الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مدن أم عناقيد قرى؟؟

خيري منصور

الأحد 27 أيلول / سبتمبر 2009.
عدد المقالات: 1791
مدن أم عناقيد قرى؟؟ * خيري منصور

 

اعترف بانني كلما حاولت الاقتراب من هذه الابواب خالجتني الخشية من الالتباس الذي قد يفضي الى سوء فهم ، ولا بأس ان اذكر تلك الواقعة التي اوشكت ان تتحول الى فوبيا قروية ، عندما قلت لاحد اقاربي وانا في السنة الاولى في الجامعة ، انه لا يفهمني ، وكنت اقصد انه لا يتفهم ظروفي ، فغادر المكان وهو يصرخ غاضبا ان هذا الولد ذهب الى الجامعة عاما ثم عاد ليقول باننا لا نفهم،،

وهناك مثل انجليزي معروف ، يقول ان الانسان قد يخرج من القرية ، لكن القرية قلما تخرج منه ، وهذا بالضبط ما نعانيه نحن الذين ولدنا في القرى ما قبل الكهرباء وما قبل الحزب والنقابة ، بحيث بقي المزاج السائد قرويا بكل ما يعنيه من فجاجة وسرعة في التغيير ، وقد يكون عالم الاجتماع العراقي الراحل د. علي الوردي احد ثلاثة او اربعة من علماء الاجتماع العرب احفاد ابن خلدون الذين وضعوا اصابعهم على الجرح ، فقد كتب الوردي عن البداوة والترييف وكيف يطلان برأسيهما حتى في التجارة والجامعة والعيادة والخندق ، مثلما كتب د. سيد ياسين ود. حامد عمار ود. علي زيعور واخيرا د. جلال امين عن الشخصية العربية وامراضها المزمنة والاصرار على استبعاد الشفافية تماما كالدول التي تفرض السرية على موازنتها ومتوسط دخل افرادها كي تبدو غنية ومكتفية بذاتها رغم انها تعج بملايين المتسولين ، او الدول التي لا تعلن عن عدد سجنائها كي تبدو حرة لكنها زنزانة بسعة بلد ، او تلك التي تخفي حتى اصابات انفلونزا الخنازير كي تبدو نظيفة رغم انها تمتلئ بالمصابين،

وحين نتحدث عن المزاج القروي لا يأتي ذلك من باب التعالي او الادانة ، فنحن قرويون ، حتى من ولدوا في بلدات مضاءة بالكهرباء ويأكلون الخبز الابيض ويذهبون الى السينما هم قرويون ايضا ، فالمدن التي تستكمل مقوماتها في عالمنا العربي قليلة ، لكن هناك فارقا بين الاعتزاز بالجذور وبين الاقامة بين القبور .

المزاج القروي يفرض على الزوج ان يجلس بجانب سائق التكسي وتجلس زوجته بمفردها في المقعد الخلفي ، رغم ان هناك مدنا تعزل السائق عن الراكب بجدار زجاجي ، وذات يوم ركبت سيارة اجرة في باريس كان يجلس فيها بجوار السائق كلبه.

المزاج القروي يفرض على المخابز ان تضيف نسبة من السكر لتحلية الخبز حتى لو كان من النخالة لان السكر الذي اصاب خمس عدد السكان له اسباب اخرى غير الانفعالات والافراط في التهام الحلويات.. فالفقراء يستعيضون عن الفاكهة بالسكّر ، ويعفون عن كل نكهة قريبة من المرارة او بعيدة بشكل او بآخر عن السكر والمزاج القروي يقرر النميمة ثقافة سائدة في الاحياء والدوائر ، والمقاهي والاندية ، والمزاج القروي يضع ذوي القربى فوق الزملاء او رفاق الحزب والمهنة ، وهو ايضا يدفع الافراد الى اخفاء طبائعهم ، والتنكر باقنعة تجعلهم مقبولين في النادي الاجتماعي ، وهكذا يجد الكذب مجاله الحيوي فيصاب الناس بالشيزوفرينيا،

ان المدن لا تتشكل من عمارات واعمدة كهرباء وشوارع واسعة تعج بالسيارات ، فقد تكون واحدة منها رغم توفرها على كل هذه المظاهر عنقودا من القرى المتلاصقة.

ان للمدينة تعريفا اخر ، تفرضه انماط الانتاج والثقافات والتطور العضوي الذي اتاح للمدن ان تفرز تشكلات سياسية واجتماعية لم تفرزها القرى.

ان علماء الاجتماع العرب مطالبون بالترجل عن منصاتهم الاكاديمية العالية لفحص عينات من هذه المجتمعات العربية التي تضع قدما في الماضي واخرى في المستقبل ، فلا هي هنا ولا هناك ، ولا هي قرى بكل ما نعرفه من خصال اهلها وطبائعهم وعلاقاتهم ولا هي مدن حرة. لانها باختصار اضاعت المشيتين.. مشية القرية ومشية المدينة ، وتعيش الان في منطقة انعدام الوزن ، بحيث لا تستطيع ان تهتدي بالبوصلات المعطوبة الى اية جهة ، انها الصمت الشجي بين الربابة والبيانو،



التاريخ : 27-09-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش