الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خصخصة البكاء!

خيري منصور

الثلاثاء 25 آب / أغسطس 2009.
عدد المقالات: 1791
خصخصة البكاء! * خيري منصور

 

أحيانا يحتاج الانسان الى يد ثالثة كي يقوى على حمولة تنوء بها يداه ، والى عين ثالثة كي يحيط بمشهد لا حدود له ، وقد يحتاج الى أنف آخر احتياطي في زمن الزكام الذي شمل العقل أيضاً. والفارق بين القاصر والبالغ على صعيد الوعي هو أن الاول لا يرى الا ما تقع عليه العين المجردة ، ولا يسمع الا الصراخ الذي يثقب طبلة أذنه ، أما الثاني فهو الذي يرى أبعد من ذلك ويشم رائحة كارثة قبل وقوعها ، لأن الاستنتاج وربط النتائج بالمقدمات او ما يسميه علماء النفس الاستبصار هو خاصة آدمية ، والانسان بخلاف الكائنات الأدنى منه ، يعرف الموت قبل أن يموت وله خيال يتيح له أن يضع نفسه في مكان الآخرين..

والواقع العربي الذي يقدم لنا أجزاء متناثرة عبر الميديا هو في حقيقته بانوراما ، والتكامل فيه سلباً وايجاباً عضوي وبنيوي ، فما يجري في العراق ليس منفصلاً عن أدق ما يجري في غزة ورام الله ، وما يحدث في لبنان ليس منقطعا جذرياً عما يجري في السودان والمسألة لا تحتاج الى ساحر يخرج الأرانب من كم معطفه ، أو يعيد الى الذاكرة تلك العبارة الساخرة لممثل كوميدي هي علينا ان نعرف ما يحدث في ايطاليا كي نفهم ما يحدث في البرازيل ، والحقيقة أن مثل هذا القول ليس هزلياً يستهدف اضحاكنا.

لقد أدت الخصخصة القومية في كل المجالات الى مثل هذا العزل ، بحيث تحول الواقع برمته الى دودة شريطية ، تقضم العافية الوطنية والقومية من الداخل ، تماماً كما قال جيري روبين الامريكي عن المعارضة التي تتحول الى دودة تقضم احشاء الوحش ، ما يحدث عربياً ليس منقطعاً عن بعضه الا من خلال ما تشاء الميديا المسيسة تقديمه ، والوحدة التي تم اجهاضها في السراء تجهض بدرجة أكبر في هذه الضراء ، وقد تكون آفة الشخصنة المزمنة والتهرب من الأفكار لصالح الاشخاص سبباً في حرماننا كعرب من التعامل مع هذا الواقع على نحو بانورامي.

والافراط في خصخصة الاقتصاد انتهى الى تفريط بكل شيء ، فلكل عربي الآن ليله وليلاه.. رغم ان جذر البلاء واحد ، والعدو واحد ، والتخلف واحد والظلم هو ذاته ومن اتهموا سايكس بيكو بتقطيع أوصالهم ذهبوا الى ما هو أبعد في تقطيع أوصال الأوصال ومن زعموا بأنهم ضد الفقه الامبريالي الذي تأسس على قاعدة فرق.. تسد هم الآن الذين يتولون انتاج الفرقة والتشظية والتذرر.

اننا دائماً نخطىء في العدّ فنعود الى السوط الاول أو الطلقة الاولى أو اول السطر في هذا الكتاب الأسود.. لهذا تتكرر الاخطاء على نحو كوميدي ، وتختلط الاوراق والجهات ، وتكون الحصيلة هذا العربي التائه تحت سماء عارية.. ويبدو أن الطبع قد غلب التطبع بالفعل فلو اعطينا عيناً ثالثة لاستخدمناها ايضاً من اجل مشاهدة مسلسل آخر ولو اعطينا يداً ثالثة لاستخدمناها في حمل بطيخة كما يقول المثل..

ما نحتاج اليه باصرار هو اعادة النظر في هذه الدودة الشريطية التي تقضم وطننا العربي بدءاً من الاحشاء ، والمطلوب هو اختلاف نسبة الملوحة بين دمع عراقي وآخر فلسطيني أو لبنان أو سوداني..

التاريخ : 25-08-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش