الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سؤال الدين والتدين مرة اخرى..؟!

حسين الرواشدة

الخميس 22 نيسان / أبريل 2010.
عدد المقالات: 2547
سؤال الدين والتدين مرة اخرى..؟! * حسين الرواشدة

 

هل يعتبر تزوير الانتخابات من الكبائر؟يتساءل الكاتب والروائي المصري علاء الاسواني ، ثم يضيف :" لدينا عشرات الشيوخ المشهورين الذين ينتمون إلى مدارس دينية مختلفة ، هؤلاء يلقون كل يوم بمواعظهم فى آلاف المساجد وعشرات القنوات الفضائية وهم يتطرقون إلى كل شيء فى حياة المسلم بدءا من الزواج والطلاق وحتى لبس الذهب والحرير وطريقة الاغتسال من الجنابة لكن أحدا منهم لا ينطق بحرف واحد عن تزوير الانتخابات.ويروي القصة التالية:منذ اشهر تعرفت إلى داعية شاب شهير فوجدته شابا مهذبا واستأذنني فى حضور الندوة الأسبوعية التى أنظمها ، رحبت به ولما جاء إلى الندوة وجد الحاضرين يتكلمون عن الديمقراطية وقانون الطوارئ ويؤكدون حق المصريين فى اختيار من يحكمهم فلم يشترك فى النقاش بكلمة وظل صامتا ثم ذهب ولم يعد فلم أره بعد ذلك أبدا.

الاجابة كما يقدمها الكاتب معروفة بالطبع: في الاسلام تنقسم الذنوب الى كبائر وصغائر ، الكبائر هى المعاصي الكبرى التي تستوجب عقاب الله في الدنيا وفى الآخرة. وبرغم اختلاف الفقهاء حول الكبائر إلا أنهم اتفقوا جميعا على أن شهادة الزور من أكبر الكبائر حتى إن القرآن الكريم قد حذر بشدة من شهادة الزور في أكثر من آية مثل والذين لا يشهدون الزور (سورة الفرقان من الآية )72 و" فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور" (سورة الحج من الآية 30).

اذن لماذا يعتبر بعض الناس تزوير الانتخابات او غيرها من اشكال الغش والتزوير مجرد اجراءات او تنفيذا للتعليمات بينما يعتبرون شرب الخمر أو الإفطار في رمضان من أكبر المعاصي؟ الإجابة سوف تقودنا إلى المسافة الشاسعة بين حقيقة الإسلام والطريقة التي نفهمه بها ، بمعنى آخر بين حقيقة ما ينص عليه الدين وما يقره من تعاليم وقيم تضبط سلوكنا وترشدنا الى الفعل الصحيح وبين واقع التدين وانماطه:هذا الذي تعرض لكثير من الالتباسات وسوء الفهم والتطبيق.

امس ايضا قرأت في احدى الصحف العربية خبرين:احدهما عن احصائيات مخجلة ذكرت ان ثمة مشعوذا واحدا لكل (1000)مواطن عربي ، بمعنى ان لدينا في عالمنا العربي نحو(300)الف شخص يعملون في مهنة السحر والشعوذة ، وقد بلغ حجم انفاقنا على هذه الممارسات نحو(5)مليارات دولار سنويا ، وفي مجالنا الاعلامي الفضائي اكثر من(10)قنوات متخصصة في هذه المهنة...اما الخبر الاخر فيتعلق بمحاضرة دينية اقيمت في احد المولات التجارية وحضرها آلاف المتسوقين ، وقوبل المحاضر - وهو من الدعاة الجدد - منذ ظهر على المسرح بالتصفيق والهتاف ، لكن كل ما قدمه الرجل على مدى ساعتين لم يتجاوز تذكير هؤلاء المتفرجين والمشاهدين ببعض النماذج الاخلاقية التي جاء بها الاسلام ، وحثهم على تحمل مسؤولياتهم بشكل ايجابي ، هذا مطلوب بالطبع ، لكن الشيخ لم يتعرض لما يقابل تلك المسؤولية الفردية وما يترتب عليها من دعوة للخلاص الفردي من حقوق لهؤلاء على الدولة والمجتمع او من واجبات لهم عليهما ، بل ان مجرد الاشارة الى الحرية :حرية المشاركة السياسية وحرية التعبير والتفكير لم ترد لديه - ولدى غيره من دعاتنا - ولو مرة واحدة.

هل تديننا هذا يعكس حقيقة الدين ، وهل يمكن له ان يثمر عن وعي لدى شبابنا او أن يؤثر في مجتمعاتنا التي تعاني من أزمات العزوف عن العمل والانتاج وتعاني من الخوف والشعور بالظلم والاستبعاد؟ وهل التدين من خلال "الشعوذة"يستقيم مع منطق الدين الذى حرر العقل الانساني من كل الخرافات والسحر وأعمال الشعوذة؟

الكاتب الاسواني يرى أن الشعوب تتقدم في حالتين لا ثالث لهما: إما أن تفهم الدين بطريقة صحيحة باعتباره في المقام الأول دفاعا عن القيم الإنسانية: الحق والعدل والحرية ، وإما أن تنطلق من فكرة أخلاقية تجعل الضمير الإنساني هو الحكم الذي يفرض معايير الشرف والأمانة. أما الشعوب التي تفهم الدين بعيدا عن القيم الإنسانية فإن قدراتها تتعطل ولابد أن تتخلف عن ركب الحضارة.

سبق لي ان اشرت الى انماط التدين المغلوط والمغشوش ، وذكرت حينها ان تعاملنا مع الدين اصبح شكليا ومظهريا ، وان تديننا صار - للاسف - استهلاكيا بامتياز ، نذهب الى الدين كما نذهب الى "السوبرماركت" لشراء ما نحتاجه ، وما يلبي رغباتنا سواء في التسوق او التسلية او تلبية الحاجات الضروية ، دون ان نفكر في مقاصد الدين وحقيقته ، ودون ان يكون تدينا انتاجيا ، بمعنى ان تتوالد منه قيم وسلوكيات سامية ، او التزامات ضميرية غير قابلة للتازل او صورة كلية يتجسد فيها الدين داخلنا ، بحيث تصبح المسافة بين ما يقره الدين وما يعكسه التدين قصيرة ما امكن ، وبحيث تنتصر القيم العليا :كالحرية والعدالة التي هي في صميم مقاصد الدين على الاجراءات والمراسيم والشكليات التي طغت على تديننا.

لقد انشغل "تديننا" على مدى القرون الماضية باسئلة الطهارة البدنية وفقه العبادات والحشمة وغيرها من التفاصيل على حساب القضايا الكبرى التي تتعلق بالأمة والنهضة والتحرر والمشاركة السياسية والحرية ونظافة الروح واليد ..الخ ، وكان يمكن ان نتقدم نحو الاسلام لنفهم مقاصده وكلياته ، او ان نردم الفجوة بين ديننا وتديننا ، لكن ذلك لم يحدث ، مما جعل اسئلة مثل:هل يجوز تزوير الانتخابات او دفع الرشوات او تكميم افواه الناس عن الكلام او غيرها من اسئلة الحياة العامة اسئلة مشروعة ، وان كانت اجاباتها - للاسف - في اجندة بعض دعاتنا ما تزال غائبة.

التاريخ : 22-04-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش