الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حميمية البيوت

رمزي الغزوي

الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012.
عدد المقالات: 1957
حميمية البيوت * رمزي الغزوي

 

كأن أصحاب البيت سيعودون بعد قليل. لربما هم في الحديقة، يأخذون قهوتهم قرب شجرة السنديان الثلاثية، أو كأن وصفي (ينكش) حول زيتونة زرعها قبل شهرين، ويسند قامتها بشعبة صغيرة. أو كأن زوجته سعدية ترقب تموج سنابل القمح، في حوض البقعة القريب.

حين تدخل بيت وصفي التل على طريق السلط، في الكمالية، لا تحس بأنك في متحف بل ينتابك شعور أنك في بيت ما زال مشتعلاً بالحياة، معموراً بالألفة، بيت أصحابه سيعودون قبل أن تكمل جولتك. ياااااه، كيف تستطيع البيوت أن تكنز طيف ورائحة أصحابها لعقود؟!

تنفيذاً لوعد سابق، أخذت أولادي إلى هناك. شارع فرعي تحفه أشجار اللزاب، يوصلنا لبيت سيجذبك من أول نظرة، ويشعرك بحميمية اللقاء وراحته. وستعرف أن صاحبه في البيت، فسيارة الجاغور في مرآبها.

سيدهشك أن وصفي استغرقه بناء البيت سبعة عشر عاماً، تبعاً لإمكاناته المالية. (في كم يوما تُبنى قصور هذه الأيام؟!). ففي كل مرة، كان يضيف غرفة أو مضافة. ولهذا شتشعر بأن حلم الرجل لم يكتمل بعد، ولربما أراد أن يزجّج الشرفة المطلة على جبل جرش وعجلون، كي لا يفارقها أيام البرد.

يفتحون لنا البيت، الذي ما زال (تحت الجرد)، بعد أن تولت أمانة عمان إدارته. وأول ما يثير صغارك وجود مكتبة عامرة في كل مكان: الصالون، والممرات، حتى في غرفة النوم. وتلفت الولد الكبير علبة كبريت، بثلاث نجوم على الطاولة. تقول لنا المرافقة المهذبة: إنها لوصفي، ولربما أشعل منها سيجارة الفلادلفيا، قبل خروجه الأخير.

في الساحات أشجار، ودوالٍ، وقنوات جمع مياه، وورود طبيعية، لم تزاحم في حياتها. وسبع آبار ماء، وكأن وصفي الذي أحب الزراعة وعاشها، وهو الرئيس الوحيد في تاريخنا يحمل لفترة حقيبة الزراعة والدفاع. كأنه أراد أن يقول لنا بآباره، كيف علينا أن نتلقف عطايا السماء، ونحفظها.

الملابس على حالها، والجرائد، وجهاز الإذاعة الاحتياطي، الذي كان يحتفظ به للطوارئ، وأسلحته، وصندوق العرس، والمرآة المُصدّفة، وأوسمة ونياشين، وصور حيطان، يبدو أن ربة البيت للتو عدلت ميلانها، وأدوات مطبخ تشعرك بسخونتها، وطاحونة قهوة، وأرجيلة باغتنا طفلنا وقايسها بطوله، فطالته.

نزور متاحف كثيرة، ولكنها لا تعلق بذاكرتنا، ولا تتشبث بنا، كبيت وصفي، الذي نتمنى أن يصبح متحفاً مختلفاً ورائجاً، يعرفه الصغير قبل الكبير، بيت يحكي سيرة رجل أحب أرضه وقضيته، وقضى وهو مديون، بعد أن عاش حياته بصدق. رجل يمكننا أن نقول بإنه (واحد في كثرة، أو كثرة في واحد).

بيت وصفي التل مدرسة وطنية نحتاجها في هذه الأيام.

[email protected]

التاريخ : 19-01-2012

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش