الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الليل الأبيض

رمزي الغزوي

الخميس 25 آب / أغسطس 2011.
عدد المقالات: 1976
الليل الأبيض * رمزي الغزوي

 

ماذا لو كان وجه الليل أبيض ناصع السطوع؟!. ماذا لو كان واضحاً، مفضوحاً بالنور والضياء؟!. هل كنا سنقدر ونرى وجوهنا على حقيقتها ولونها؟!، وهل كنا سنستطيع أن نخلو بنفوسنا فنحاسبها بعيداً عن ضوضاء الضوء؟!. أو هل كنا نقدر أن نتمحص ذواتنا الجوانية، فنصحح مسيرها، ونقوم عثراتها؟!، وهل كنا سنتخذ هدأة الليل صومعة يومية، نخلو بها مع أنفسنا بحب؟!.

في الأسطورة، أن الليل كان في سالف الزمان أبيض ناصعاً، مثل القطن أو الشاش، وفي إحدى ليالي الصيف أحيا سلطان الكروم حفلاً باذخا مترفاً، دعا إليه حشداً من عناصر الطبيعة، وكائناتها المختلفة، من الأحياء والجمادات، واشترط شرطاً صارماًً، أن يكتسي المدعوون إلى حفله ملابس داكنة السواد!.

عندما وصل الليل إلى تخوم قصر السلطان، سحرته خيوط الموسيقى الناعمة المتسربة من سور الحديقة، وملأت خياشيمه روائح زكية شهية، من أطعمة ساخنة، ولما هم بالدخول بخيلاء وزهو، أوقفه كبير الحرس، وحياه بإجلال، وأدب جم، وذكره بأنه لا يقدر أن يحضر الحفل بلا ملابس داكنة، فخجل الليل الأبيض، وانسحب منكسراً، وعاد أدراجه من حيث أتى، وقلبه مثقل بالحزن والهم، وغطته غلالة من الكآبة والإكتئاب!.

زادت حدة الحسرة في نفس الليل، فتوارى عن الأنظار وهجر الجميع، لزمن طويل، فانحسر عنه بهاؤه وضياؤه، وكساه السواد والشحوب، بسبب حرمانه من حضور حفل السلطان البهيج، ومن يومها صار الليل أسود، حالك السواد، إلا من نقاط تلمع في وجهه، هي دموع حسراته، وهي النجوم التي نراها في السماء، بعد غروب كل شمس. ومن يومها أمسى الليل يأتي ويذهب أسود الوجه!.

لكن الليل، وفي عزلته الطويلة التي قضاها وحيداً، يكابد مرارته، أنجب لنا القمر؛ كتعويض له عن بهائه الذي فقده، ومن ذلك اليوم، صار يطلع في وجه الليل قمر مضيء؛ يرد إليه بعض بياضه الساحر المفقود، وصار القمر المنير سلوة للعاشقين المحرومين، ورفيقاً للشعراء والمحبين، الذين فاتهم مرأى أحبتهم، في حفلة النهار!.

ربما تفوتنا حفلة من الحفلات، أو أكلة، أو سهرة، أو أن شرط حضور حفلة لا يعجبنا. فنرتد إلى صومعة نفوسنا، فتكون دموعنا نجوماً نابضة؛ نهتدي بها في مسيراتنا المظلمة، ويتولد فينا قمر بهي، ينمو ويتدور كل ليلة، حتى يغدو بدراً بهياً، ثم يتناقص متآكلاً، مما يعطينا شعوراً طيباً أن لا نأسى على ما خسرناه، ونكتفي بقمر نفوسنا الواسع!.

[email protected]

التاريخ : 25-08-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش