب المئوية للوظائف بدءا من ساعي البريد وقد يبدو هذا الكلام طوباويا ومتحررا من جاذبية الواقع ، لكنه من الناحية المنطقية وصفة يقترحها التاريخ اكثر مما تقترحها الجغرفة الطائفية او النخب المرتهنة ، التي سبق لباحث لبناني ان فكك ظاهرتها واعادها الى عناصرها الاولى ضمن منطق الاستزلام كما سماه،

لقد زاوح لبنان بين الالفية الثالثة وما قبل الالفية الاولى ، من خلال حراك سياسي يبدو احيانا غير مفهوم الا لمن اوتي علما كثيرا وغزيرا في فقه الطوائف والمذاهب ، لبنان اسرع من غزال وابطأ من سلحفاة وقراه الجبلية التي اقترنت في ذاكرتنا القومية بالناي والحمائم والحب كانت تتخفى وراء الاكمات حربا فوجئ بها من رأى في لبنان سوقا حرة للافكار ، سبق للراحل خليل حاوي ان قال بان الفكرة تولد في السوق بغيا.. ثم تقضي العمر في لفق البكارة.. ذلك لاننا ولدنا بوجوه مستعارة!

التاريخ : 01-09-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش