الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عُقْدة جًلْفر!!

خيري منصور

الأحد 30 آب / أغسطس 2009.
عدد المقالات: 1791
عُقْدة جًلْفر!! * خيري منصور

 

ايهما يهرب من الاخر؟ الامي من المثقف كي لا يرمي ثلاثة ارباع زجاجته الفارغة ام المثقف من الامي كي لا يبدد وقته سدى ، خصوصا اذا كانت الامية كما هو الحال في عالمنا العربي اليوم مصدرا للزهد وراحة البال والبعد عن القلق الذي يفسد الحياة..

والعقد النفسية كما وردت لدى علماء النفس تقبل الكثير من الاضافات ، لان علماء النفس وفي مقدمتهم فرويد لم يخترعوها ، بل استقرأوها من الادب والتاريخ ، وعقدة اوديب لم تنشأ في فرنسا في زمن فرويد وكذلك عقدة الكترا وغيرها.

لهذا اقترح برنارد شو اضافة عقدة أسماها اللا استحقاق الى القائمة ، وهي باختصار شعور الفرد بان الفرصة التي تتاح له هي اكبر من استحقاقاته لهذا يبالغ في التعويض خصوصا اذا كانت هذه الفرصة سياسية ، ولم يكن يخطر ببال برنارد شو ان نظم الحكم في العالم ستعزف على وتر هذه العقدة ، لان من مصلحتها ان يتحول المصاب بعقدة عدم الاستحقاق الى تمثال هندي ، لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم.

اما العقدة الجديدة التي بدأت تتضح في عالمنا فهي ما نسميه عقدة جلفر ، وحكاية جلفر في بلاد الاقزام معروفة ، وهي تشبه الى حد بعيد ما كتبه ويلز في روايته الشهيرة والمصنفة ضمن ما يسمى الخيال العلمي بلد العميان.

في الازمنة التي يفسد فيها حتى الملح تحلّ المراذلة مكان المفاضلة ، ويصبح الاقل قبحا هو الاجمل والاقل حمقا هو الادهى والاقل نفاقا وكذبا هو الاصدق ، ذلك لان منظومة المعايير تنقلب ، ويضغط الواقع على الانوف ، ويصبح الخيال مهيض الجناحين ، فالدمعة لها ثمن وكذلك الابتسامة حتى لو كانت صفراء. لهذا يبحث الناس في ازمنة كهذه عن الادنى لكي يصبحوا الاعلى ، وعن الافقر ليصبحوا مقارنة به الاغنى.

وهذا ما تنبه اليه المفكر الراحل هشام شرابي عندما كتب عن البنية الباترياركية للمجتمع العربي وامراض الاسرة الاجتماعية والتربوية ، فاختصر المسألة كلها بعبارة واحدة ، هي ان فشل اخي هو نجاحي ، وبالتالي فقره ثروتي ومرضه عافيتي وجهله علمي،،

عقدة جلفر هذه تتجلى في هرب ذوي الاختصاص من زملائهم ، كي لا يكون هناك اي اختبار جدي لمنسوب الوعي في المهنة ذاتها ، ويغيب عن سلالة جلفر هذه ان العلاقات غير المتكافئة لا بد ان تنتهي الى انقطاع قد يكون كارثيا.

ان بامكان الغراب ان يستخدم نفوذه كي يجد من يشهد له بانه حمامة سوداء وان نعيقه هديل ، ما دام لكل دون كيشوت تابع من طراز سانشوا يروي انتصاراته الوهمية على الطواحين،

وغالبا ما تزدهر هذه العقدة في خريف الحضارات وشيخوختها ، لان العادة والكسل العقلي يحلان مكان المغامرة ، والقطعنة تفترس الفرد المختلف وتفرض عليه ائتلافا قسريا يحول الى مسار بين المسامير او مجرد قطعة غيار في صندوق مليء بالقطع المتماثلة..

ما تنتجه الثقافة الموبوءة بعقدة جلفر هو باختصار البحث عن الاقزام لانهم الشرط الوحيد لكي يصبح جلفر ماردا.

والبحث عن الاكثر قبحا كي يبدو المصاب بعقدة جلفر هو الاجمل ، وحين تتورط امة ما بهذه العقدة ، فان المتوالية الحتمية ستوصلها الى انتحار ارادي هي اخر من يعلم به!!

التاريخ : 30-08-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش