الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

داود .. يصوم يوما ويفطر آخر

حلمي الأسمر

الجمعة 13 آب / أغسطس 2010.
عدد المقالات: 2514
داود .. يصوم يوما ويفطر آخر * حلمي الاسمر

 

سقط الفتى ابن الثالث ابتدائي مغشيا عليه في الصف ، وسط دهشة التلاميذ والمدرسين ، حملوه إلى الطبيب ، أجرى له عملية اسعاف أولية ، حينما أفاق بكى ، سأل الطبيب: ما قصتك يا بني؟ ولم تعاني من كل هذا الهزال؟.

قال الفتى: لا شيء يا دكتور، قال الطبيب: ولكنك تعب جدا، قال الفتى: نعم يا دكتور ، أنا تعبان وجائع، قال الطبيب: ولم يا بني؟ قال الفتى: لأني صائم،.

صائم؟ سأل الطبيب، في هذا اليوم؟ وهو ليس عاشوراء ولا يوم وقفة عرفات ولا اثنين ولا خميس ، ولا رمضان ، لم أنت صائم؟.

قال الفتى: أنا اصوم يوما وأفطر يوما،.

لم يصدق الطبيب أذنيه، تقصد صوم النبي داود؟ سأل الفتى: من داود يا دكتور؟ أبي اسمه عباس، أبي هو الذي يأمرنا بالصوم،.

قال الطبيب: يأمركم؟ من انتم؟ وما القصة يا فتى؟ إجلس وحدثني بهدوء، كم اخ واخت أنتم؟ واين تقيمون؟.

قال الفتى: أبي يقسمنا قسمين ، القسم الأول يصوم يوما ، والقسم الثاني يصوم يوما آخر، رفع الطبيب حاجبيه ، سأل باستغراب: ما فهمت ، تقصد أن اباك يفرض عليكم أن تصوموا يوما بعد يوم؟ ولماذا؟ هل هو رجل متدين جدا إلى هذا الحد؟.

قال الفتى: متدين نعم ، لكن الصيام ليس بسبب الدين،.

قال الطبيب: بسبب ماذا يا ابني،؟.

قال الفتى: الجوع يا دكتور ، أبي لا يستطيع أن يطعمنا كل يوم، فيقسمنا إلى قسمين ، قسم يأكل يوما وقسم يأكل يوما آخر،.

كتبت هذه القصة في سياق مقالة نشرتها هنا في الدستور في 1 ـ 4 ـ 2004 ، وأحدثت حينها ضجة ، فقد تلقيت فيضا من الاتصالات تسأل عن مكان هذا الداود كي يهبوا لتقديم المعونة ، وبالمناسبة ، هذه ليست قصة مستلة من كتاب ، ولم أقرأها في مجلة ، وليست بالطبع من نسج الخيال ، بل رواها لي رجل من أهل الخير ، ممن اعتادوا على البحث عن أهل الحاجة ، وطرق بيوت من تحسبهم اغنياء من التعفف ، سألته حينها بالحاح أن يدلني على مكان هذه العائلة ، فقد بلغ "التطفل" بي مبلغه ، رغبة في لقاء رب هذه الأسرة ، ودراسة هذا الحالة الفريدة من الفقر والعوز والحاجة ، لكن محدثي أبى علي ذلك ، ووعدني أن يأخذني إليهم ذات يوم ، كي أرى بأم عيني كيف يعيشون ، وعلى ماذا يفطرون،.

طبعا لم يتسن لي أن أقابل أصحاب هذه الحالة ، لكن بعد أكثر من خمس سنوات قابلت من هم أكثر حاجة من داود ، فثمة أسر بأكملها تهاتفني مقسمة أنها لا تجد ما تأكله ، طبعا هذا كان قبل رمضان ، ولا ادري ما حالهم في رمضان ، ولكنني على ثقة أننا بحاجة لمزيد من التكافل والتراحم والتواد ، كي نحاصر مثل هذه الحالات أكثر ، وما أحلى ما قامت به تكية أم علي من إطلاق حملة تفطير الأسر العفيفة في بيوتها ، بدلا من موائد الرحمن ، التي يعف عن ارتيادها الكثيرون ممن يشعرون بالحرج ، ولا يدري عنهم أحد ، كحال داود ، إلا حينما يقعون أرضا،.

[email protected]





التاريخ : 13-08-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش