الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الغنائم الليبية بين رجال الغرب وبين الإسلاميين والوطنيين

ياسر الزعاترة

الخميس 29 أيلول / سبتمبر 2011.
عدد المقالات: 1809
الغنائم الليبية بين رجال الغرب وبين الإسلاميين والوطنيين * ياسر الزعاترة

 

لا أعتقد أن الشيخ علي الصلابي (أحد رموز الثورة الليبية) ساذج لكي يعتقد أن الرئيس الفرنسي ساركوزي سيستجيب لندائه باحترام «خيارات الشعب الليبي»، لكنه أراد وضع النقاط على الحروف بخصوص نوايا السطو على الثورة وإعادة البلاد إلى نمط الحكم الشمولي الذي كان سائدا خلال عقود القذافي.

نتذكر في هذا السياق أكبر عملية نهب في التاريخ البشري، تلك التي تعرض لها العراق بعد الاحتلال من خلال الرموز الذي جاءوا على ظهر دبابة المحتل، والذي تحولوا بقدرة قادر من لاجئين يعيشون على المعونة الرسمية في بريطانيا وأمريكا وعدد من دول الغرب إلى رجال «بزنس» يتلاعبون بمئات الملايين التي تدفق كثير منها إلى ذات الدول التي يحملون جنسياتها.

لا أحد ابتداءً، باستثناء حفنة من المنتفعين يقبض كلام القذافي وموسى إبراهيم حول الثورة وتحرير ليبيا من حكم الناتو، فالقذافي وأبناؤه هم آخر من يحق لهم التحدث عن الناتو وحكم الأجانب والحرص على ثروات ليبيا؛ هم الذي أضاعوها في مغامرات بائسة يعرفها القاصي والداني، وهم الذي وضعوها رهينة بيد الغرب من أجل إخراج العقيد من دوائر الإرهاب، فضلا عن تبذير الأبناء لها بطرق مجنونة هنا وهناك، بينما كان الشعب الليبي يعيش الذل والفاقة ويعاني من بنية تحتية لا تقبل بها دول طاعنة في الفقر وندرة الثروات.

اليوم ثمة صراع في ليبيا بين رموز جاء بهم الغرب، مع آخرين ممن عملوا سنوات وسنوات في ظل العقيد وباركوا جنونه وهلوسته، وبين رموز وطنية وإسلامية تريد لليبيا مستقبلا أفضل من خلال نظام يعبر أولا عن هوية الشعب الليبي، كما يتميز بالوطنية ثانيا ويعرف كيف يتصرف في ثروات الشعب الليبي بعيدا عن سطوة الغرب ومصالحه وحساباته ومنافسات محاوره الكبرى على اقتسام الغنيمة.

أن يشعر الليبيون بشيء من الفضل لبعض دول الغرب بسبب مساعدتها له في الخروج من دوامة العقيد شيء، وأن يتحولوا إلى رهينة هم وثرواتهم بيده شيء آخر، لا سيما أنهم هم من حرر ليبيا وليس الناتو، بدليل ثلاثين ألف شهيد ليس من بينهم جندي من جنود الناتو.

صحيح أن الأخير ليس جمعية خيرية، ولم يفعل ما فعل من أجل عيون الشعب الليبي، لكن الصحيح أيضا أنه شعوره باقتراب سقوط العقيد، وخجله قبل ذلك من جرائم الأخير بحق الأبرياء بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية، هو الذي دفعه لتغيير الموقف، ولو كان واثقا من قدرة القذافي على تجاوز المأزق بطريقة معقولة لما تدخل على الإطلاق، لأن الأخير هو الذي منحه فرصة السيطرة على ثروات البلاد عبر صفقات معروفة، وقصص التاجر توني بلير باتت على كل لسان، مع العلم أن حماسة فرنسا للتدخل إنما جاءت بسبب شعورها بضآلة نصيبها في كعكة العقيد قياسا ببريطانيا وأمريكا وإيطاليا.

الأهم من ذلك أن الإسلاميين والوطنيين الليبيين لا ينسون أن تلك الدول التي ساعدت في التخلص من حكم العقيد إنما كانت من زاوية أخرى تكفّر عن ذنوبها في دعمه والتجاوز عن أخطائه والسكوت على استهانته بحقوق الإنسان مقابل ضمان مصالحها الاقتصادية.

النزاع الذي يدور اليوم في ليبيا بين رموز تابعة للغرب (ثقافيا وسياسيا، وربما أمنيا في بعض الأحيان) ومعها رموز فاسدة من بقايا نظام العقيد، وبين الرموز الوطنية والإسلامية ليس أمرا عاديا بأي حال، ومن الضروري أن يكون الشعب الليبي على وعي بما يجري حتى لا تُسرق ثورته ودماء شهدائه، ويغيّب الذين ضحوا من المشهد لحساب لصوص كانوا يرتعون مع العقيد (بعضهم مع الغرب)، ويريدون أن يرتعوا بعد زوال حكمه أيضا.

للمسألة بعدها الأيديولوجي والوطني في آن، وهي ليست أيديولوجية فقط، وإن كان البعدان مرتبطان بشكل واضح، وعموما يقبل الإسلاميون والوطنيون الشرفاء بخيارات الشعب الليبي إذا كانت حرة بالفعل، وهم أعلنوا قبولهم بالدولة المدنية التعددية، لكن الذين يعرفون حجمهم في الشارع هم الذي يرفضون هذا الطرح مصرين على استعداء الغرب على الإسلاميين من أجل مساعدتهم في السيطرة على الوضع الجديد.

ثمة شمولية علمانية (غربية) تطل برأسها من خلال الثورات العربية، فيما كان الربيع العربي في جوهره ثورة ضد الشمولية واستعباد الناس تحت أيا شعار كان. والذين ثاروا وأطاحوا بالعقيد يمكن أن يثوروا ضد أي طاغية جديد، وعموما لن تستقر الأوضاع لصالح خيارات الناس بسهولة، لكن الصراع الجديد لا ينبغي أن يمنح أية قيمة تذكر للأصوات التي وقفت ضد الثورات بحجة الفوضى واستغلال الغرب، لأن ما يجري أمر طبيعي حتى تستقر الأوضاع على روح جديدة تعيد الاعتبار للإنسان في ليبيا وعموم المنطقة، وتصحح طبيعة العلاقة مع القوى الكبرى أيضا.

التاريخ : 29-09-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش