الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

غصن وتغريد

رمزي الغزوي

الخميس 15 أيلول / سبتمبر 2011.
عدد المقالات: 1955
غصن وتغريد * رمزي الغزوي

 

من الناس من يضعون ثروتهم ومخاوفهم على رؤوسهم، فتتعبهم وتثقلهم، وتجعلهم يئنون تحت وطأتها، لذا يظلون قصار قامة، منحنيين، متقزمين!! لا يستطيعون أن يرفعوا هاماتهم كشراع. فيما آخرون يضعون ثرواتهم ومخاوفهم، تحت أقدامهم ويرتقون بها وعليها!، فيصبحون طوال القامة شامخي الرؤوس!!.

وحده الإنسان يشبه النخيل. فإذا ما قطعنا رأس نخلة ماتت شامخة، وهي واقفة، تماماً كصاحب الرأس المرفوع، يتعب كثيراً، ويشقى، ويغلب.. لكنه إن مات مات شامخاً!.

الحكمة القديمة توصينا: لا تترك رأسك يغري قدميك بالطيران!!، لأن علاقتك بالأرض هي سرُّ قوتك، وأكسير عنفوانك!!، ومع ذلك، سيحلو لنا أن نكسر ظاهر هذه الحكمة الصارمة، فنشهر أجنحتنا أشرعة حبلى بالريح، ونطير نجوب الآفاق، نمخر عباب الفضاءات، لكننا لا ننسى أبداً حبل سرتنا!، فمهما علونا وشهقنا، لا بد ونعود بين الفينة والأخرى إلى أمنا الأرض، وأديمها الأثير؛ كي نستمد قوتنا لطيران آخر!!.

(جايا) ابن الأرض، حسب الأسطورة اليونانية، كان ضئيل الجسد هزيلاً وضعيفاً، لكنه كان خارق القوة جباراً، وكان قادراً إذا ما ظلت قدماه ملامستين للأرض، أن يصرع أعظم العمالقة ويجندلهم، ولهذا لم يكن أحد يقدر على صرعه، أو الانتصار عليه، إلا أن (هرقل) أكتشف هذا السر الخطير، سر ارتباط جايا بأمه الأرض، فرفعه عالياً عندما دخل معه في مصارعة مثيرة: رفعه بعيداً عن أمه الأرض، وخنقه في الفضاء منتصراً عليه!!.

ومع ذلك سيبقى طيراننا الطويل متعباً، تماماً كالكراسي طويلة القامة، فهي متعبةٌ أيضاً، ومتعبة جداً كالرأس المرفوع، الذي يتعب صاحبه ويشقيه ويدخله في دهاليز وأنفاق، ويجعله في صدام دائم. وإلا لماذا تكون الكراسي أكثر راحةً وأوفر سكينةً، كلما كانت قصيرة القامة!، قريبة من تراب الأرض، حتى أننا، إذا أردنا أن نمعن في الراحة والاسترخاء، نبذنا الكراسي جانباً، وافترشنا الأرض دون وسيط: جلداً على جلد!!.

لست أدعو للزحف، أو افتراش رغام التراب، بل للطيران. فنحن أبناء الأرض، من ترابها جبلنا:هاماتنا من أديمها، وإليها سنأوي ذات يوم؛ لنرقد رقدتنا الكبرى والأخيرة، لكن إليها سنبقى نمد جذورنا، لنظل أحياء أقوياء، فكل شيء جذره في ساقه، إلا الإنسان.. جذوره في رأسه.

سيغرد المغردون، ويطير الطائرون، ولن يفوتنا أن نتذكر دائماً، أن الأغصان هي التي تعلم العصفور على التغريد!.

[email protected]

التاريخ : 15-09-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش