الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عتبات بلا بيوت !

خيري منصور

الأحد 6 أيار / مايو 2012.
عدد المقالات: 1791
عتبات بلا بيوت ! * خيري منصور

 

خطوة الى الأمام وثلاث الى الخلف، تلك هي فلسفة الاجهاض المتكرر لنهضات ووثبات وانتفاضات عربية منذ القرن التاسع عشر عندما حاول عدد من رواد النهضة في مقدمتهم عبدالرحمن الكواكبي صاحب أجرأ كتاب عربي حول الاستبداد وسلالته بدءاً من الجذور حتى أحفاد الأحفاد، فقبل أن يكتمل البدر في أية ليلة حالكة تطلق عليه النار كي يبقى الى الأبد مجرد هلال، واذا كان الرومانسيون من شعراء وعشاق اتخذوا اللحن الناقص أو الذي لم يتم شعارا لمرحلتهم ، فإن نشيد الأمة كله محكوم عليه بهذا النقصان حتى وهي في ذروة واقعيتها وذرائعيتها وميكافيليتها!

ولو عدنا الى انقلابات وثورات النصف الثاني من القرن الماضي لوجدنا أنها تبدأ بأطروحات راديكالية ووعود يحتاج تحقيقها الى اجتراح معجزات، لكنها انتهت تباعاً الى نظم تراوح بين الباترياركي والاوتوقراطي وحتى الثيوقراطي، وما كان احتجاجاً على طغيان تحول الى طغيان أكبر، وسرعان ما تحسّر الناس الذين صفقوا للدبابات على زمن ما قبلها.

كان الوعد بالحرية والتحرير والتمدين، واذا بالواقع يعود قروناً الى البدونة والترييف وتزحف عشوائيات الثقافة والسياسة والعمران على العواصم لتصبح أشبه بمخيمات لأمة من اللاجئين حتى وهم في عقر أوطانهم وبيوتهم.

ومثلما تكرر هذا الاجهاض لنهضات متعاقبة، تكرر ايضاً في مطالب العون والاغاثة من الآخرين على ذوي القربى ولم يتغير في ست حالات على الأقل الا أسماء من تمت الاستغاثة بهم وأسماء من استغاثوا.

في أقل من عام بدأ من فرحوا بالتغيير وهللوا له يتذمرون من اختطاف حراكهم، كأن أبا زيد لم يغزُ ، وحليمة لا تفارق ذهنيتها القديمة، لأن ما أسقط هو اشخاص ورموز فقط، أما الثقافة والمفاهيم المعلبة التي أنهى التاريخ صلاحيتها فهي عابرة للأجيال والثورات والأسوار كلها، ومنها للمثال فقط مفهوم الاستحواذ والاحتكار واقصاء الشريك، كأن ما انتهى اليه كل هذا الدم وهذه البطالة وهذا الشقاء هو غنائم جديدة، فما اسرع التخوين المتبادل، وما أمهر الجناة حتى على أنفسهم وأبنائهم في تبرئة الذات.

لكأن هذه اللغة الأشبه بامبراطورية مترامية الكلمات، خلقت للتبرير والاستخدام المجازي الموارب لما سمعناه منذ ستين عاماً لم يتغير الا من خلال المترادفات، ومستوى الاداء البلاغي لمحترفي صياغة الخطب، رغم ان الواقع تغير مراراً وأخيراً انقلب رأسا على عقب، ولم يعد ممكناً فرز الحقيقي من الزائف، لأن الغربال تهرأت ثقوبه وامتزج فيه قمع الادعاء بزؤان السطو والاختطاف.

في نهضة التاسع عشر، أوشك العرب ان يدخلوا الى العصر بدون عكازات أو كتابعين، لكن سرعان ما كبت الجياد كلها، ومنها من تحطمت سيقانه فأطلقوا عليه رصاصة الرحمة.. هل هو قدر أم حصاد هشيم لاخطاء متكررة؟ والى متى سنظل نبني عتبات فقط لكن بلا بيوت؟

انها عربة عربية الصنع، يقودها حصانان باتجاهين متعاكسين، وان كانت الغلبة دائماً للحصان الآخر الذي تقع عيناه في ذيله!!

التاريخ : 06-05-2012

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش