الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الاحتكار والاحتقار،

خيري منصور

الثلاثاء 13 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
عدد المقالات: 1791
الاحتكار والاحتقار، * خيري منصور

 

ليس تلاعبا بالاحرف ، فالقرابة بين الاحتكار والاحتقار هي من الدرجة الاولى ، لان كل محاولة للاحتكار سواء كانت اقتصادية او سياسية تقتضي على الفور اقصاء الاخر ، وبالتالي الاستحواذ على حصته ، سواء تعلقت بحق ابداء الرأي او المشاركة في اي حراك انساني.. واخطر ما يفرزه منطق الاحتكار هو وهم المعصومية بحيث يبدو المحتكر كما لو انه طوى تحت ابطه بوليصة تأمين ضد الخطأ ، رغم ان الاخطاء تتنامى وتتحول الى خطايا في مثل هذه العزلة التي يتحول فيها الديالوج الى مونولوج ولا يسمع فيها المرء الا صدى صوته ولا يرى غير ما يشتهي ان يرى،

وقد يكون الاحتكار في بعده الاقتصادي واضحا ولا يقبل التأويلات ، لكنه من الناحيتين السياسية والاجتماعية ملتبس ، ويحتاج فحصه الى ما هو ابعد من العين المجردة ، لان المسألة تتصل بالمفاهيم اولا ، وبانشطة العقل.

ان ضحايا الاحتكار في عالمنا المعاصر لا حصر لهم ، فالاثنيات التي كانت هاجعة لزمن طويل تحت اغطية الفولاذ القوية والايدولوجية عانت من الاحتقار بسبب الاحتكار ، وما ان اتيحت لها قشرة هشة في غطاء الدولة حتى اندلعت ، وبقوة مضاعفة كما لو انها تسدد مديونيات تاريخية وقومية تراكمت عبر السنين،،

ان الاحتقار بكل معانيه بدءا من اللغة هو تعبير مرضي وسادي ايضا عن التعالي ، والشعور بالتفوق وبالتالي ازدراء الاخر الذي يأتي تصنيفه في مرحلة ادنى لاسباب عرقية او ايديولوجية او لمجرد انه من سلالة او لون اخر.

ان المنجز الثوري والتاريخي لنلسون مانديلا لم يكن بعيدا عن هذا ، فهو استطاع ومن معه ان يكسر والاحتكار الابيض لجنوب افريقيا ، وقد تكون الضجة غير المبررة التي قام بها نفر من الامريكيين البيض ضد موقف اوباما من الاكاديمي الاسود الذي اضطر الى خلع باب بيته لانه اضاع المفتاح هي بمثابة احتجاج غير مباشر على كسر اوباما لاحتكار البيض للبيت الابيض.

ان ما يبدأ بالكاف كحرف رقيق لا بد ان ينتهي الى القاف الثقيلة ، فالاحتكار هو المنتج الثقافي والافراز البكر لذهنية نرجسية تتوهم بأن العالم خلق لها ، وأن الشمس تشرق من أجلها فقط ، أما الآخرون فهم الجحيم ، لكن ليس بالمعنى الوجودي الذي تحدث عنه سارتر عندما استخدم هذه العبارة التي أسيء فهمها في اربعينات القرن الماضي ، الثورات والانتفاضات في التاريخ هي محاولات متعاقبة لكسر الاحتكار ، ومن يقومون بها أناس يشعرون بأنهم عرضة للاحتقاد ، ولأن السياسة لم تعد علماً أو مجالاً يتطلب حفريات معرفية فقد غطت بذرائعيتها على كل شيء ، وبدت كما لو أنها مبارزة بالسيوف لكن بلا فروسية ، بحيث يصبح الطعن في الظهر مسموحاً ، وكذلك نسج الأفخاخ والاستدراج على طريقة الضباع الجائعة..

وهناك اليوم من يحاولون تحرير السياسة كعلم من كل ما علق بها من ثقافة رعوية ، كأن يكون هناك علم نفس سياسي وانثربولوجيا سياسية وسايكولوجيا سياسية ، فالمسألة أبعد بكثير من منطق السطو المسلح سواء كان على بنك أو وزارة دفاع أو على دستور دولة.. لكن استمرارية منطق الاحتكار واقتران هذا المنطق بالقوة وحدها ، قد لا يتيح للبشر أن يعودوا الى أصل المشكلة في المدى المنظور ، لأن العادات لها نفوذ قد يستمر حتى بعد انقطاع أسبابها ، والاحتقار ليس توأماً للاحتكار بقدر ما هو افرازه السام وحصاده المر،

التاريخ : 13-10-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش