الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هو دهشة العالم الأولى

رمزي الغزوي

الجمعة 2 نيسان / أبريل 2010.
عدد المقالات: 1974
هو دهشة العالم الأولى * رمزي الغزوي

 

ما معنى أن يكون هناك يوم للشعر ، يوم يحتفي به العالم من قطبه إلى قطبه ، بكلمات تشبه التأبين أو الرثاء ، يوم يذكر في التقاويم ويُسجل في أجندات ضاجة بالذكريات الملتبسة؟، ، وما معنى أن يُستذكر الشعر بأمسيات ملفقة إعلامية ، يكاد لا يحضرها سوى الشعراء المشاركين؟،. هل يعني ببساطة أن الشعر ، هذا الكائن النوراني الضيائي ، بات قاب غفوتين أو أدنى من لجة النسيان؟،.

نعرف أن عالمنا المتخم بالويلات ، لا يلتفت إلا إلى الأشياء الآيلة للإنقراض ، أو إلى تلك الأشياء المعرضة لنكبة محدقة ، أو معضلة ملازمة ، فمثلاً عندما يخصص يوما لطبقة الأوزون ، فلأن هذه الطبقة الغازية الحامية للأرض وجوها وكائناتها ، المغربلة لكل الإشعاعات الضارة المسرطنة ، قد تعرضت وتتعرض لمزيد من التهتك ، الذي يستعصي على الرتق والترقيع ، وكأن يوم الأوزون يقول للجميع: إدركوا طبقتكم الأوزونية أيها الأرضيون.

ولهذا لا يعجبني أن نخصص يوماً للأشياء الجميلة بشكل عام: الأم ، الحب ، الشعر ، فهي أشياء خالدة ، وتعليبها أو بوتقتها في يوم يشعرني بفال سيئ ، ينبئ بأن هذا الشيء المحتفى به ، أو المستذكر ، بات قريباً من الإندثار ، ولهذا سنمنحه ذكرى عابرة: ونأخذ بيده: كي نقول بأنه ما زال موجوداً ، حتى ولو كان يحتضر،،.

ولربما كانت حركة ذكية أو إنتهازية ، أن يختاروا يوماً عالمياً للشعر في الحادي والعشرين من كل آذار ، ليكون مواكبا لعيد الأم والنيروز وبدايات نوار الربيع ، فهل هناك شعور واضح ، بأن الشعر بات على شفير الهاوية؟، ، وأنه غدا آيلاً للانقراض والتلاشي ، ولهذا تم حشر يومه الاحتفالي في هذا التاريخ: فعلَّ وعسى يرتد الصواب لعالمنا المجنون ، فيستعيد شاعريته ، بعدما أخذته البلادة ، وصار بلاستيكياً منزوع الروح ، بارداً،.

أخاف من الذين لا يقرأون الشعر ، عبارة جارحة وعميقة ، قالها ذات وجع ، حكيمّ قد شاب في تجريب الناس وتمحيصهم ، ولكن خوفي تفاقم وتعاظم ، ليس لأن يوم الشعر مر هامساً في بلدنا إلا من بعض أمسيات صغيرة هنا وهناك ، بل لأن إعلاناً صادماً قرأته في صحفية عربية ، يبشر بتوافر قصائد مدبجة ومهندسة جاهزة للبيع في كل وقت ، قصائد حسب الطلب والبحر وحسب المناسبة والرغبة ، وهنا فقط يشعر المرء أن هذا الكائن الجميل (الشعر) بات في عين البركان،.

الشعر درج على صفحة الأرض ، قبل الكلام ونقوشه وحروفه ، وتفتق مع أول حركات الإنسان المتلعثمة عند باب الكهف ، أو عتبة الغابة وغموضها ، إنه دهشة الإنسان الأولى من أشياء أراد أن يراودها عن أسرارها ، وأن يفهم بوحها وجوانيتها. الشعر بدأ من لهفته حين رأى السحاب يجيش بصحن السماء ، ثم يتنزل المطر خيوطاً ناعمة ، فحاول عندها أن ينسج كنزة لدفء مشتهى ولذيذ. أو أن الشعر بدأ حين كان ذلك الإنسان يلاحق فراشة لعوباً تأخذ قبلة خاطفة من كل زهرة وتطير،.

لا أكاد أتصور العالم بلا شعر أو شعراء ، وإن كان إفلاطون قد طردهم من جمهوريته الفاضلة ، فأنا لا أكاد أتخيل هذا العالم قادرا أن يحيا ، بلا أجنحة ، وبلا خيال ، ولا أكاد أتصور أن الشعر لم يعد ديواناً للعالم ، وديواناً للعرب وديواناً لكل الأشياء الجميلة. فأرجوكم ردوا الإعتبار للشعر ، فلست أخاف قنبلة هيدروجينية تنهي حياة الأرض ، بل مازلت أرتجف خوفاً ممن لا يقرأون الشعر،.



[email protected]

التاريخ : 02-04-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش