الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بالشعير وَحْدَهُ،،

خيري منصور

الأربعاء 7 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
عدد المقالات: 1791
بالشعير وَحْدَهُ،، * خيري منصور

 

كم اخطأنا عندما كررنا عبارة السيد المسيح: ليس بالخبز وحده يحيا الانسان ، فما قاله قبل ألفي عام كان عن بشر رغم قسوتهم «واسخريوطيتهم» لم يبلغوا ما بلغناه في مطالع هذا القرن ، حيث أصبح الانسان يعيش بالشعير أو بما هو دونه ، لأنهم حذفوا آخر فارق جوهري بين الآدمي والحيوان ، واذا كان العلماء يتساجلون الآن حول نظرية داروين وما قاله عن أصل الانسان ، فذلك لأنهم بعيدون عنا ويقبعون في مختبراتهم آمنين ، ومؤمنين صحياً وسياسياً وانسانياً.

ما اخطأ به داروين هو الحديث عن أصل الانسان لأن الحقيقة أن القرد كان ينتظره في المستقبل وليس قبل ملايين السنين ، وما يحدث الآن للبشر هو «تقريد» بعدة امتيازات حيوانية وثديية ، فالمطلوب من الفرد أن يتخلى عن كل خصائصه وكل ما جعل منه كائنا جديراً باسم خاص به وخيارات تمليها عليه ثقافته وخبرته ، المطلوب الآن هو رقم في تعداد ديمغرافي أو قطعة غيار سهلة الاستبدال ، وللمفارقة فان ما تقع عليه عيناي الآن وأنا أكتب هذه السطور لوحة لفنان عربي مهاجر ، وهي كلب يدخن السيجار ويرتدي ربطة العنق ويضع في جيب سترته صحيفة ، ويقتاد آدمياً يمشي على أربع فوق رصيف مزدحم.. لقد سبق هذا الفنان المنفي علماء الأحياء عندما اكتشف الحلقة المفقودة في حياة الشمبانزي أو الاورانج أوتان وهي فصائل من القردة الأكثر تطوراً..

من عاش بالخبز وحده قبل ألفي عام كان لديه قمح غير مغشوش ، وكان يعلف خيوله بالشعير ، لكن التاريخ الذي مضى بعيداً عن مجراه قاد الانسان الى هذه الاسطبلات الأنيقة والمكيفة الهواء ، فهو الآن يعيش ليأكل ولا يأكل ليعيش ، هذا اذا وجد ما يأكله غير الهواء الملوث،

كيف استطاع دهاقنة التقزيم والتسفيل مقابل ما يسميه علماء النفس التصعيد أن يوصلوا الكائن الآدمي الى هذه المرحلة؟

سؤال قلما ينشغل به مثقفون توقفوا عن النمو عن مرحلة تثقيف النخيل والرماح.. فلا بد أن هناك فلسفة شيطانية حظيت بالرعاة والمتعهدين بحيث تنامت في التاريخ حتى بلغت هذه المرحلة ، فالرعب أصبح اكاديمية لها أطروحاتها ، وكذلك ثقافة الريبة والتضحية بالابن كي ينجو الأب،

سهل علينا أن نحصي الوقائع سياسية أو اجتماعية أو ثقافية ثم نقتصر على التوصيف واضافة علامة تعجب، لكن الانهيار الآن سياق متسق فهو يشمل السياسة وأدبياتها وتفاصيلها الميدانية مثلما يشمل الاسرة والمدرسة والوظيفة والشارع وأظن أن الوقت آن كي تقلع النعامة العربية عن عادتها الغبية ، وان ترفع رأسها من التراب كي ترى ما الذي لحق ببيتها وأبنائها وبالأرض التي كان تتبرطع فيها ثم سحبت من تحتها كالبساط،

لماذا لا يتحول الحزن الى غضب؟ وأية كيمياء هذه التي تحول الدم الى ماء والدمع الى غسيل للعين؟ والله لو كان متوسط عمر الانسان قرنين أو ثلاثة لاستحقت الحياة هذا الثمن الباهظ الذي يضاف فيه ماء الوجه الى ماء العين ، فهل سيأتي يوم يشك فيه أحفادنا بكل ما قرأوا وسمعوا عن تاريخنا؟ لأنهم يرون البالغين لكل شيء غير الرشد الوطني يطبخون لهم حجارة وحصى ويقولون انها فاصولياء.. أو يحذفون صفة المكر من صفات الحصان الذي امتدحه امرىء القيس كي تبقى صفة واحدة هي المفرّ؟

ان من كانوا يتفرجون على العالم أصبحوا الآن فرجة وسيركاً مفتوحاً على مدار اللحظة وبالمجان ، وآخر ما أنجز الانسان الذي استؤصلت آدميته وكرامته الانسانية كالزائدة الدودية هو دفاع الفريسة عن الصيّاد ، وتبرئة الضحية للجلاد.. فهل نصدق أحد المؤرخين عندما قال بأن زمناً مرّ علينا كانت الضحية فيه تستأذن الجلاد لقضاء حاجتها ثم تعود صاغرة تحت قدميه؟؟؟



التاريخ : 07-10-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش