الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مسـك الختـام

يوسف غيشان

الاثنين 12 آذار / مارس 2012.
عدد المقالات: 1798
مسـك الختـام * يوسف غيشان

 

إننا في عقد تجاوز وسائل الإعلام، وعلى رأسها الفضائيات، خطوط الطول والعرض ليعم تأثيرها في أرجاء الوطن العربي ويتجاوزه، إنه عصر الإعلام الذي يصنع الثورة ، وفي ذات الوقت عصر الإعلام الذي يثبط الثورة. ولم تعد المفاهيم الإستراتيجية والتكتيكية التي كان ينبغي السيطرة عليها هي التي تصنع الفوز، بل صار للإعلام دورٌ أكبر من البندقية رغم عزيزنا (ابو تمام) الذي ادعى بأن السيف اصدق انباء من الفضائيات.

وهناك عادة مستشرية في الوطن العربي ، وهي عادة قراءة الصحف والمطبوعات من الخلف ، أي من الصفحة الأخيرة إيابا للصفحة الأولى ، هذا إذا لم يترك القارئ المطبوعة بعد الانتهاء من تصفحه للأخيرة . ربما تكون المطبوعات العربية عرفت ذوق العربي ، فوضعت اللذة في القعر ،أو ربما يكون القارئ العربي – إن وجد- يلجأ لهذه الطريقة لأسباب نفسية بحتة ، حيث إنه لا ينتظر مسك الختام ، ويدعوه ضيق الخلق إلى محاولة الوصول إلى النهاية في أسرع وقت .

هذه الطريقة ربما نكون ورثناها عن أجواء الف ليلة وليلة ، حيث تمكنت شهرزاد من الحفاظ على رأسها شامخا بين كتفيها لأنها لم تتح لشهريار فرصة الوصول إلى مسك الختام من الليلة الأولى قبل الألف .

هذه المسألة السيكولوجية ليس لها أضرار جانبية لو اقتصرت على مطالعة الصحف والمجلات ، لكن الأمر يتحول إلى معضلة وجودية نفسية اجتماعية شعبية حين يتم تعميمها على كامل مناحي الحياة .

هكذا نتصرف ونتعامل مع الاقتصاد ، إذ حينما نضع خطة ثلاثية أو خمسية أو عشرية ، ونتوقع منها درجة من المردود الاقتصادي ، فإننا ومن الأيام الأولى لوضع الخطة نشرع في صرف وتبذير محصول نهاية الخطة المفترض ... نتعامل لكأن الخيرات الاقتصادية قد هلت علينا.

غالبا ، لا بل دائما ،تفشل خططنا ، فنكتشف بأننا تصرفنا بأموال لم نحصل عليها قط، فنضع خطة للخروج من هذا المأزق ، لكننا نعاود التصرف ، مثل المرة الأولى ... هكذا تستمر خططنا الاقتصادية في الانهمار ، ونستمر في استنزاف أنفسنا حتى نقع عبيدا تحت نير صندوق النقد الدولي والدول والمجموعات الدائنة.

هكذا نفعل في السياسة أيضا ، إذ نشرع في التمتع بوهج الانتصارات قبل أن تحصل ( وهي لا تحصل أصلا) ..نبدأ الحروب بالأناشيد التي تتوعد العدو وتتمنى الفوز... ثم ننهزم ولا يبقى سوى الأناشيد التي لا يصدقها...حتى نحن.

الطفل العربي ينهمك في تحديد مستقبلة الأكاديمي وهو ما يزال في الحضانة .. هذا يريد أن يكون مهندسا وذاك طبيبا ( بعض الأطفال الأذكياء يحددون التخصص ) والآخر طيارا ، وهذه مديرة مدرسة، وتلك صحفية ، وعلى الأغلب يتحول هؤلاء إلى طوبرجية وكندرجية وسكرتيرات وعاطلين عن العمل .

الشعوب التي تسير على هذا المبدأ لا أمل لها في جني مكتسبات التنمية المستدامة أو التقدم الحضاري ... إذ أن ابسط شروط التنمية المستدامة والتقدم هو استثمار الموارد بشكل لا يؤثر سلبا على مصير الأجيال القادمة ، وكيف نفعل ذلك ونحن نصرف ما في الجيب ونستدين قبل أن نعرف ما يخبئ لنا الغيب .. نبدل العصافير التي في اليد بالعصفور الأعجف الذي على الشجرة ، ونصرف قرشنا الأسود في يومنا الأبيض .

كل ذلك لأننا نبدأ من النهايات فننتهي إلى ما قبل البدايات ونظل نكرر أنفسنا وأخطاءنا بلا هوادة.

كان هبنّقة ، أحمق العرف المعروف أكثرَ ذكاءً منا ،، إذ أعطى ابنته الجرة لتملأها من ماء العين لكنه ضربها قبل أن تحملها ، ولما سألوه عن سبب ضربها قال :

- حتى لا تكسر الجرة

- لكنها لم تكسرها يا هبنقة؟

- وما نفع الضرب بعد أن تنكسر الجرة

نعم، يا سادة يا كرام نحتاج إلى من يضربنا قبل أن تنكسر جرة الأوطان.

نحتاج إلى هبنقة ليوحدنا تحت خيزرانته.

[email protected]

التاريخ : 12-03-2012

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش