الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«في انتظار البرابرة»: النص المتعدد الوجود

تم نشره في الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2017. 08:39 مـساءً

د. محمد عبدالله القواسمة *
أعني بالنص المتعدد الوجود ذلك النص الذي يتخطى في وجوده الزمان والمكان، ويعبر عن موقف إنساني من الحياة والمجتمع، ويتميز بتعدد وجوه قراءته، كما يظهرمن وقت لآخر، أو من زمن لآخر في نصوص وأجناس كتابية مختلفة؛ فهو يتنقل بين الشعر والرواية والمسرحية والأعمال الفكرية والثقافية المختلفة.    
من النصوص المتعددة الوجود قصيدة «في انتظار البرابرة» التي كتبها عام 1898 الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس (1863-1933) الذي ولد في الإسكندرية، وأقام فيها خمسة وعشرين عامًا حتى إنه صرح يومًا بأن قلبه مدفون في الإسكندرية.
ربما توحي كلمة البرابرة التي ظهرت في عنوان القصيدة إلى أولئك الأقوام الذين كانت تصفهم الدولة الرومانية بالبرابرة، وقد تشير الكلمة إلى الأعداء القساة المتوحشين. ولكن المعنى الأكثر تداولًا بأن البرابرة هم الذين لا يعترفون بالإنسانية الكاملة للآخر، ويرفضون أن يتمتع الآخرون بمثل الحقوق التي يتمتعون بها. نفهم من هذا لا يوجد إنسان متوحش بطبيعته، وإنما توجد أفعال ومواقف متوحشة.
وتقوم القصيدة على حكاية عن إمبراطورية مجهولة، تتوقف الحياة وأعمال الناس فيها من الإمبراطور وقضاته إلى السكان جميعهم لأنهم كانوا في انتظار البرابرة من الصباح الباكر. ويمضي النهار ولم يأت البرابرة، فيغدو مجيئهم أو عدمه شغل الجميع؛ الذين عادوا إلى بيوتهم وهم يتساءلون عما سيحل بهم من دون برابرة. وهكذا تصور قصيدة كفافيس الحالة:
لماذا تقفر الميادين؟
لماذا يعود الجميع إلى بيوتهم
وقد استبد بهم الغم؟
لأن الليل قد أقبل ولم يأت البرابرة.
ووصل بعض جنود الحدود وقالوا:
إنه ما عاد للبرابرة من وجود
والآن ..!
وبدون البرابرة؟
ما الذي سيحدث لنا؟
هؤلاء البرابرة كانوا حلاً من الحلول
يلاحظ أن القصيدة قابلة لتأويلات كثيرة ودلالات متعددة، فيمكن القول إنها تتركز في تبني فكرة وهمية لتمرير فعل خبيث، أو أنها تعبر عن انتظار الإنسان آمالًا ووعودًا وحلولًا لمشاكل وأوضاع متكررة ومتجددة. أو ربما تعبر عن تشاؤم الإنسان من حياة المدن مع ما فيها من راحة حتى إنه ينتظر من المتخلفين أن ينقذوه مما يحس به من ملل وخواء. وقد يعني عدم مجيء البرابرة أن الإنسان لن يستطيع الخلاص مما هو فيه من ضياع.
لقد انتقلت القصيدة إلى نصوص وخطابات كثيرة، إذ ظهرت في مقال للمفكر والناقد الأمريكي الفلسطيني الأصل إدوارد سعيد عنوانه «البرابرة على الأبواب»، يطابق فيه ما جاء في القصيدة بما قامت به وسائل الإعلام الأمريكية عندما غيرت وعي الأمريكيين بخلقها أعداء برابرة وهميين كي يسهل على الإدارة الأمريكية التدخل في العراق. ويروي الدكتور محمد شاهين في كتابه « إدوارد سعيد: أسفار في عالم الثقافة» أن سعيدًا كان معجبًا بهذه القصيدة حتى إن ابنته نجلاء قرأتها في مأتمه الذي أقيم في كنيسة ريفير سايد في نيويورك تنفيذًا لوصيته.
ثم جاء الروائي جنوب الإفريقي جون كوتزي الحائز على جائزة نوبل للأدب عام 2003 ليصدر رواية تستند إلى قصيدة كفافيس، وهي رواية «في انتظار البرابرة»1980، يبين فيها كفاح السود للتخلص من نظام التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا. فالرواية تتحدث عن إمبراطورية ترمز إلى  دولة جنوب إفريقيا التي كان سكانها منقسمين بين متحضرين بيدهم الحكم والسيطرة وبين فئات من السكان الأصليين من البدو والفلاحين الفقراء.
ومن الخطابات التي اعتمدت على قصيدة كفافيس ما جاء في كتاب الناقد الفرنسي البلغاري الأصل تزفيتان تودوروف وعنوانه «الخوف من البرابرة .. ما وراء صدام الحضارات» فقد توقع هذا الناقد في كتابه أن السلام بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1990 سيحل بين الدول بدل الحرب الباردة، وأن التفاوض سيكون بدل الخلافات، ولكن ما حدث خلاف ذلك، فقد وجد العالم الغربي نفسه نتيجة الخوف من الآخر في صراع مع العالم الإسلامي، لقد أوجد عدوًا له خلف الحدود. وهذا قريب مما طرحه إدوارد سعيد في موضوع الثقافة والهوية.
ومن الشعراء الذين تسللت قصيدة كفافيس إلى نصوصهم الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته «هدنة مع المغول أمام غابة السنديان» التي وردت في ديوانه» أرى ما أريد». ويلاحظ أن درويش استبدل كلمة البرابرة بالمغول؛ ليشير إلى العدو الذي لن تكون هدنة معه لأنه يدمر المكان، ولا يعترف بحقوق الآخر، فما عليه إلا أن يرحل. يقول:
المغُول يريدوننا أَن نكون كما يبتغون لنا أن نكونْ
حفنةً من هبوب الغبار على الصين أَو فارسٍ، ويريدوننا
أَن نُحبَّ أَغانِيَهُمْ كُلَّها كي يَحُلَّ السلامُ الذي يطلبونْ..
سوف نحفظ أَمثالهم.. سوف نغفر أَفعالَهُم عندما يذهبونْ
مَعَ هذا المساء إِلى ريح أَجدادهمْ
خلفَ أُغنيةِ السنديانْ
لا شك في وجود نصوص أخرى استفادت، أو اقتربت من قصيدة» في انتظار البرابرة»، لكن ما أوردناه من نصوص ربما هو كاف لبيان طبيعة النص المتعدد الوجود، كما تجلى في قصيدة الشاعر كفافيس، فمع أنها نص بسيط لم يستخدم التقنيات والأساليب المعقدة فإنها ما زالت مع مرور قرن تقريبًا على ظهورها متعددة الوجود ومتجددة، وتبنى عليها نصوص إبداعية وخطابات فكرية. ولعلها ستبقى كذلك؛ لأنها تعبر عن رؤية إنسانية عميقة للحياة والناس.

* روائي وناقد من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش