الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

طغيان الجغرافيا!!

خيري منصور

الأحد 23 آب / أغسطس 2009.
عدد المقالات: 1791
طغيان الجغرافيا!! * خيري منصور

 

ما من زمن اعاد للجغرافيا اعتبارها كعصرنا ، فهي التي توجه التاريخ وتحدد اتجاه بوصلته ، وهناك من وصفوا الجغرافيا بانها التاريخ ذاته ، لكن بعدان فقد صلاحيته وتخثر.. واصبح بهذه الصلابة والقسوة،

واحيانا يكون هناك زواج متكافئ بين التاريخ والجغرافيا ، فهو الذكر وهي الانثى ، لهذا لا نستغرب ان يكون الطلاق بائنا بينونة كبرى بينهما عندما تتبدل الاحوال وتصبح المزايا الجيوبولتيكية لمكان ما عبئا وحمولة ثقيلة ينوء بها.

لقد كتب الكثير عن ديكتاتورية الجغرافيا وطغيانها لكن ما كتب عن التاريخ ووحشيته اضعاف ذلك ، فالحضارات التي سادت ثم بادت او باضت لتعيش وتجترح قيامتها كانت في نهاياتها تتوحش وتفقد سلاستها ومنطقها ، لهذا تجد نفسها وهي تتوهم الدفاع عن بقائها تمارس الانتحار وهي اخر من يعلم ، كما تفعل القطط عندما تتورط بمبارد حديدية تسيل دمها ، فتلعقه وتتلذذ به رغم انه دمها ، وليس هذا هو الشبه الوحيد بين الحضارات في خريفها والقطط فهي ايضا مثلها تلتهم ابناءها من حيث تتوهم انها تحميهم من الاخطار ، ان ما يحدث باختصار هو تعارض جذري وحاسم بين الاسباب والنتائج والنوايا والافعال. وتبعا لما يرى فلاسفة التاريخ وهم ابعد رؤية واعمق بين المؤرخين التقليديين ومنهم وايتهد فان الشعوب تفقد ارادتها وتصاب بالشلل عندما تنجذب بقوة وكبرادة الحديد الى مغناطيس الماضي.

عندئذ يصبح الماضي مستقبلا ، لانه قادم من الجهة الاخرى ، وقد يكون من اسباب هزيمة وانقراض الهنود الحمر اضافة الى تطور الرجل الابيض واسلحته ووحشيته ، ما كان يعتقده هؤلاء ، فقد كان لديهم اعتقاد بان ما لا يعرفونه ولم يروه بالعين المجردة ليس موجودا ، فقد كانوا بحاجة الى درجة من التجريد واستخدام الخيال كي يتوقعوا تلك الابادة التي حذفتهم من الجغرافيا ، ونفتهم من التاريخ. ان نسبة مئوية كبرى لا نملك ان نحددها ، من تورط العرب بهذه الازمات المتعاقبة والتي تشتد ولا تنفرج بل تنفجر بعكس الحكمة الموروثة ، هي جغرافية بامتياز ، وماكان لحدود العرب على امتداد تاريخهم ان يسيل عليها لعاب الغزاة لولا خصائص هذه الجغرافيا وجبروتها ، فهي ليست تضاريس سماء ، والصحراء فيها ليست مجرد صحراء ، ما دامت رمالها وكل ما يحيط بها ممهورا باصداء رسولية ، وان المرء ليعجب من المقاربات السياسية التي تغفل سر الجغرافيا وسحرها ، وتعزلها من التاريخ كما تعزل قشرة البرتقالة من محتواها،

ان الحفريات الحديثة والدراسات التي تسمى «اركيولوجية» تنبش طبقات التاريخ وتفكك ظواهره ، لانه ايضا له جيولوجيا من طراز اخر ، وهناك من يرون بان للتاريخ ايضا فيزياء صارمة ، ويستشهدون على ذلك بالدور الكبير الذي تلعبه بلدان صغيرة ، فهي تماما كالعامل المساعد في الفيزياء تؤدي وظيفتها وتعود الى ما كانت عليه بلا زيادة او نقصان،

فهل يعني ذلك كله اننا عندما نقرأ التاريخ يجب ان نضع امامنا على الطاولة كرة ارضية بكامل تضاريسها؟

الارجح ان هذا اصبح شرطا لفهم التاريخ ولو اخذنا مثالا قريبا وعربيا وهو عدم وصول الاتراك الى المغرب العربي «بان الاجابة ستبقى ناقصة بدون مشاهدة الخرائط.. والاستعمار رسم تضاريس وخرائط جديدة للعالم بسكك الحديد وطرق المواصلات التي تخدم اهدافه ، وهذا بالضبط ما تفعله اسرائيل الان بطرق مواصلات عازلة للقرى والمدن العربية وموصلة بين المستوطنات بهدف تجفيف تلك القرى والمدن واصابة شرايينها بالجلطات المتعاقبة ، بينما تزدهر المستوطنات وتحظى بالمزيد من التواصل والجلوكوز اذا اقتضى الامر.. ان الجغرافيا بحاجة الى اعادة اكتشاف بوصفها تاريخا بالدرجة الاولى،

التاريخ : 23-08-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش