الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بن غوريون فلسطين ؟!

عريب الرنتاوي

الجمعة 5 شباط / فبراير 2010.
عدد المقالات: 3263
بن غوريون فلسطين ؟! * عريب الرنتاوي

 

إن كان الدكتور سلام فياض هو بن غوريون فلسطين وفقا للوصف المتكرر المنسوب لشمعون بيريز ، فما مكانة الرئيس الفلسطيني المنتخب ، رئيس السلطة والمنظمة وفتح والقائد ، الذي يحرص في كل مناسبة على التذكير بأن حكومة تصريف الأعمال (مضت على تشكيلها أكثر من ثلاث سنوات من دون مصادقة برلمانية) ، هي حكومته ، وهل يعني ذلك أن فياض ، وليس عباس ، هو من بات يحظى بـ"عدم الاعتراض" الإسرائيلي على الرجل الذي سيحمل الرقم واحد ، في تسلسل الهرم القيادي الفلسطيني ، هل هو إيذان بنهاية حقبة عباس أو "العباسيّة" من منظور إسرائيل ، وبداية حقبة فيّاض ، أو "الفيّاضيزم" وفقا لتعبير توماس فريدمان الذي نسبه كتاب عرب وفلسطينيون زورا لأنفسهم.

قد يستكثر البعض طرح هذه الأسئلة المستهجنة...قد يتساءل البعض: منذ متى كان لإسرائيل قول في مسألة "الرئاسة والرئيس" في الساحة الفلسطينية؟...وقد يرى راءْ بأن ليس ثمة "فلسطيني جيد" من زاية نظر إسرائيل ، يمكن أن يُشبّه ببن غوريون..والمؤكد أن سؤال: لماذا قال بيريز ما قال في "هيرتسليا" سيظل يقرع الأذهان بقوة.

هل هو تقييم "مخلص" نابع من قناعة الرئيس الإسرائيلي الشخصية ، هل هي شهادة تزكية للرجل صاحب المواقف والمشاريع المثيرة لعواصف النقد والإدانة والتنديد والتساؤلات ، أم هي محاولة لزرع الشقاق والفتنة ، وربما لحرق فيّاض نفسه ، طالما أن "الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت" في العرف الإسرائيلي.

ونبدأ بتفكيك غابة الأسئلة هذه ، متوقفين عند السؤال عن "أحقية" إسرائيل في التدخل في شأن "الرئاسات" الفلسطينية ، وهو أمر وإن بدا مستهجنا حتى الأمس القريب ، إلا أنه لم يعد كذلك في ظل "الارتباط الوثيق" بين مشاريع "المفاوضات حياة" و"الدولة تحت الاحتلال" من جهة ، ومدى رضى وقبول سلطات الاحتلال من جهة ثانية ، فهذه المشاريع مبنية من ألفها إلى يائها على فرضية تعاون إسرائيل وقبولها والتنسيق معها في شتى الميادين ، ومن يرتضي أن يكون هذا هو طريقه الوحيد وخياره الأوحد ، فعليه أن ينتظر نتيجة من هذا النوع.

ثم إذا كانت الدولة العربية الأكبر ، وفقا لرئيس لجنة السياسات في الحزب الوطني الحاكم فيها (وليس مرشد الإخوان أو زعيم المعارضة) ، تحتاج إلى "موافقة" أمريكية و"عدم ممانعة" إسرائيلية للبت في شأن رئيسها المقبل ، فهل يصبح مستهجنا أو مستغربا أن تحتاج سلطة الحكم الذاتي المحدود ، القابعة تحت جلد الاحتلال ورحمته ، لضوء أخضر إسرائيلي فيما خص مستقبلها وتراتبية قيادتها وتسلسل هرمها السياسي ، فيصبح الإسرائيلي "صاحب حق" في إطلاق الصفات والألقاب وحسم التفضيلات والخيارات: هذا بن غورين وتلك غولدا مائير وذاك موشيه دايان إلى غير ما في القائمة من أسماء.

والحقيقة أن إعجاب شمعون بيريز ، ومن خلفه إيهود باراك برئيس حكومة تصريف الأعمال ، لا يمكن إدراجه في الإطار الشخصي ، مع أن الأمر غير مستبعد ، و"العًشرَةُ" لها مفاعيلها في بعض الأحيان ، بل هو إعجاب بمشروع فيّاض وبرنامجه ، والذي يكاد يكون طبعة غير مزيدة وغير منقحة ، للسلام الاقتصادي و"دولة الحدود المؤقتة" ، حتى وإن تجلل وتغطى بلغة صارمة وحديث ساخن كجوف الفرن ، عن "نصف الرغيف والرغيف الكامل" ، وهو المشروع الذي يجيب إسرائيل مباشرة وفورا على "سؤال الديموغرافيا" و"ترسيم الحدود مع الفلسطينيين" الذي يشغل بال بيريز وباراك ، بوصفه السؤال ـ التهديد الأكثر "استراتيجية" وخطورة حتى من القنبلة النووية الإيرانية ، كما قال أحد "زعران" إسرائيل وفقا للوصف الموفق الذي أطلقه الوزير السوري وليد المعلم.

بن غوريون الإسرائيلي ، هو الزعيم المؤسس لدولة الاحتلال وأحد كبار الآباء الروحيين لتيار العمل ـ ماباي ـ المعراخ ، وهو التيار الذي يكاد يندثر هذه الأيام ، ولم يبق له سوى وجود رمزي ، يصلح للاستحضار بين الفينة والأخرى بغرض توزيع الألقاب وشهادت حسن السلوك يمنة ويسرى ، خصوصا لأولئك الذين يسهلون مهمة تحقيق "الانفصال" أو "الحل الإقليمي الوسط" أو غير ما هنالك من طروحات تميّز بها هذا التيار ، وتستهدف الحفاظ على يهودية الدولة العبرية وديمقراطيتها ، أي على نقائها من "الجنس الفلسطيني" ، ومن دون التورط في الاستجابة لبرنامج الحد الأدنى الفلسطيني بمختلف مفرداته من العودة وتقرير المصير ، إلى بناء الدولة وعاصمتها القدس الشريف ، ولهذا فهم يرون في فيّاض "شريكا" في تفكيك هذا البرنامج ، وتحويله إلى "برنامج الدولة منقوصة المساحة والسيادة".

لكن في المقابل ، فإن التيار المقرر في إسرائيل اليوم ، تيار اليمين واليمين المتطرف ، لا يبد ارتياحه للوصف ولا للموصوف ، فهذا التيار لم يصل بعد إلى القناعة الحاسم بالانفصال عن الفلسطينيين كليا ، وهو ما زال يجادل في "نصف الرغيف أو حتى ربعه أو ثلثه" ، وهو لا يبدي ارتياحه لفياض وعباس على حد سواء ، فهما يذكّرانه بما لا يرغب في تذكّره ، ألا وهو أن جزءا من الضفة الغربية ، يجب أن يكون تحت ولاية الدولة الفلسطينية العتيدة ، ولهذا لا يدخّر هؤلاء جهدا إلا وبذلوه لـ"شيطنة" عباس وفيّاض سواء بسواء.

في ظني ، وليس كل الظن إثما ، أن "الفيّاضية" أو "الفيّاضيزم" ليست سوى الترجمة المحلية لمزيج من نظريتين: "البليرية" ، نسبة إلى طوني بلير ، القائمة على "بناء المؤسسات تحت الاحتلال ، أو السلام الاقتصادي"...و"الدايتونية" بما هي نظرية الأمن الفلسطيني الجديدة ، في زمن "الانسان الفلسطيني الجديد" الذي تحدث عنه الجنرال كيث دايتون أمام الكونغرس باندهاش وإعجاب بالغين ، وأحسب أننا نعطي الرجل أكثر مما لديه ، ونبالغ في دوره وقدرته ، إن نحن تحدثنا عن "الفيّاضية" من دون مكونيها الرئيسين: "البليرية" و"الدايتونية".

وبهذا المعنى ، فإن أخطر ما في "الفيّاضية" بمكونيّها الرئيسين ، أنها نجحت في الانتقال بالحركة الوطنية الفلسطينية - الفلسطينية ، من "حركة منافي ولجوء" تدور حول مفهوم "العودة" ، وتضع قضية اللاجئين في صدارة أولوياتها ، إلى "حركة الداخل الفلسطيني" ، وبالأخص "الضفة الغربية" ، وتدور حول مساحة الأرض وجغرافيا الدولة ، وتضع الأخيرة في صدارة أولوياتها ، مستفيدة من حالة الضعف والانقسام الفلسطينية ، من تآكل فتح وتراجع دورها وفقدانها بوصلتها ، ومن تزايد ضغط "العامل العربي والدولي" في الشأن الفلسطيني الداخلي.

"الفيّاضية" هي التعبير الأحدث عن الحركة الوطنية الفلسطينية في لحظة اندحارها وتآكلها ، وهي حركة "ضفّاوية" في الأساس ، هي نقيض منظمة التحرير الفلسطينية والابنة غير الشرعية للسلطة وخريطة الطريق ومحاولات تكييف المشروع الوطني الفلسطيني على مقاس "دولة البقايا" ، وهي استتباعا حركة تضيق ذرعا باللاجئين الذين يتعين على ملايينهم الخمسة ، أن يبدأوا رحلة استعادة المنظمة ، أو صياغة مرجعية جديدة ، فما حك جلد هؤلاء غير أظافرهم.



التاريخ : 05-02-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش