الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فلسطين بين جيلين.. «السلف العدمي» و«الخلف الواقعي»

عريب الرنتاوي

الأحد 14 آذار / مارس 2010.
عدد المقالات: 3257
فلسطين بين جيلين.. «السلف العدمي» و«الخلف الواقعي» * عريب الرنتاوي

 

يبدو أننا عربا وفلسطينيين ، قد بلعنا الطعم ، وصدقنا الرواية الإسرائيلية عن تاريخ صراعنا مع الاحتلال والاستيطان ، وبدأنا نقر ونعترف بأن "رفضنا" للمشاريع والمبادرات والكتب البيضاء والسوداء والخضراء وقرارات التقسيم وتقارير لجان تقصي الحقائق ، كان السبب وراء "عدم التوصل إلى تسوية منصفة" ، وهو المسؤول عن استمرار الصراع لمائة عام أو يزيد ، في حين أننا لو قبلنا "اليد اليهودية ـ الإسرائيلية الممدودة للسلام والتسويات والحلول الوسط" لكنا انتهينا من هذا الصراع وتداعياته الثقيلة منذ زمن بعيد.

والحقيقة المجردة ، التي لا تخطئها العين ، أننا قبل النكبة في العام 1948 وصولا للهزيمة في العام 1967 ، كنا نميل فعلا لرفض التسويات والمشاريع التي جرى تداولها كحل للصراع ينهي العنف والحروب والمطالبات ، لكننا وبعد أن فقدنا الأرض والحقوق ، جنحنا للسلم والتسويات ، ولم نرفض منذ النكسة قبل 43 عاما أي مبادرة من أي نوع ، قبلنا القرارين 242 338و ، قبلنا روجرز والنقاط العشر ومفاوضات جنيف وفك الارتباك والمعاهدات ، قبلنا مدريد وأوسلو وطابا و"جنيف" وعباس - بيلين وعبدربه - بيلين ، وكل ما يخطر بالبال ، تقدمنا بمبادرات منزوعة الدسم تماما ، فيها استعداد مطلق للسلم والتطبيع ، وفيها إيحاءات بالتخلي عن حق العودة ، وفيما بين سطورها زُرع الاستعداد لتبادل الأراضي والقبول بترتيبات خاصة للقدس ، إلى غير ما هناك من مشاريع تقزّمت معها حقوق شعب فلسطين وكرامة الأمة برمتها على حد سواء.

لكننا ومع كل هذا التهافت والهرولة في اتجاه إسرائيل ، لم نجد من بين قادتها من هو على استعداد لمد اليد ، والتقدم خطوة للأمام ، وإبداء الاستعداد الحقيقي للتسويات ، الأمر الذي يدحض ، دفعة واحدة ، جملة وتفصيلا ، وبجرة قلم ، كل المزاعم الإسرائيلية ، وإلى حد كبير ، الغربية ، حول مسؤولية "الرفض العربي" عن تبديد فرص الحل وابتعاد حلم السلام وتعذر تحقيق التسويات.

الخلاصة المنطقية لهذه التجربة ، هي أننا لا يجب بحال من الأحوال أن نستمر في جلد الذات وشتمها ، وتوجيه اللعنات للأباء والأجداد ، فهم لم يخطئوا حين رفضوا ما عرض عليهم من مبادرات ، هم أخطأوا حين قصّروا في الاستعداد للنزال والمواجهة ، هم لم يخطئوا حين قالوا بأن إسرائيل لا تريد سلاما واستقرار ، وأنها لا تعيش وتزدهر خارج إطار الحروب والاستيطان والعدوان ، هم أخطأوا حين لم يتبعوا القول بالعمل ، ولم يتصدوا بالنجاعة المطلوبة للأحلام التوراتية السوداء.

لكن بعض العرب ، غالبية العرب ، وحين أقول العرب هنا ، لا أقصد الأنظمة القائمة وحدها ، بل ومن خلفها "تيار الليبرالية المتهافتة" ، جعل ومن موقع العجز والتخاذل والتواطؤ ، من تاريخنا "مذغة" له ، ومادة للتندر والتهكم والسخرية ، مع أنهم بمقارباتهم "البديلة" لم يتحصّلوا على شيء قط ، لم يحرروا أرضا ولم يبنوا وطنا ، فكانوا كالمُنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.

والمؤسف أكثر من هذا وذاك ، أن عرب اليوم ، غالبيتهم على الأقل ، تتصرف من وحي "عقدة ذنب مع التاريخ" أو "عقدة نقص حياله" ، فهم لا يريدون مثلا أن يظهروا بمظر المعطّل لعملية السلام ، حتى وإن اقتضى ذلك الاستمرار في مفاوضات عبثية تحولت مؤخرا إلى مطلب ملح لنتنياهو - ليبرمان - بارك. ولكي لا يظهروا بمظهر "القومي العدمي" ، تراهم لا يكفون عن الهبوط عن سقف مطالبتهم يوما بعد آخر ، وجولة بعد أخرى من جولات التفاوض المفتوحة على الزمان والمكان.

أضاع "السلف الرفضاوي ، القومومي والعدمي" الأرض والحقوق في معارك لم يكسب واحدة منها ، وها هو "الخلف الواقعي والعقلاني المفتوح على عصر العولمة" يضيّع ما تبقى من حقوق وكرامة وماء وجه ، ومن دون أن ينجح في استرجاع أرض أو بناء وطن ، وفي الحالتين كان الضعف والانقسام وغياب عنصر "القوة ورباط الخيل" ، هو السبب الكامن وراء الفشل والهزيمة ، فهل لنا أن نراهن على جيل مقبل جديد ، يتقن تعلم دورس تجربة مرة وحصاد وخيم تراكم فوق بعضه البعض حتى صارت رائحته تزكم الأنوف.



التاريخ : 14-03-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش