الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أطر الرّوادع ،

خيري منصور

الاثنين 12 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
عدد المقالات: 1791
أطر الرّوادع ، * خيري منصور

 

انتهى منذ زمن الحديث عن آخر القلاع وآخر الخنادق وآخر الحروب ، وما تبقى هو آخر الروادع أو الكوابح ، رغم أن هذه المصطلحات هاجرت من الأفعال البشرية الى الآلات والسيارات ، فهي ذات كوابح محكمة ، ومؤمنة ، أما الانسان فهو الآن مجرد شيء ملقى على هامش العالم ، مما دفع شاعراً روسياً ذات يوم الى أن يصرخ بمن يقود هذا الكوكب نحو المجهول مطالباً اياه بالتوقف كي يترجل عن هذه الحافلة المستديرة..

والكوابح على ما يبدو نوعان أحدهما موضوعي لا صلة له بالارادة والخيار الحرّ هو القانون والآخر ذاتي يستمد قوته وفاعليته من التربويات ، وأحياناً يتحالف القانون مع الضمير فتكون الحصيلة مجتمعاً مدنياً وآمناً ، لا يصاب الناس فيه بالرعب على مستقبل أبنائهم وأطفالهم ، وحين يحدث العكس ، بحيث يصبح القانون مخترقاً وفاقداً للهيبة وقابلا للتجيير والتقويل لا التأويل فقط ، ويفقد الانسان كوابحه الذاتية فإن الهاوية تصبح قاب خطوتين أو أدنى، عندئذ ما من غفران يُرتجى ، وما من غد غير البارحة المتكررة بكل ما يصاحبها من مراوغة الثعالب ، ولا أدري لماذا نتناسى أحياناً الخيال ، فهو وحده الذي يتيح للبشر أن يضعوا أنفسهم في مكان الآخرين ، أو حسب ترجمة دقيقة وبلا تصرف يضعون أنفسهم في أحذية الآخرين كما يقول المثل الانجليزي الشهير.

ان غياب الرّوادع ، لا يعادله سوى حضور الفوضى المدمرة التي تدفع كل شيء الى أن يلتهم نفسه بحيث يحل التآكل مكان التكامل والمراذلة مكان المفاضلة ، فالجميل هو الأقل قبحاً والطويل هو أطول الأقزام قامة ، وحسب ما يرى فلاسفة التاريخ ، فإن الحضارات عندما تبلغ أرذل العمر تصاب بذبول الارادة وحلول التأقلم والامتثال والمحاكاة مكان العصيان والتمرد والمغامرة ، لكأن الخير يجرّ المزيد منه كما يقال ، والعكس صحيح أيضاً،

وحين يوصف شخص ما بأنه آخر المحترمين أو بلد ما فإنه آخر الممانعين أو مثقف ما بأنه آخر الأحرار فإن الأمر يصبح جللاً ، ونكون بالفعل على تخوم قيامة تحرر هذه المقابر مما تراكم فيها وما عادت الأرض تقوى على حمولته..

ان نقصاً جذرياً في ثقافة القانون ، هو السبب الذي جعل بعض الناس يخافون منه ، ويعتقدون أنه يحول دون تحقيق رغائبهم ، وكلما كانت المجتمعات أبعد عن التمدن يزداد لديها الاعتقاد الخاطىء بأن القانون يحمي خصومها فقط ، وحين كتب فوكوياما عن هذه المسألة أجاد ألف مرة أكثر مما أجاد عندما نظر للعولمة ونهاية التاريخ ، فالقانون كما يراه هو المنجز المعرفي والمدني الأرقى في التاريخ لأنه بمرور الوقت يمتزج بالرادع الذاتي ويضرب مثلاً ، بشخص يلحق ضرراً بسيارة واقفة على الرصيف ولا يراه أحد ، لكنه بشكل عفوي يمد يده الى بطاقته ويترك لمن أصابه الأذى عنوانه ورقم هاتفه ، ليس لأنه متفضل في ذلك ، بل لأن لديه خيالاً ، ففي المرة القادمة ستتعرض سيارته للاذى وسيعامل بالطريقة ذاتها..

القانون مقايضة راقية ، وهذا الوصف لا يقلل من أهميته وجدواه ، لأن المستفيدين منه اذا طبق بلا اختراقات الجميع.. كيف سنعيش إذا كان آخر الروادع في خطر؟ وأية سفسطائية جديدة تلك التي ستحول الفرد مقياس الخطأ والصواب ، ان اسوأ عبارة تتردد في حياتنا اليومية هي ما الذي سيقوله الناس عنا إذا رأونا نفعل هذا الشيء أو ذاك.. إذ نادراً ما نسمع أحداً يقول ما الذي سأقوله عن نفسي لنفسي إذا فعلت ما سوف أخجل منه؟

بعد آخر القلاع وآخر الحروب وآخر الزمان يتهيأ آخر الروادع للرحيل.. فوداعاً أيها الخجل،،،



التاريخ : 12-10-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش