الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حلفاء بلا أقنعة ،،

خيري منصور

السبت 10 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
عدد المقالات: 1791
حلفاء بلا أقنعة ،، * خيري منصور

 

ما من يوم يمر وأقرأ فيه تعليقات السادة القراء على مقالات الكتاب في مختلف الصحف العربية إلا وأتذكر فيه تلك العبارة التي استوقفتني منذ عقود للناقد هربرت ريد .. قال أن هناك تحالفاً غير معلن بين القارىء الحر والكاتب الحرّ ، يقابله تحالف آخر مضاد بين الكاتب المرتهن والقارىء الأعمى ، والمقصود بالعمى هنا ليس البصر ، لأن العميان علمونا كيف نرى منذ المعري حتى طه حسين وبورفيس ، بل هو عمى البصيرة ، واستلاب الوعي.

هذا التحالف لم يكن معلناً عندما كتب عنه هربرت ريد ، لكنه الآن معلن وواضح وسافر ، عبر مختلف وسائل الاتصال وفي مقدمتها الانترنت ، وأول ما يجب الإقرار به وبصوت جهوري هو أن القارىء العربي رغم تدني مستويات القراءة في النطاق القومي بأسره .. قد بلغ رشداً تتعذر معه مواصلة الخديعة ، منهم لم يعد طائر الحجل الذي تخطف بصره الألوان الفاقعة ، بحيث يهبط من الأعالي التي يعشش فيها الى القيعان حيث الكمائن وبالتالي القبور..

شب هذا القارىء عن الطوق الذي ضرب على عقله وليس على عنقه فقط لقرون ، وأصبح قادراً بحصافة وخبرة على فرز القمح من الزؤان قبل أن يتورط بالتهام الزؤان الذي يكسر أضراسه ، ذلك ببساطة لأنه تلقح ضد اللدغ الناعم بأمصال كانت من صميم دمه ونخاعه ، لهذا نخطىء إذ نظن أن الطبول تغطي على أصوات النايات وأنينها النبيل ، ما قاله هربرت ريد تواجهنا تجلياته يومياً من خلال الأصداء التي تعقب هذا الرأي أو ذاك وحين يشتبك القراء مع بعضهم عبر الانترنت أو بريد الصحف ، فإن معنى ذلك أن الكاتب لم يعد وحيداً ، فهو على موعد يومي مع ضمير جماعي ، ورقابة صارمة كغربال محكم الثقوب ، لأن ما دفعه العربي من أثمان لهذا الوعي تنوء به الكائنات كلها ، فقد أهين ذكاؤه واستبيح كبرياؤه الآدمي والقومي وعومل كرقم أصم في الجداول والاستمارات ، وهذا ما عبر عنه كونديرا بمقالة مشحونة بوعي مفارق للسائد عنوانها كثافة الدولة وشفافية الفرد.. فكلما ازدادت الدول كثافة وارتفعت الأسوار حول مؤسساتها طولب الفرد بأن يتعرى ، بل أن يخلع جلده بحيث تصبح شرايينه مرئية ومرصودة مثل «أبو بريص» تماما،

ولا أظن أن ستانلي هالين كان مصيباً عندما قال أن الكاتب هو بوصلة القراء.. والذي يقتادهم عبر الجسر من ماء الى ماء ، والأدق هو ان القراء هم البوصلة والدليل ، ولولاهم لضاع الكتاب في شعاب شجونهم الخاصة ، وفي هذه الايام يندفع التحالف الى أقصاه بين المرسل والمرسل اليه ، فالمستور انكشف والمسكوت عنه تم افتضاحه في عز الظهيرة ولم يعد الالتباس قائماً بين الخائن والمختلف في وجهة النظر ، أو بين الحمامة والغراب ، فقد أدى انهيار المنظومات كلها بعد أن تعولم الشقاء وسادت ثقافة الخوف والريبة الى اتضاح كل شيء ، بالاقنعة سقطت أو أذابتها الشمس ، والخجل لم يعد سمة بشرية يركن اليها كضمانة أخلاقية ، وما كان يقترن بتستر وعلى استحياء أصبح على مرأى العالم ومسامعه ، وتحققت نبوءة ديستويفكسي عن الزمن الذي يصبح فيه كل شيء مباحاً ومتاحاً،

ان المرسل اليه هو الشاحن الحقيقي للوعي والكابح الأخلاقي الذي بدونه تتحول الأبواب الى مرايا ، فلا نجد مخرجاً من المدار النرجسي المغلق ، ونرتطم بأنفسنا ، ونلعب كل أنواع اللعب بلا شبكة أو حكام لنكتشف أن الأهداف التي نصفق لتسجيلها هي في مرمانا وليست في مرمى الخصم،

والفرق بين واقع استنقع وأصابه العطن وبين واقع ذي حراك وجدل ، هو ذاته الفارق بين حلف الغراب وحلف الحمامة وبين نحيح الثعبان وفحيح الزيتون،،



التاريخ : 10-10-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش