الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ربيع غريسا

محمود الزيودي

الأحد 14 آذار / مارس 2010.
عدد المقالات: 712
ربيع غريسا * محمود الزيودي

 

منذ زمن بعيد ، لم أشاهد الدحنون على سفوح غريسا.. شقائق النعمان تختفي قبل أن يكتمل تفتح أزهارها الحمراء.. ومثلها أزهار السليحي الصفراء والبيضاء.. وقد اختفى المرّار بين أعوادها قبل أن تبرز الأشواك لتدمي أيدينا ونحن نحاول الوصول الى سيقانها الطريّة.

بعد أول شتوة في الأعوام السابقة كانت الأغنام تحصد ما نبت على السفوح.. حتى العكوب والقعفور الذي كنا نستذكر أيام طفولتنا ونحن نجمعه مستعينين بأعواد الخشب وقضبان الحديد الصغيرة والسكاكين التي كنا نختلسها دون علم أمهاتنا ونتلقّى الصفعات على آذاننا ، عقوبة لاستعمالها في نبش الأرض وهي مخصصة لمطبخ البيت الصغير.

ليس ابن زيدون وحده الذي دعا لبلاد محبوبته بالمطر "جادك الغيث اذا الغيث همى.. يا زمان الوصل بالاندلس". أغلب شعراء البادية تغنوا بالمطر "المزنه الغرا بروقها رفاريف.. تمطر على الظفرة مطرها انهشامي" وأفاضوا في وصف السفوح والمروج بعد هطول الأمطار "غب الحيا فاحت بها ريح الأزهار.. تخالف النوّار مثل القطيفة.. ترعى بها قطعاننا سر وجهار.. تقطف زهر مرباعها مع مصيفة".. واذا تمنّى بدوي لآخر أمنية طيبة: فهو يتمنى له المطر على دياره.

اتخذ أسلافنا من مواسم الغيث تاريخا للأحداث "علمي بهم يا حميد يوم المطر طاح.. واليوم يا حميد مادري وين ربي غدا به".. وهم يقولون أن فلانا ولد سنة الثلجة الكبيرة.. وفلانا تزوج في عام الفيضان.. ويعوذون بالله من ذكر بعض سنوات القحط التي أهلكت الزرع والضرع قبل العولمة وزمن الحبوب واللحوم والأسماك والأجبان العابرة للقارات من الشرق والغرب والشمال والجنوب.

هذا العام "والحمد لله" جادنا الغيث على كل ربوع الأردن حتى فاضت بعض السدود واكتست السفوح والمروج بالأخضر من كل عشب مطرز بألوان الأزهار التي افتقدناها خلال الأعوام الماضية في سهول الغباوي ووادي الحرث ومشاش حدرج بين باير والأزرق.. وأخيرا سفوح غريسا التي شكّلت لوحة ملونة تبهر الناظرين بألوان أزهارها التي ذكّرتنا بسنوات الغلال البعيدة.

اكتشفنا أن صمود هذه السفوح بأعشابها وأزهارها "ربما حتى فصل الصيف" يعود الى قلّة الأغنام التي ترعاها.. ففي الأعوام السابقة ارهق غلاء الأعلاف كاهل مربي الأغنام فباعوا اغلبها اتقاء للخسارة. فحتى الأعلاف المدعومة لم تكفي المواشي طوال عام من القحط. أما البقية فقد تكفّلت بها الولائم والدعوات التي كان المنسف ولم يزل مائدتها الدائمة.

في كل هذا الربيع افتقدنا الفطر والكمأ والعكوب والخبيزة والبابونج والقعفور وغيرها من الأعشاب والنباتات التي كنا نحشّها من منبتها.. نأكلها طريّة ونحمل منها الى منازلنا نطبخ بعضها ونأكل البعض الاخر نيئا.. ليست الأغنام هي السبب.. بل الانسان الذي يبحث عن التوفير في مائدته أو يوفّر ثمن الخبز اليومي من أسعارها.. على سفوح غريسا مثل غيرها عشرات الرجال والنساء جاؤوا بالباصات التي امتدت خطوطها الى كل سفح ووادي.. أو بسياراتهم الخاصة واقتلعوا كل البقول والأعشاب الصالحة للأكل ولم يبقوا لنا الا الدحنون والسليحي وأشواك العتّور التي تحوّط أزهارها الليلكية ولا تسمح لغير الفراشات والنحل بالدخول الى حماها.

طالما اختفى العكوب من سفوح جبالنا مبكرا: فلا نملك الاّ أن نقول: الله المستعان.



التاريخ : 14-03-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش