الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الانقراض التاريخي

خيري منصور

الثلاثاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2010.
عدد المقالات: 1791
الانقراض التاريخي * خيري منصور

 

الكائنات التي انقرضت هي تلك التي يقول علماء الاحياء انها عجزت عن التأقلم مع مستجدات بيئاتها وما طرأ عليها ، ومنها ما انقرض لان دماغه لا يشعر بالالم حتى لو بتر ساقه وليست قوانين هذه المخلوقات بعيدة عنا نحن البشر ، فالحضارات التي سادت ثم بادت هي التي تجاوزها التاريخ وأنهى صلاحياتها بعد ان استنفدت كل امكاناتها في النمو ، وحسب ما يرى فلاسفة التاريخ لا المؤرخون فالفارق شاسع بينهم فان اكثر من ثلاثين حضارة اصابها الضمور وبلغت خريفها قبل الاوان وقد احصى المؤرخ الكبير ويل ديدرانت في كتابه قصة الحضارة الحروب التي وقعت في التاريخ وكانت فاصلة لكنه اضاف بان التاريخ البشري لم يعرف السلام واللحظات الهادئة فيه هي هدنات او جمل معترضة يتم خلالها شحذ الادوات واعادة اختيار المواقع والخنادق.

وما يقال الآن عن اللغات لا تنجو منه حتى هذه الابجدية فثمة مئات اللغات تنقرض تباعا واللغة الفرنسية رغم ما تنعم به من تمدد فرانكفوني يشمل اكثر من خمسين دولة تنعقد سنويا عدة ندوات تحذيرية تسعى الى اطالة عمرها وتجديد حيويتها التعبيرية.

وما يجب التذكير به في هذا السياق هو ان مفاهيم من طراز الابادة والانقراض لم تعد حكرا على المجال العضوي فثمة ديناصورات قد تستمر في الحياة وتأكل وتشرب وتتناسل لكن هذه الديناصورات البشرية بلا مفاعيل وحضورها يعادل غيابها تماما واحيانا يفيض عن هذا الغياب لانها مهمشة ومقذوفة بقوة الى قارعة التاريخ ويليق بها ذلك المصطلح الذي راج بعد الحرب على العراق وهو مصطلح العالقين ، فالعالقون بالتاريخ أسوأ حالا من العالقين بالحدود والجغرافيا.

والعرب الذين لديهم من القرائن والمشاهد ما يكفي للتأكد بأنهم في مهب عواصف مثقلة بالسموم يصرون على تجاهل كل ما يرون ويسمعون ويواصلون الحياة كما لو انهم في اواسط القرن التاسع عشر لهذا خسروا ما خسروا وهو ما تعجز عن احصائه اذكى الحواسيب وهم لا يعلمون وكأن ألم بتر الساق لا يصل الى الدماغ ، وبالتالي تبقى المناعة في حالة فقدان ورغم هذا التطور والاتساع الهائل في وسائل الاتصال الا ان هناك من يتشبثون بالشرانق التي يعيشون داخلها ويعتقدون ان الزمان سوف ينتظرهم الى ان يستيقظوا من هذا السبات ومن تقضم ارضه ويسحب البساط من تحت قدميه وهو لا يشعر عليه ان لا يفاجأ ذات ابادة بانه محذوف من معادلات الكون كلها والامر اكثر جدية وخطورة مما يظن العازفون على ناياتهم الخاصة في عزلاتهم الهادئة.

واذا كان القانون كما يقول اهله لا يرحم المغفلين والجهلة بمواده فان التاريخ ايضا له مثل هذه القسوة فهو صارم ولا يقبل حكمه الاستئناف عندما يتعلق الامر بالانهيار وعدم القدرة على ايقاف متوالية النزيف والسقوط المتسارعة.

اليس قتل عشرات الآلاف من البشر اطفالا ونساء وشيوخا هو عينة لابادة قابلة لان تتكرر لكن بالتقسيط بحيث لا يشعر بها العالم.

ما الابادة وما الانقراض على المستوى التاريخي والرمزي ان لم تكونا هذا الموت العربي بالجملة في اكثر من مكان وهو موت صامت محاصر باللامبالاة والديناصورية.





التاريخ : 14-12-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش