الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عزمي السيد .. قلق الفيلسوف ويقين الصوفي

حسين الرواشدة

الخميس 18 آذار / مارس 2010.
عدد المقالات: 2559
عزمي السيد .. قلق الفيلسوف ويقين الصوفي حسين الرواشدة

 

أشعر بسعادة غامرة رغم الاكتئاب العام الذي اصاب مزاجنا ، كلما قرأت لأحد زملائي مقالا منصفا عن اساتذتنا من المفكرين والعلماء ، هؤلاء الذين تتلمذنا على قيمهم ومواقفهم ، واقول الحمد لله فما زال في جيلنا من يتذكر اساتذته بما يستحقونه من احترام واحتفاء ، وبما لهم من دين في اعناقنا ، نحن الذين تلقينا على ايديهم اعز ما نمتلكه من قيم النظافة والاخلاص والمسؤولية وورث بعضنا منهم معاني الاستقامة والعصامية وكل ما يمكن ان يطمئننا على عافية حاضرنا ومستقبلنا ايضا.

احتفاؤنا بهؤلاء الآباء المعلمين ، وما اكثرهم في بلادنا ، جزء من واجبنا تجاههم ، وتجسيد لقيمة الوفاء التي تعلمناها منهم ، وتكريمهم هو في ذاته تكريم لثقافتنا وبلدنا وتكريم لذاتنا ايضا ، اذ لا معنى لوجودنا من دونهم ، ولا لانجازاتنا اذا انقطعت الجذور التي تصلنا بهم ، والجسور الممتدة بين وعينا المعاصر وتراثهم الذي صنع هذا الوعي ، فهم -بحق - آباؤنا في الروح والفكر والعلم ، وان كانت انساب الدم بعيدة ، وجذوة النار التي نستمد منها "انوارنا" وان كان بعضهم قد رحل بجسده وترك لنا روحه ترفرف بيننا وتدلنا على الفضيلة والصواب.

ولكم اتمنى لو كان بوسعي ان اكتب عن هؤلاء "الآباء" كلهم ، الراحلين والاحياء ، وان اسدد -بالذكر الطيب - بعض ما في اعناقنا من دين لهم ، خاصة في هذا الزمن الذي اتسم بالعقوق والنكران ، لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله ، وعزاؤنا في "التلاميذ" من هذا الجيل الذين ما زالوا يحفظون "للكبار" منزلتهم وقيمتهم ، ويوفونهم بعض ما يستحقونه من تقدير واحترام.

القائمة -بالطبع - طويلة ، لكنني استأذن في اختيار واحد من هؤلاء الآباء ، وهو فيلسوف وباحث واكاديمي وفقيه ، اسمه الدكتور عزمي طه السيد ، قدّم لمكتبتنا اكثر من عشرين كتابا في الفلسفة والثقافة والدين ، وتخرج في مدرسته آلاف الطلبة والمريدين ، وبقي -امد الله في عمره الذي ناهز الستين - مخلصا لقيمة العلم والبحث ومثالا للتواضع والحكمة وحسن التعامل ، زاوج بين قلق الفيلسوف ويقين الصوفي ، وبين حكمة العالم ورصانة الفقيه ، فكانت شخصيته -بلا مبالغة - صورة للانسان الذي اوشكت ان تكتمل فيه معاني الانسانية ، فزهد في الدنيا وأعلاقها ، وتسامى فوق مغرياتها ، وانقطع للتأمل والتفكر والتبصر ، عاملا في صومعة العلم ، قائما على تدريس طلبته ، وناذرا عمره لتصحيح ما اختل في المعادلة التي لا يصلح الكون الا بها "الايمان والعمل الصالح".

تسألني لماذا اخترت الدكتور عزمي السيد من بين كثير ممن يستحقون مثله الاحتفاء والاحترام؟ اقول لاعتبارات كثيرة منها انه رغم ما يمتاز به من قيمة علمية معروفة في خارج بلادنا اكثر ، ومن مساهمات فكرية وفلسفية ترجم بعضها الى لغات عديدة ، واعتمدت كمناهج في بعض الجامعات ، الا انه لم يحظ -للاسف - منا بما يستحقه من تنويه وتكريم ، وكان من واجبي ان ابادر الى هذا التنويه تاركا مسألة التكريم لمؤسساتنا الثقافية وجامعاتنا التي منحها استاذنا عمره وجهده ، ومن الاعتبارات ايضا ان الجانب الانساني في شخصية الدكتور السيد التي صقلتها تجربة طويلة ، وعنيدة ومؤلمة ايضا ، قد اسرت كل من عرفه ، فإلى جانب ما يتصف به من اخلاق رفيعة وسماحة وهدوء واتزان وتواضع ومحبة تفيض على كل من حوله ، لم يعرف عنه انه تأخر في مساعدة احد ، او قال كلمة جرحت احدا او رد طالب علم ، او سعى الى "اضواء" اعلام او مناصب ، وان كان يستحق ما هو اكثر من ذلك.

بقي اعتبار اخير ، وهو ان استاذنا السيد يمتلك تجربة علمية وانسانية غنية ، كنت اتمنى لو خرجت في كتاب ، ويمتلك ايضا "رؤية" فلسفية ودينية تؤهله ليكون في مقدمة "فلاسفة" الامة وعلمائها المعاصرين ، لكن زهده وانقطاعه عن الاعلام وعزوفه عن الشهرة حرمنا من هذه الفرصة ، وارجو -بالتالي - ان تكون هذه دعوة لاستاذنا العزيز "تحريضية ان شئت" لكي يخرج عن زهده ، ويكشف ابداعاته ، واعتقد انه لن يخيّب لنا رجاء.



التاريخ : 18-03-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش