الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ثوب مقلوب وجاروشة فارغة

رمزي الغزوي

الخميس 28 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
عدد المقالات: 1956
ثوب مقلوب وجاروشة فارغة * رمزي الغزوي

 

حسب ما جاء في كتاب الحيوان للجاحظ ، كان هناك ما يُعرف بـ(نار الاستسقاء). وهي نار كانوا يستمطرون بها في الجاهلية الأولى. فإذا تتابعت عليهم الأزمات ، ورزح عليهم عظيم البلاء ، واشتدّ بهم الجدب ، واحتاجوا إلى المطر ، اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر ، ثم عقدوا في أذنابها بعض الخرق ، وصعدوا بها إلى جبل وأشعلوا فيها النيران ، وضجّوا بالدعاء والتضرّع ، وكأنهم يرون في ذلك أسباباً للسُقّيا والمطر ، كون النار تشير للبرق ، والبقر يرمز للخصب والنماء.

في قرانا كان هناك طقس يشيع حال تأخر الموسم والمطر ، فتتجمع بعض الصبايا والأطفال ، حاملين خشبة على شكل فزاعة ، عليها ثياب سوداء مهترئة ، تسمى (أم الغيث)،. الصبايا المفعمات بالبهجة وحب المطر وشوق القمح كنَّ ينطلقن في الطرقات والأزقة ، ويرددن أغنية مليئة بالشجن المجروح ، والرجاء المستكين ، والابتهال: (يا أم الغيث يا ربي ـ تسقي زرعنا الغربي ـ يا أم الغيث يا دايم ـ تروي زرعنا النايم)،،. وهنا كان أهل البيوت يستقبلون الصبايا بالبشاشة والرجاء ويرشقوهن بالماء ، في إشارة متفائلة إلى أن المطر سينهمر قريباً بإذن الله.

وهناك طقس رهيب كان الفلاحون يمارسونها في هذه الأحوال. وهو طقس تعليق عدة الحراثة مقلوبة على جدار البيت ، وهو مشهد يشير إلى تعطل الزراعة والفلاحة ، بغير المطر روح الأرض ، وفكرة تعليق المحراث مقلوباً متأرجحاً في الهواء على هيئة إنسان مشنوق ، تعطي إشارة إلى أن هذا الفلاح ربما قد ارتكب خطيئة أوجبت عقوبة انحباس المطر. وهذا طقس ضراعة صامت.

أما جداتنا الطيبات ، وحتى وقت قريب ، كنَّ في حال تأخر المطر يجلسن بحزن وسكينة على عتبات البيوت ، بعد أن يلبسن ثيابهن القديمة المرقعة مقلوبة ، ثم يأخذن بتحريك وتدوير الرحى (طاحونة الحبوب اليدوية المكونة من حجرين دائريين من الصوان) ، يحركنها دون أن يضعن فيها شيئاً من الحبوب ، في إشارة معبرة ، أننا يا ربنا نطحن الهواء ، فلا قمح لدينا. فأمطرنا يا كريم.

في حمى حياتنا الاستهلاكية الشرهة نسينا المطر ، ولم تعد تلك الحسرة على تأخره تنتابنا. وهنا لا أريد أن نقلب ثيابنا ، ولا أريد أن نجرش الهواء بالرحى. بل أن ننزع عنا بعض كبريائنا الزائف. فيا ربنا ، ندري أننا خربنا الأرض ، حتى ضجت بالزلازل والبراكين والأعاصير والتسوناميات ، وأننا ثقبنا الأوزون ، وزدنا الغازات التي رفعت حرارتها وعصبيتها. لكنك الرحيم الكريم ، فاسقنا بمطرك القريب،. وحالنا تغني عن سؤالنا،،.

[email protected]

التاريخ : 28-10-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش