الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في رواية «خضراء الدّمن» لمنى سالم

تم نشره في الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2017. 08:42 مـساءً

سليم النجار *
لكل زمان أساطير عشقه.. ايزيس وأوزويس وروميو وجوليت، قيس وليلى ولزمان راية خضراء الدّمن منى سالم. ومع الأساطير تنبت التراتيل والأغاني والأشعار التي يتخذها العشاق شعاعا يزين العشق ويقتاده نحو سماواته المفترضة.. ولزمان خضراء الدّمن العُمانية هناك بيتان من شعر العشق:
وأقمنا في تحد عشنا/ لهب أنت ونيران أنا. فتنة أنت ولولا ثورة/ جمعنا ما عشقنا بعضنا.
وفي ظلال هذه الأحرف نبتت قصص وعشق وتضحيات وعذات وحب وتألق فيها دوماً رواية خضراء الدّمن... وليس مستغرباً، أن تبدي الروائية منى سالم، اهتمامها بالصورة النفسية لإبطالها في الرواية. وتأثرها بتراثنا العربي بهذا الخصوص.
إذا ما تصفّحنا كتب النقد الأدبي في تراثنا العربي، فإننا سنجد أن الاهتمام بالجانب النفسي في دراسة الأدب ليس جديداً، إذ ليست دراسة العقار لابن الرومي، أو دراسة النهويهي لشخصه بشار أول دراسة نفسية للأثر الفني لدى العرب، وإنما نجد أبن قتيبة (ت 276هـ) يُفسّر قضية التعدد في ثيمات القصيدة العربية انطلاقاً من نفسية المتلقي، وابن طباطبا العلوي (ت 322هـ) يربط بين الحالة النفسية للمتلقي وحكمه على الأثر الفني، كما أن حديث الفلاسفة العرب، ومن نحا نحوهم من أمثال حازم القرطاجني وأبي القاسم السجلماسي وابن البناء المراكشي، عن التخييل هو حديث عن تكون الصورة الأدبية في النفس من جهة، وتاثيرها الجمالي في المتلقي من جهة أخرى.
ويقول الكاتب و الشاعر الفرنسي «جان كوكتو»: ليست سجادة فارسية يسير فوقها الكاتب، فالكاتب يشبه الحيوان البري الذي كلما طاردة الصيادون كتب أفضل»، نستطيع أن نقر إلى حد كبير بمصداقية هذه العبارة وانطباقها المشع على رواية «خضراء الدّمن»، فحالة العشق الخالص النقي، هي المحور، التي تدور حولها الرواية، ليصب في مسارب متنوعة ويلتقي في بؤرة الفؤاد، وتتكئ الروائية في رحلتها الغزلية هذه على محاور عديدة؛ حيث تتجلى صورة العشق والعاشق والمعشوق في صورة تقترب في صفائها وصدقها من حالات الصوفية للمعنى الحقيقي للعشق ذاته، في حين يتجلى الحبيب بصوره وحالاته المختلفة داخل أجواء التصوير الفني والحالة الروائية، كناسك يدور حول كعبة العشق.
ومن هنا تتّحقق مقولة «حان كوكتو»: بأن الروائية لم تسع إلى القوالب الجاهزة والأخيلة المعتادة كسجادة غزلية ترسم فوقها حالاتها المتعددة، وإنما طافت في أروقة الدنيا، وطاردتها حالات العشق العليا حتى اقتنصت أفضلها، وتنعمت في هالات اضوائها: في فثي حالات أضوائها: [كان شاباً وسيماً جداً بهندام أنيق تماماً كما كنت أحلم، اكتفينا بتلاقي النظرات عن بعد، وأنا أذوب كل ليلة في حديثه، فقد طرق الحب بابي ولهم أوقامه! وثقت علاقتي بنايفة صباحا، وكانت علاقتي بأخيها ليلاً تأخذ منعطفاً اقوى حد الشغق، حدا الحب، حد العشق، حد التملك! ص40] 
 مفاتيح العشق عند منى سالم
للعشق مفاتيحٌ عند الروائية، هي مفاتيح تصور جمال الحياة، إيماناً، بمبداً أن العاشق دائماً يرى الوجود جميلاً، ومن هذه المفاتيح «البوح الكامل»، وهي حالة وجدانية صادقة وظفتها الروائية عبر الحوار الثري بين العاشق والمعشوق، : [كان العشق ينساب من بين عينيها وشفتيها ولهفتها، تكاد تشي بغرامها بزوج المستقبل والإسهاب بالحديث عنه، فرحت لها ولخالصة وحزنت لآجلي! ص77].
وتلك سمة أغلب السرد في الرواية، كأنها تجيب عن تساؤلاتنا الخفية وتفصح عن مكنون قلوب العاشقين كما هي في الرواية.
القارئ لرواية «خضراء الدّمن»، يعي تماماً ان الروائية مرت بتجربة المخاض الإبداعي» بوعي شديد، وهي لحظات متقطعة توزعت على جميع مقاطع السرد، حيث بذلت الروائية جهداً فكرياً ونفسياً لمعايشة اللحظات النورانية في الرواية والتي تجر الروائية لتجارب ولغة ووجدان مثقل بالموهبة، فالشعورو يأتي أولاً، : [أنتِ للآسف رضيت بدور المقّبلات يا عزيزتي ص53]، ثم موجات التعبير ثم تجرية المخاض الفكري، حتى تولد الرواية يانعة مشرقة معبرة عن حالة التوهج للحبيب، وهذا ما فعلته الروائية، عبر مستويين فنيين الأول يخص الحب الآن: « [الأمس الحارق» وهي قصة حب لبطلتها آمل التي عشقت رجل غدرها وباع بكارتها في سوق الذكورة، وقدم بضاعته الذكورية من خلال استغلال مشاعر آمل، واستثمر جيداً تقلبات القلب، وحالات الحبيب المختلفة؛ وقد تجد عبارات اللوم والعتاب، والمستوى الثاني التي تصيغ كلها بصفات الحنين والشوق واللهفة؛ فلن تجد لوماً أو عتاباً للحبيب؛ ولو مرة بالمغادر أو المهاجر إنما هي هالات من الضوء المشع للحب، واستخدمت في ذلك كل وسائل العشق كتابة الذات في «خضراء الدّمن
أعتقد أن، بطلات الرواية كلهن أمل، ويعني ذلك أنها تكتب عن الواقع الذي عركته وعركها، وأنها تكتب عن المرأة في عالمنا العربي، تكتب رؤاها الخالصة عن الحياة والموت والحب «حب الناس والوطن»؛ : [كنت عند كل تواصل مع عبيد أدعوه إلى التفكير بي وبأولاده ومن لنا سواه إن كان آخر ما يحدث ومصيره السجن، كانت الحكومة قد اتبعت السياسة الحكيمة بالخروج من الأزمة واتخذت الكثير من القرارات الإصلاحية، كان الأمر لا يخلو من الغوغائية من بعضهم ص13 ]، وبينما يكون النقيض - غالباً- الطرف الثاني في الرواية وكما أن بطلات الرواية لديهن «إيمان» بقيم الأخلاص والوفاء، فإن الكاتبة كانت تكتب عن المرأة العربية، حيث جاء في الصفحة الأولى، «: [وقفت والتمرد يملأ عينيها، تتأمل شاردة شاخصة البصر نحو البحر، ص8] الرواية تود الكلام ولا تستطيع، تشعر بالخوف من مجهول، ينقبض قلبها، فتتذكر حالات التمرّد... تغوص في حالة من الشجن. حاولت التخلص من وحدتها فخرجت ولسان حالها يقول أعيش في عالم خاص لا أستطيع تفسيره؛ :[أم أعلنها حرباً ضروسا لربما قد تنتهي بانفصالٍ اخر وجرح اخر ورصيد آخر من الفشل]
اخترت الأول والأوضاع تخنقني والعمر ينضج وجعاً على جمر الأيام ص137].
في هذا التفسير الروائي، تبقى أمل الرواية تشعر بالخوف حتى من رنين التليفون أو جرس الباب، هكذا اعتقد المتلقي، أن أمل أصبحت تخشى من كل شيء، يسكنها ولع الفرار من مجهول، يُهيمن على روحها سراديب متاهة الغياب و التداخل، تخاطب شخصا مُتخيلاً.
تنتقل المشاهد من الخيال إلى الواقع، فيدور الحوار بين الرواية وأمل، كأنها تسأل نفسها، : ما رأيك في صوري الأخيرة؛: [الكتابة جارية يا أمل، خط السرد متصل،
والحال مُتاح.149].
إن هذه الإجابة عن السؤال من أنا؟ نشيد دائم التجديد وهي عبارة عن سرد في لغة شاعرية لتصرفات «أمل» ، التي أدت الفضائل في الحياة الدنيا حيال أهلها وحيال الحياة من حولها من نهر وطيور كما تسرد سمات التدين من تردد على المعابد وتقديم القرابين والأضاحي وحب الشمس وحب القمر وحب البحر إلخ في سرد لكل الصفات التي تؤهل للحياة الأخرى الجميلة، التي صورتها على أنها رواية الحياة، :[وها أنذا أسكن معك يا شجن ومع زميلات أخريات سكن المهاجرات للعمل هذا ، أروي لك قصتي فاكتبيني لربما أنا مشروع رواية تحظى باهتمام !! ً149].
تُدخلنا الرواية وأمل معاً، فكلاهما صورة المرأة العربية، التي تمرّدت على واقعهما، سواء في النص الروائي، أو الحياة الواقعية، إلى عالم ندخله ولا نريد أن نخرج منه لأنه ببساطة الحياة في ختفها وثقلها في أخذها وردها في إقبالها وإدبارها في سرد نقف أمامه مشدوهين كأننا أمام أثر عُماني خالد ننظر إليه فنزداد إعجاباً وتقديراً لا نريد أن نفارقه.
- صوت نسائي متمرّد...
تحدد منى سالم في روايتها «خضراء الدّمن»، عدد من العناصر المميزة للسرد النسوي، نرى أنها تتواجد بشكل ملحوظ في الرواية.
1- الانحياز للصوت النسوي، عن طريق إعطائه أكبر مساحة نصية، سواء احتل هذا الصوت منطقة الراوي، أو منطقة الشخصية الفاعلة والمنفعلة، وهو الأمر الذي نلحظه في الرواية من خلال تعدد الشخصيات النسوية المؤثرة، فهناك البطلة أمل،
بالإضافة خالصة ابنة عمها، ووالدة أمل وأخريات، كما تحتوي الرواية على عدة مقاطع سردية تكشف من خلالها عن آراء البطلة وأفكارها من خلال الحوار والمونولوج الداخلي.
2- السلطة الاجتماعية على الأنثى، حيث يقصد بالشخصية السلطوية الاجتماعية: تلك الشخصية التي تمارس سلطاتها داخل إطار اجتماعي محدد، أو من سلطة القيم الاجتماعية المهيمنة، أو بحكم موقعها الوظيفي داخل المؤسسات المختلفة.
هناك مقولة كولومبية مفادها «لا أحد يموت قبل أن يستوفي أجله» تؤكد منى سالم هذا من خلال سردها لرواية «خضراء الدّمن»، وبطلتها أمل التي قررّت الإنصات لنصيحة الحياة، الاستمرار في الأمل، بدلاً أن تلقى مصرعها على يد حكايا «ألف ليلة وليلة»! أو على يد ذكر مرتزق يغتصب ليكسب رجولته الزائفة!

* أديب من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش