الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عَبَسوا وتولّوا،،

خيري منصور

السبت 19 أيلول / سبتمبر 2009.
عدد المقالات: 1791
عَبَسوا وتولّوا،، * خيري منصور

 

بدءاً ، ما كنت أود أن أودع رمضان بهذه الحكاية التي شهدتها في احدى لياليه ، عندما دخل عجوز أعمى الى أحد المقاهي الجديدة في الضواحي ، حيث تحمل القهوة والمشروبات كلها أسماء غير عربية ويتبادل الزبائن عبارات تشي بانجليزية محدثة النعمة ، فهي انجليزية سياحية ، وفي أحسن الأحوال استعراضية واستهلاكية ، لا صلة لمن يرطنون بها بشكسبير أو إليوت أو حتى الجارديان والديلي ميرور ، ورأيت أحد العاملين يقتاد العجوز الأعمى الى خارج المكان ، وكأن هذا الانسان ندبة في وجه المقهى ، أو عورة اجتماعية يجب التستر عليها.

على المائدة المجاورة كان يجلس رجل عرفت فيما بعد أنه سويسري ، نهض من مكانه وركض خلف العجوز وأعاده الى المقهى ، ثم طلب له مشروباً بعد أن دفع الثمن ، وفي تلك اللحظات تدفقت في ذاكرتي أشياء ومشاهد وأفكار عديدة ، عن الشرق والغرب ، والعقائد وأنماط السلوك والثقافات ، وتذكرت معظم الأمثلة والشواهد التي قدمتها عن الشرق والغرب في كتابي «الاستشراق والوعي السالب» ، وتعليقات بعض الغربيين ممن قرأوا الكتاب على الطريقة التي ننظر بها الى الآخر ، أو نعتقد بأن الآخر ينظر من خلالها الينا.

لم أقاوم الرغبة في التعرف على ذلك الرجل فعرفت أنه من سويسرا وأن لديه عملاً في عمان يتطلب منه الحضور اليها بين وقت وآخر ، وأعرب هذا الرجل عن شعور بالأسى لما شاهده ، وقال لي بأننا جميعاً معرضون للشيخوخة والعمى والكساح ، وما من بوليصة تأمين تحول دون اصابتنا بهذه المصائب ، وحين استأذنت بأن أدفع ثمن المشروب الذي تناوله العجوز اتسعت عيناه الزرقاوان ، واحمرتا قليلاً وقال ان هذا الموقف يضاعف من حزني ، فاعتذرت وطلبت منه أن يلبي دعوتي على مشروب آخر ، وانتهى بنا الحوار الذي استغرق ساعتين الى أن هناك التباساً سياسياً في مجمل العلاقات الانسانية ، وأن الغرب ليس كله غرباً كما أن الشرق ليس كله شرقاً ، وأن البشر لا يصح أن نحكم عليهم بالجملة وفقاً لانتسابهم الى جنس أو دين أو قارّة..

وأحسست أن الرجل السويسري بدأ يشعر بالارتياح عندما قلت له بأننا نفرق بين غرب وآخر ، فغرب الأم تيريزا والأب بيير ، وارنولد توينبي وبرتراند رسل ليس غرب تشرتشل ودي موليه وبوش ، وعلى الفور قاطعني بالقول.. ان الشرق أيضاً ليس كله طاغور ومانديلا ، ففيه أباطرة وطغاة ، واستشهد بمن يراهم من عرب في أوروبا لا شأن لهم بما يجري من دماء في أزقة قراهم وأوطانهم المستباحة.. ولم يكن تبادل هذه الآراء سجالاً بين شرقي وغربي بقدر ما كان وسيظل حواراً مفتوحاً بين بشر يكدحون على هذه الأرض ، ويكبرون في السن معاً ، ويتعرضون للأوبئة معاً.. وأخيراً يموتون لأن قدرهم البشري هو أنهم جميعاً فانون،

وما لم أقله للرجل وما لن يقرأه أيضاً في هذه المقالة ، هو أن ما ضاعف من حزني أيضاً عندما شاهدت العجوز الأعمى يُطرد من المقهى ، أننا في شهر رمضان بكل دلالاته المعروفة لكن المحفوظة عن ظهر فم لا عن ظهر قلب ، وبعد أن غادر السويسري المقهى ، قلت للشاب الذي اقتاد الأعمى الى خارج المقهى ، بأن لدينا في موروثنا الاسلامي موقفاً ننفرد به بين العقائد كلها ، وهو العتاب الإلهي للنبي لأنه ذات يوم أشاح عن أعمى طرق بابه ليسأله..

واليوم حيث تنتهي الحلقات التلفزيونية والمسلسلات سواء كان معدنها من فضة أو قصدير ، نودع شهراً أسأنا فهمه ، وربما لهذا السبب فقط أرجأت المقالة أسبوعين.

وكل عام والاثنان بخير.. العجوز الأعمى والسويسري الذي استضافة نيابة عنا جميعاً،



التاريخ : 19-09-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش